من ديوان (بلقيس) للشاعر الجزائري محمد دعدي قصيدة (لا تبرئي عينيك)

جلست أمامي
وكان المساء يجر ذيوله ببطء
وكان فنجان قهوتي
يبرد على مهل
وكانت عيناك
تثيران في رأسي
ما لا تثيره ألف امرأة.

قلت : أراك شاردة!
فقلت : بل أراك تنظر كثيرا
فضحكت
وكانت ضحكتك اعترافا صغيرا
هرب من شفتيك
قبل أن يلحق به النفي.

قلت : أخاف عليك من عينيك
ففيهما من المكر ما يكفي
لإفساد هدوء مدينة
فقلت : وهل تخاف الرجال
من عيون النساء؟
قلت : لا…
ولكنني أخاف رجلا مثلي
إذا ظن أن النظرة وعد
وأن الدلال رسالة
وأن ابتسامة عابرة
تذكرة سفر إلى قلبك.

فمالت برأسها قليلا
وقالت بصوت يعرف طريقه إلى الارتباك :
ومن قال إنني أرسلت إليك شيئا ؟

يا لك من امرأة !
تلقين السهم في صدري
ثم تسألينني :
من أين جاء الجرح ؟

تقتربين حتى أسمع
ارتباك المسافة بيننا
ثم تعودين إلى مقعدك
كأن شيئا لم يكن
وتتركين عطرك في الهواء
ليشهد بما تنكره الكلمات.

قلت : دعينا من هذه اللعبة
فأنا شاعر
وللشاعر خيال يبالغ
وقلب يصدق أحيانا
ما لا ينبغي له أن يصدق.

قالت: إذن اكتب عني
ولكن لا تجعلني مسؤولة
عن كل ما تتخيله!

قلت: أخشى أن أكتبك كما أنت
فتغضبي
وأن أكتبك كما أتخيلك
فتبتسمي
فأي المرأتين تريدين أن تكوني :
امرأة الحقيقة
أم امرأة القصيدة ؟

سكتت
وكان في سكوتها كلام كثير
ثم رفعت فنجانها إلى شفتيها
وقالت :
أنت تحلل كل شيء
حتى إنني أخشى
أن تفسد علينا لحظة جميلة
بقصيدة طويلة !

فضحكت
وقلت يا سيدتي
أنا لا أفسد اللحظات
أنا فقط أحاول أن أعرف
هل أعيشها معك
أم أعيشها وحدي
وأنت تتفرجين.

عندها تغير وجهها،
وانطفأت في عينيها
تلك السخرية الصغيرة
وقالت ولماذا تفترض دائما
أن المرأة تخفي شيئا ؟

قلت :
لأنك كلما اقتربت من الحقيقة
غيرت موضوع الحديث
وكلما سألتك عن قلبك
أجبتني عن الطقس
وكلما حدثتك عن الشوق
قلت إن العالم جميل
وإن الحياة لا تستحق الحزن !

فضحكت من جديد
لكن ضحكتها هذه المرة
لم تكن بريئة تماما
وقالت ربما لأن بعض الأسئلة
تخيف النساء.

قلت :
وبعض الإجابات تحررهن.
ثم نهضت لتغادر
وألقت على كتفي نظرة
كانت أقصر من ثانية
وأطول من قصيدة
وقالت إلى اللقاء يا شاعري.

يا شاعري !
يا لهاتين الكلمتين
حين تقولهما امرأة
تعرف أن الرجل قد ينسى اسمه
إذا أحب الطريقة التي تناديه بها !

خرجت
وبقيت وحدي مع القهوة
ومع رائحة عطرها
ومع سؤال صغير
كبر في رأسي حتى صار قصيدة:

هل كانت تغريني حقا
أم كنت أنا الذي يغريه الخيال ؟

هل تركت في عينيها
نافذة مفتوحة
أم أنني كنت أبحث عن باب
في جدار لا أبواب فيه ؟

ولأول مرة
لم أتهمها ولم أتهم قلبي
بل ابتسمت وكتبت يا امرأة
إن عدت يوما إلى هذا المساء
فلا تشرحي لي ضحكتك
ولا تدافعي عن عينيك
ولا تقولي إنني أسأت الفهم

فأنا لا أحاكم امرأة
على جمالها
ولا ألوم وردة
لأن عطرها أربك العابرين.

كل ما أطلبه
ان إذا جلست أمامي مرة أخرى
أن تضعي قلبك على الطاولة
إلى جوار فنجان القهوة
ثم تنظري في عيني
وتقولي بلا مراوغة :
هل تريدني رجلا في حياتك
أم تريدين شاعرا يكتب عنك
ثم يمضي ؟

فإن قلت شاعرا
سأكتبك أجمل مما أنت
وأمنحك من الخيال
ما لا تمنحه الحياة للنساء.

وإن قلت رجلا
فسأغلق دفتري قليلا
وأترك للواقع أن يتكلم
فقد آن للأشياء
أن تحمل أسماءها الحقيقية
وآن للقصيدة
أن تعرف الفرق
بين امرأة تسكن أبياتها
وامرأة تسكن قلبه.

من ديوان ـ بلقيس

للشاعر محمد دعدي

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى