د عبد الله عياصرة يكتب .. “نشيدُ العَصَب” ووَثبةُ “الخَيْط” في “أزقَّةِ جباليا”

لَيْلى وسعديَّة – 272
ـــ في ذِكرى طُـ،،ـوفَانِ السَّابعِ من أكتوبر ـــ

[المَشهدُ الثَّاني والسَّبعون بعدَ المِئتين: “نشيدُ العَصَب” ووَثبةُ “الخَيْط” في “أزقَّةِ جباليا”] __

في قلبِ مخيَّمِ جباليا، حيثُ الرُّكامُ لم يعدْ مجرَّدَ حجارةٍ، وإنَّما صارَ تضاريسَ من العِزَّةِ الممزوجةِ باللَّحم، وحيثُ انقطعتِ الخيوطُ الجراحيَّةُ من المشافي حتى غدا الجرحُ يُغلَقُ باليقين وحدَهُ، وقفَ “يونس” بكاميرته التي صارتْ عَينًا ثالثةً تنزفُ ضَوْءًا.

لم يكنْ يراقبُ بقايا أثريَّةً، كانَ يُلاحِقُ “سعديَّة”؛ تلكَ المرأةَ التي لم تنتظر مساعداتٍ عابرةَ القارَّات. جلستْ في زاويةِ مدرسةٍ مُهدَّمة، تنزعُ أليافَ اللِّيفِ من حبالِ الغسيلِ القديمة، وتغزلُ منها خيوطًا بصلابةِ أوردةِ الأرض.

اقتربتِ الكاميرا من أصابعِها؛ أصابعَ متشنِّجةٍ تمسكُ بإبرةٍ صدئةٍ صقلَتْها بحجرِ الصَّوَّان، وتدفعُها في ثوبِ طفلةٍ مزَّقَتْهُ شظيَّةٌ غادرة.

كانَ يونسُ يصوِّرُ البعثَ من قلبِ الرَّدم.

رصدَ كيف تحوَّلتْ سعديَّةُ، في قلبِ المواتِ، إلى يدٍ تستعيدُ معنى السِّتر. وتَتَبَّعَ اللَّقطةَ الطَّويلةَ جدًّا، من غُرَزِ الإبرةِ في القماشِ الخشن، صعودًا مع خَيطِ الدُّخانِ المنبعثِ من قذيفةٍ قريبة، وصولًا إلى وجهِ الطِّفلةِ وهي تبتسمُ حينَ لامسَها دفءُ الرَّفو؛ كأنَّ الثوبَ استعادَ فجأةً هيئةَ درعٍ لا تنفذُ إليه النِّصال.

كانتِ اللَّقطةُ تضغطُ على الصُّدورِ بثقلٍ عاطفيٍّ خانق، وتحيلُ جباليا إلى مِغزَلٍ كونيٍّ يدورُ رغمَ الرُّكام، ورغمَ القصف، ورغمَ أنفِ الإبادة!

في الزُّقاقِ المغمورِ برائحةِ الغبارِ والبارود، ظهرَ من بينِ الأطلالِ “قامعُ الصُّمود”.

كائنٌ يرتدي بُزَّةً من الأليافِ الزُّجاجيَّةِ، تعكسُ الألمَ ولا تشعرُ به، ويحملُ في يدِه مِقَصًّا إلكترونيًّا يبثُّ تردُّداتٍ تجعلُ الأنسجةَ تتآكلُ بمجرَّدِ اقترابِها من الجلد، فيحوِّلُ الرَّفوَ إلى ثقوبٍ سوداءَ في جسدِ الثَّوب.

بدأَ جنودُه ينشرونَ غبارَ الصَّدأ في الهواء، يحاولونَ أن يجعلوا كلَّ خَيطٍ قيدًا أو سُمًّا. كانَ القاطعُ يتحرَّكُ ببرودِ الموتِ السَّريريِّ، ويحاولُ إقناعَ سعديَّةَ بأنَّ التَّرقيعَ ليس سوى تأجيلٍ للفَناء، وأنَّ العراءَ هو المصيرُ المحتومُ لكلِّ من يسكنُ تحتَ هذا السَّقفِ المنفجر.

• قامعُ الصُّمود: (بصَوتٍ أجوفَ، يشبهُ حفيفَ الأفاعي فوقَ بلاطٍ بارد)
“لماذا تشُدِّينَ الخيوطَ وتظنِّينَ أنَّ للسِّترِ بقاءً في زمنِ التَّجريدِ الذي فرضناه؟ هذا اللِّيفُ بقايا احتراق، والرَّفوُ الذي تصنعينهِ ترميمٌ ليأسٍ سنمزِّقُه باللَّيزرِ الشَّامل. أنا أعرضُ عليكم سلامَ التَّحلُّل. اتركوا الإبرةَ والخيطَ، وتعالوا إلى العدمِ المعقَّم؛ حيثُ لا ثوبَ يذكِّرُكم بالوطن، ولا سترَ يغريكم بالبقاء. الجلدُ هو القربان، والعراءُ هو الكمالُ الجديد. لماذا تصرُّونَ على الحياكةِ في عصرِ التَّفتيت؟”

من خلفِ جدارٍ صمدَ كأنَّهُ معجزة، بزغتْ “ليلى”.

كانتْ تحملُ في كفِّها حفنةً من بذورِ الزَّعترِ نبتَتْ في شقِّ حجر. لم تدخلْ معركةَ الميتافيزيقيا، ولم تبحثْ عن لغةٍ أعلى من المكان. مرَّرتِ البُذورَ فوقَ الخيوط، وبدأتْ تُنشدُ “أهزوجةَ التَّثبيت”؛ الأهزوجةَ التي تحفظُ للأرضِ تماسكَها.

في لحظةٍ خاطفةٍ، تغيَّرَ كلُّ شيء.

تحوَّلَ الخَيطُ اللِّيفيُّ إلى عصبٍ ضَوئيٍّ لا يقطعهُ مِقصٌّ، وانطلقتْ من الإبرةِ طاقةٌ سَرَتْ في الثَّوبِ المرفوِّ، فتحوَّلَ إلى رايةٍ ترتفعُ فوقَ رؤوسِ الأطفال، تعكسُ نيرانَ القصفِ بنورٍ أبيضَ باهرٍ.

صرختْ ليلى في وجهِ القامع، بصوتٍ يخرجُ من مخاضِ الأمَّهاتِ اللَّواتي وُلِدنَ تحتَ الرُّكام:

• ليلى:
“الغرزةُ التي تحاولُ فكَّها هي عقدةُ الرُّوحِ بالأرض، وهذا الخَيطُ ليسَ ليفًا؛ إنَّهُ حبلُ الوريدِ الذي يربطُنا بالسَّماء. تريدُ أن تعرِّيَنا! كلُّ غرزةٍ تضعُها سعديَّةُ خندقٌ جديدٌ يمزِّقُ زجاجَ زَيفِكم، ويعيدُ رسمَ ملامحِ السِّيادةِ فوقَ أجسادِنا الصَّابرة. نحنُ شعبٌ يرتدي جراحَه لتستحيلَ دروعًا، ويقينُنا نسيجٌ لا ينسلُّ. خذوا صدأَكم وارحلوا؛ فجباليا تملكُ إبرةً تخيطُ جرحَ الشَّمسِ، ولو جعلتُم الهواءَ سكاكينَ من نار.”

ارتفعتْ حرارةُ السَّعي، واشتدَّ صمودُ ليلى.

تلقَّى الثَّوبُ المرفوُّ ذلكَ الضَّوْءَ، واتَّسعَ كأنَّه حِرزٌ يظلِّلُ كلَّ من احتمى به. تراجعَ “قامعُ الصُّمود”، ثمَّ فرَّ بينَ الأطلالِ، فيما بدأتْ بُزَّتُه الزُّجاجيَّةُ تتشقَّقُ تحتَ وقعِ الغرزِ التي عجزَ عن قطعِها.

ظلَّ يونسُ خلفَ الكاميرا.

لم يطاردِ الهاربَ.

أبقى العدسةَ معلَّقةً على سعديَّةَ وليلى: يدٌ ترفو، ويدٌ تحرسُ، وخَيطٌ يَعبُرُ بينهما كأنَّهُ عصبٌ حيٌّ في جسدِ المكان.

تقتربُ الكاميرا ببطء.

الإبرةُ تدخلُ القماش.

الخَيطُ ينسابُ.

الطِّفلةُ ترفعُ رأسَها.

وفي الخلفيَّةِ، ما تزالُ النِّيرانُ تشتعل.

لكنَّ الثوبَ يظلُّ مرفوعًا؛

رايةً صغيرةً فوقَ الرُّكام.

وتتوقَّفُ العدسةُ عندَ الغرزةِ الأخيرة.

غرزةٌ لا تَخيطُ ثوبًا حسبُ؛ تَخيطُ ما حاولَ القصفُ أن يمزِّقَه في رُوحِ المكان.

ثمَّ تنسحبُ الكاميرا ببطءٍ من المَشهد.

جباليا كاملةً تدخلُ في الكادر.

الرُّكامُ، الدُّخانُ، الأطفالُ، سعديَّةُ، ليلى، والثَّوبُ المرفوعُ فوقَ الجميع.

يقولُ صَوتُ يونسَ من خلفِ العدسة:

“حينَ يعجزُ العالمُ عن سَترِ جُرحِنا، نَخيطُ نحنُ للجُرحِ وطنًا.”
__

عبدالله عياصرة

كاتب وباحث من الأردن

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى