في أقل من أسبوع انهار المشروع. خطة استثمارية طرحها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو تحولت فجأة إلى أخطر أزمة تواجهه منذ توليه المنصب عام 2016. معارضة قارية واسعة، واستقالات من داخل الدائرة الضيقة، واتهامات مباشرة بالافتقار إلى الشفافية، وضعت الرئيس السويسري في موقف دفاعي لم يعرفه من قبل. ومع اقتراب انتخابات مارس 2027، بدت المسافة الزمنية أقصر بكثير مما كان يتخيله أحد.ما الذي تضمنه المشروع أصلاً؟ قامت خطة «فيفا فوروارد إنتربرايز» على إنشاء كيان تجاري جديد يتولى إدارة العمليات التجارية والتشغيلية للبطولات الرئيسية، وعلى رأسها كأس العالم. قدرت قيمة هذا الكيان بنحو 20 مليار دولار، وكان من المقرر بيع حصة أقلية تتراوح بين 20 و21 في المئة مقابل حوالي 4.2 مليار دولار، مع احتفاظ فيفا بالأغلبية والسيطرة الاسمية. إنفانتينو برر الخطوة بأنها وسيلة لضخ تمويل إضافي يوزع على الاتحادات الوطنية، خاصة في الدول النامية. غير أن الطريقة التي طرحت بها الخطة كشفت خللاً أعمق. التشاور مع الاتحادات القارية ومجلس فيفا كان محدوداً إلى درجة أثارت الشكوك. ثم جاءت التسريبات لتؤكد أن المجموعة الاستثمارية الرئيسية هي شركة «ثرايف إتيرنال» التي أسسها جوشوا كوشنر، شقيق صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذا الارتباط لم يكن تفصيلاً عابراً؛ فقد أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة من خصخصة كأس العالم، ومن تداخل مفرط بين القرار الرياضي والمصالح السياسية.الرفض لم يتأخر. الاتحاد الأوروبي لكرة القدم قاد الجبهة بسرعة لافتة. اتحاداته الـ55 صوتت بالإجماع على مقاطعة بطولات فيفا إذا مضى المشروع قدماً، مؤكدة في بيانها أن كأس العالم ليست منتجاً استثمارياً، وأن روح اللعبة ليست للبيع. سرعان ما انضمت كونكاكاف والاتحاد الآسيوي إلى الموقف، فاتسعت رقعة المعارضة. أما الضربة الأشد فجاءت من الداخل. استقالة المستشار الكبير كارلوس كورديرو، ووصفه المشروع بـ«صفقة سيئة لكرة القدم»، ثم اتهام المدير التشغيلي كيفن لامور للإدارة بأنها «خُدعت»، كشفا عن تصدع غير مسبوق في الصف القيادي. حتى أرسين فينغر والأمين العام ماتياس غرافستروم اختارا النأي بأنفسهما. في نهاية يوليو وبداية أغسطس اضطر إنفانتينو إلى سحب المشروع، معترفاً بأنه خلق انقسامات لم تعد تخدم الهدف الأصلي. لكن التراجع جاء متأخراً، ولم يُغلق ملف الثقة المكسورة.اليوم يقف إنفانتينو أمام معادلة صعبة. يويفا وكونكاكاف والاتحاد الآسيوي أصدرت رسائل تتهمه بكسر الثقة، ودعا بعضها إلى محاسبة شاملة. الحديث عن تعطيل عمل مجلس فيفا عبر مقاطعة الاجتماعات لم يعد مجرد تكهنات. في المقابل، لا يزال إنفانتينو يحتفظ بدعم تقليدي من اتحادات أفريقيا وأجزاء واسعة من آسيا وأميركا الجنوبية، وهي اتحادات تعتمد بشكل ملموس على برامج التمويل. الانتخابات المقبلة في الرباط خلال مارس 2027 تبقى الموعد الحاسم. أي محاولة لإزاحته قبل ذلك تحتاج إلى أغلبية واسعة تبدو، في الوقت الراهن، صعبة المنال.ولا يمكن فصل هذه المعادلة عن العلاقة الخاصة التي تربط إنفانتينو بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. العلاقة وثيقة منذ سنوات، وبلغت ذروتها حين منح إنفانتينو ترامب جائزة فيفا للسلام عام 2025. بعد الأزمة مباشرة أعلن ترامب دعمه الصريح، معتبراً أن إزاحة إنفانتينو ستكون «خطأ فادحاً». هذا الدعم يعزز موقف الرئيس السويسري سياسياً، لكنه في الوقت نفسه يغذي الانتقادات داخل أسرة كرة القدم. كثيرون باتوا يرون أن فيفا أصبح مرتبطاً بشكل مفرط بمصالح سياسية أميركية، وأن هذا الارتباط يعمق الشكوك في استقلالية القرار الرياضي وقدرة المؤسسة على حماية هويتها بعيداً عن حسابات السلطة.أما عن الخلافة، فالمشهد لا يزال مفتوحاً. الحديث يتصاعد، وأسماء عدة تبرز في المقدمة: فيكتور مونتاغلياني، رئيس كونكاكاف، الذي يُنظر إليه كمرشح قادر على بناء تحالفات خارج أوروبا؛ وألكسندر تشيفيرين، رئيس يويفا، الذي يجمع بين النفوذ الأوروبي وموقع المنتقد الأبرزتوحد المعارضة حول مرشح واحد قد يشكل تحدياً حقيقياً. أما استمرار الانقسام فيمنح إنفانتينو فرصة إضافية للبقاء.في النهاية، أزمة «فيفا فوروارد» تتجاوز مجرد فشل مشروع استثماري. إنها تكشف عن توتر عميق بين منطق الربح السريع ومتطلبات الحوكمة الرشيدة، وبين الطموح التجاري والهوية الرياضية للعبة. الأسابيع المقبلة لن تحدد فقط مصير إنفانتينو، بل ستختبر أيضاً قدرة كرة القدم العالمية على إعادة تعريف حدود السلطة داخل مؤسساتها.
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





