عبدالله عبد العزيز يكتب .. جوائز نوبل 2026 العلوم تنتصر على مماحكات السياسة

اختتمت جوائز نوبل لعام 2026 دورة جديدة من تكريم الإنجازات العلمية والأدبية والجهود الرامية إلى تعزيز السلام، وسط تباين لافت بين طبيعة الاكتشافات التي احتفت بها الجوائز في مجالات الطب والفيزياء والكيمياء والاقتصاد، والجدل السياسي الذي رافق جائزة السلام، التي ذهبت إلى القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي.
وبينما سلطت الجوائز العلمية الضوء على أبحاث تعيد تشكيل فهم الإنسان للدماغ والتفاعلات الكيميائية والظواهر الكونية، أعادت جائزة السلام إلى الواجهة النقاش بشأن حدود استقلال المؤسسات الدولية، ومدى قدرة الجوائز الكبرى على تكريم جهود العدالة من دون أن تصبح جزءا من الخلافات السياسية القائمة.
في مجال الطب أو علم وظائف الأعضاء، مُنحت الجائزة إلى الأمريكي كارل ديسيروث والألمانيين بيتر هيغمان وجورج ناغل، تقديرا لاكتشافاتهم المتعلقة بالقنوات الأيونية الحساسة للضوء وتقنية علم البصريات الوراثي (أوبتوجينيتيكس).
وتتيح هذه التقنية للباحثين التحكم في نشاط خلايا عصبية محددة باستخدام الضوء، ما أحدث تحولا في دراسة الدماغ، وساعد العلماء على اختبار العلاقة بين نشاط الخلايا العصبية والسلوك والوظائف الدماغية المختلفة. وتكمن أهمية هذا الإنجاز في إتاحة أدوات أكثر دقة لفهم الشبكات العصبية، بما يفتح آفاقا بحثية جديدة في علوم الأعصاب.
أما جائزة الفيزياء، فذهبت إلى فرانسيس هالزن، تقديرا لإسهاماته الحاسمة في تطوير مرصد آيس كيوب لرصد النيوترينوات في القطب الجنوبي، واكتشاف النيوترينوات عالية الطاقة ذات المنشأ الفلكي. وتساعد هذه الجسيمات، التي تتفاعل بصورة ضعيفة للغاية مع المادة، العلماء على استكشاف عمليات كونية بالغة التطرف، وفهم مصادر الإشعاع والطاقة في الكون.
وفي الكيمياء، تقاسم هنري بي. كاغان وكينسو سواي الجائزة عن اكتشافاتهما المتعلقة بالتأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتماثل. وتساعد أبحاثهما على تفسير كيفية إنتاج التفاعلات الكيميائية جزيئات يغلب عليها أحد الشكلين المتعاكسين مرآتيا، وهو أمر بالغ الأهمية لفهم الكيمياء الجزيئية وتطوير طرق تصنيع مركبات ذات بنية محددة.
وفي الأدب، فازت الكاتبة والشاعرة الكندية آن كارسون، تقديرا لأعمالها التي تمزج الحوار مع التراث الكلاسيكي بابتكار أشكال أدبية معاصرة. وتمثل تجربتها نموذجا لأدب يتجاوز الحدود التقليدية بين الشعر والنثر والترجمة والتأمل الفكري.
وفي العلوم الاقتصادية، مُنحت الجائزة إلى روبرت إي. هول ومايكل وودفورد عن إسهاماتهما في إرساء الأسس الجزئية لاستقرار الاقتصاد الكلي. وتساعد أعمالهما على فهم كيفية تأثير قرارات الأفراد والشركات وتوقعاتهم في التضخم والنشاط الاقتصادي، وعلى تطوير أدوات السياسات النقدية والمالية التي تستخدمها الحكومات والبنوك المركزية للتعامل مع الصدمات الاقتصادية.
,كان منح جائزة السلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي أبرز محطات الجدل هذا العام. فقد اختارتها لجنة نوبل النرويجية تقديرا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، ولدورها الممتد في الدفاع عن حقوق الإنسان وملاحقة الجرائم الدولية.
وتشمل مسيرتها المهنية العمل القضائي في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري، وخدمة القضاء الدولي، وتولي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان. كما ترأست لجنة تحقيق أممية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل، خلصت في تقريرها إلى أن إسرائيل ارتكبت أفعالا ترقى إلى الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وهو استنتاج رفضته إسرائيل بشدة، واتهمت اللجنة بالتحيز، فيما دافعت بيلاي عن عملها باعتباره قائما على الأدلة والتحقيقات.
وأثار الاختيار انتقادات من مسؤولين إسرائيليين ومنظمات مؤيدة لإسرائيل، ركزت على ما وصفته بانحياز بيلاي في تناول الصراع، وعلى مدى حياد التحقيقات الأممية التي ارتبط اسمها بها. وفي المقابل، رأى مؤيدو القرار أن تكريمها يسلط الضوء على أهمية القانون الدولي ومساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة، في وقت تواجه فيه المؤسسات القضائية الدولية ضغوطا سياسية متزايدة.
