كوردية من مشرق الشّمس
أنا امرأةٌ مشرقيّة…
لم آتِ أوروبّا بحثًا عن السّعادة
ولا كنتُ أحلمُ
بنافذةٍ تطلُّ على شارعٍ بارد..
ولا ببيتٍ تضيئه المدافئ
حين تنطفئُ الشّمس
الأكثر انطفاء في العالم..!
جئتُ…
لأنّ البلاد ضاقت بنا
ولأنّ الخوفَ.. صار أقربَ إلينا من الخبز
ولأن الطّريقَ إلى البيت
أصبح أخطرَ من الطّريقِ إلى المنفى..!
قالوا لي:
ستعيشين هناك بأمان…
ولم يقولوا.. إنّ الأمانَ بلا أهلٍ
قد يكون نوعًا آخرَ من الخوف..!
قالوا:
ستجدين عملاً..
وبيتًا..
وراتبًا..
وحياةً أفضل..!
ولم يقولوا..
إنّ الإنسان قد يمتلكُ ذلك -وقد- أكثر..
ويظلُّ جائعًا إلى حضنِ أمّه..!
أمّي..
تركتُ عندها نصفَ قلبي
تركتُ كوبَها الصّغير في مكانه..
منديلَها على طرفِ السّرير..
ورائحتها عند عتبةِ الباب..!
قلتُ لها وأنا أغادر: سأعود…
فابتسمتْ..
كما تبتسمُ الأمّهات حين يعرفنَ
أنّ أبناءهنّ يكذبونَ على أنفسهم
كي لا يبكوا..
فتبكي العيون دموعَها مدرارا..!
ومنذ ذلك اليوم
وأنا أعودُ إليها كلَّ ليلة في المنام..
أدخلُ بيتنا القديم
أخلعُ معطفي عند الباب..
أسمعُ صوتَ الملاعق تلتهم الصّحون
وبواقي الطّعام..!
وأرى أمي
تسكبُ لي الشّاي كعادتها..
ثم أستيقظ..
فأجدُ “أوروبّا” في وجهي فاغرة الفاه
باردةً إلى هذا الحدّ من البرد
الذي لا تدفئهُ مدفأة..
وإن ألقمتها حطب العالَم..!
هنا
لا أحدَ يعرفُ
أنّني حين أضحك
أخفي وراء ضحكتي مدينةً كاملة..
تسمّى “الحسكة”..
لا أحدَ يعرفُ
أنّني حين أقول: أنا بخير…
أكون قد قطعتُ أطولَ مسافةٍ
بين الكلمة والحقيقة..!
في شوارعهم أمشي مرتبةً
أنيقةً مهندمة..!
أحملُ حقيبتي على استخفاف
من يد
إلى يد..
إلى كتف وذراع..
أدفعُ فواتيري عند مواعيدها دون تأخير
ولا نقصان..!
وأعرفُ محطّات القطارات المغادرة..!
لكنّني
كلّما مررتُ أمام مخبز
شممتُ رائحةَ الخبز.. وبكيتُ…
لأنّ الخبزَ هنا يشبعُ حاجة الجسد
أمّا خبزُ أمّي
فكان يُشبعُ الوطن..!
يا ليتهم يفهمون…
ليس الفقرُ أن تقلَّ نقودك
ولا الغنى أن يكثرَ ما في جيبك..
الفقرُ الحقيقي
أن يكون لكَ وطنٌ
ولا تستطيعُ أن تعودَ إليه..
وأن يكون لكَ بيتٌ
وتخافُ أن تفتحَ ذاكرتَه
كي لا ينهارَ عليك..!
وأن تكونَ أمُّك
في الجهةِ الأخرى من العالم
وتحتاجُ إلى حضنها ولا تجده
ولا تستطيعُ حتى
أن تقبّلَ يديها خصاصة ورحمة..!
أنا لا أكرهُ “أوروبا”…
ولا مدنها المنفيّة على خارطة الأوطان
لكنّني لا أحبُّ هذا البرد
الذي يسكنُ في داخلي حدّ العظم..
لا أكرهُ شوارعها النّظيفة حتّى الإختناق
لكنني أشتاقُ إلى شارعٍ صغير
كان يعرفُ خطاي
قبل أن أعرفَ أنا
إلى أين بي الأقدار مرغمة
بي يومًا تمضي..!؟
أنا مهجّرة…
وهذه الكلمة أثقلُ من حقيبةٍ
حملتها يوم الرّحيل..
ونزلت بها على مطار جديد
وأرضٍ جديدة تنام فوق قلبي..!
أمّا الوطن
فمازلتُ أحمله نفسا وحيدا في صدري
منذ غادرت..
وإن في دواخلي -إطمئنّوا- لم أغادر..
وحين يسألونني:
هل أنتِ سعيدة هنا..!؟
أبتسم…
ثم أنظرُ إلى النّافذة المقابلة
وأقولُ في سرّي: أنا بخير…
لكنّ قلبي مازال في الشّرق
يأبى أن يصطحبني
يغادر كما غادرت..
ومعي يحزم حقيبته.. ويرتحل..!
نزهت سيدو
شاعرة كردية سورية
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.