وامتد الجدل إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي انتقد عدم منحه الجائزة، وهاجم قرار اللجنة، في تصريحات عكست التداخل بين التنافس السياسي على رمزية جائزة السلام وبين المعايير التي تقول اللجنة إنها تستند إليها في اختيار الفائزين.
ولا يعني تكريم بيلاي أن جائزة نوبل تمثل حكما قضائيا مستقلا بشأن النزاعات التي تناولتها أعمالها؛ فالجائزة تكريم تقرره لجنة وفق تفسيرها لمعايير السلام، بينما تظل المسؤولية عن تحديد الوقائع والمسؤوليات القانونية من اختصاص الهيئات القضائية المختصة وإجراءاتها.
,تكشف مراجعة تاريخ الجائزة أن الجدل حولها ليس استثناء مرتبطا بعام 2026، بل سمة رافقت عددا من قراراتها منذ بدايات القرن العشرين. وتعود أسباب ذلك إلى طبيعة الجائزة نفسها، فهي لا تكرم العلماء أو الأدباء فحسب، بل تختار أحيانا سياسيين وقادة لا تزال قراراتهم موضع خلاف، أو تمنح التكريم في لحظات لم تتضح فيها بعد نتائج مساعي السلام.
ومن أبرز الأمثلة جائزة عام 1973، التي مُنحت لوزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر والمفاوض الفيتنامي الشمالي لي دوك ثو، على خلفية اتفاق باريس الذي استهدف إنهاء الحرب في فيتنام. فقد تعرض القرار لانتقادات واسعة لأن القتال لم يتوقف بصورة نهائية، ورفض لي دوك ثو الجائزة، كما استقال عضوان من لجنة نوبل احتجاجا على الاختيار. وأصبحت تلك الواقعة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الجائزة.
وفي عام 2009، مُنحت الجائزة للرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة، تقديرا لجهوده في تعزيز الدبلوماسية والتعاون الدولي. وأثار القرار نقاشا حول ما إذا كان التكريم قد جاء مبكرا، قبل أن تتضح نتائج المبادرات التي ارتبطت باسمه.
كما أثار منح الجائزة عام 1991 لزعيمة ميانمار أونغ سان سو تشي، تكريما لنضالها الديمقراطي السلمي، نقاشا متجددا بعد تعرض أقلية الروهينغا للاضطهاد والتهجير في ميانمار خلال سنوات لاحقة، وما رافق ذلك من انتقادات لمواقفها إزاء الأزمة. وأعاد هذا المثال طرح سؤال جوهري: هل ينبغي تقييم الجائزة على أساس الإنجاز الذي كُرّم صاحبه من أجله وقت منحها، أم على ضوء مسيرته اللاحقة كاملة؟
وفي عام 2019، فاز رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالجائزة على خلفية جهوده لتحقيق السلام مع إريتريا، لكن اندلاع الحرب في إقليم تيغراي لاحقا أثار تساؤلات حول قدرة التكريم المبكر على التنبؤ بمسار القادة السياسيين أو ضمان استمرار السلام.
أما جائزة عام 2025، التي ذهبت إلى زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، فقد أثارت بدورها خلافات تتعلق بمواقفها السياسية وعلاقاتها الخارجية، وبمدى اتساقها مع التصورات المختلفة لمفهوم السلام.
وتظهر هذه الأمثلة أن الجدل حول جائزة السلام يتكرر عندما يتقاطع التكريم مع صراعات سياسية لم تُحسم، أو عندما تُمنح الجائزة لشخصيات لا تزال أدوارها ونتائج قراراتها موضع تقييم. وفي حين يرى منتقدون أن بعض الاختيارات تمنح شرعية أخلاقية لشخصيات مثيرة للخلاف، يعتبر آخرون أن الجائزة ليست شهادة على الكمال السياسي، بل اعتراف بإنجاز أو مسار محدد وفق تقدير اللجنة.
وتختلف جائزة السلام عن الجوائز العلمية من حيث طبيعة موضوعها؛ إذ يمكن تقييم اكتشاف علمي عبر الأدلة والتجارب والتأثير في المعرفة، بينما يرتبط السلام بعمليات سياسية واجتماعية طويلة، وقد تتغير نتائجها مع تبدل الحكومات والتحالفات والظروف الدولية.
ومع ذلك، فإن تكرار الجدل لا يلغي مكانة نوبل بوصفها إحدى أبرز الجوائز العالمية، لكنه يذكر بأن شهرتها لا تعفي قراراتها من النقاش والنقد. فالجائزة، مهما بلغت رمزيّتها، تظل اختيارا بشريا تحكمه معايير وتقديرات، وليست نهاية للنقاش بشأن المستحقين أو طبيعة الإنجاز.
وفي دورة 2026، تتجاور إنجازات علمية تحمل وعودا جديدة لفهم الدماغ والكون والتفاعلات الكيميائية والاقتصاد، مع جائزة سلام أعادت تسليط الضوء على التوتر بين القانون والسياسة. وبين هذين المسارين، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تكريم الإنجاز الإنساني مع الإقرار بأن تقييمه، خصوصا في عالم السياسة، يظل موضع نقاش يتجاوز لحظة إعلان الجائزة؟

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى