بوبكر عكرمي يكتب .. الانتخابات الإسرائيلية 2026: مأزق نتنياهو ومستقبل الحكومة والمقاومة الفلسطينية

في ميزان التحولات الإقليمية

لا تبدو الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر 2026 مجرد استحقاق برلماني لتحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل تمثل اختباراً سياسياً لمستقبل اليمين الإسرائيلي، ولقدرة المعارضة على إعادة تشكيل السلطة، وللاتجاه الذي ستسلكه إسرائيل في تعاملها مع القضية الفلسطينية ومحيطها العربي. وتكتسب هذه الانتخابات أهمية استثنائية لأنها تأتي بعد سنوات من الحروب والتصعيد الإقليمي، وفي ظل تداعيات هجوم السابع من أكتوبر 2023 والحرب المدمرة على قطاع غزة، وما رافقهما من تحولات في صورة إسرائيل وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
نتائج أولية لا تحسم المعركة
تشير استطلاعات الخروج التي بثتها القنوات الإسرائيلية مساء الثلاثاء إلى مشهد برلماني مفتوح على احتمالات متعددة. فقد قدرت استطلاعات القنوات 11 و12 و13 حصول المعسكر الساعي إلى استبدال بنيامين نتنياهو على نحو 50 إلى 53 مقعداً، مقابل قرابة 50 مقعداً للمعسكر الداعم له. وفي المقابل، توقعت الاستطلاعات حصول الأحزاب العربية مجتمعة على ما بين 17 و18 مقعداً.
وتعني هذه التقديرات أن أياً من المعسكرين الرئيسيين لا يمتلك الأغلبية المطلقة اللازمة لتشكيل الحكومة، والمحددة بـ61 مقعداً من أصل 120 في الكنيست. كما توقعت استطلاعات القنوات الإسرائيلية حصول حزب الليكود بزعامة نتنياهو على 24 إلى 25 مقعداً، مقابل 21 إلى 23 مقعداً لحزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت.
وتظل هذه الأرقام تقديرات أولية قابلة للتغير مع استكمال فرز الأصوات وتوزيع المقاعد بصورة نهائية. لكنها تكشف، في الوقت نفسه، عن انقسام عميق داخل المجتمع الإسرائيلي، وعن صعوبة تحويل التقدم العددي لأي معسكر إلى سلطة حكومية مستقرة.
وكانت استطلاعات الرأي الأخيرة قبل الانتخابات قد أظهرت بدورها تقارباً بين المعسكرين، دون ضمان حصول أي منهما على أغلبية مستقلة. لذلك لم يكن الغموض الذي طبع ليلة الانتخابات مفاجئاً بقدر ما كان انعكاساً لبنية سياسية تتنازعها اعتبارات الأمن والحرب والدين والهوية والمساءلة السياسية.
نتنياهو أمام اختبار البقاء السياسي
يمثل مستقبل بنيامين نتنياهو أحد العناوين الرئيسية لهذه الانتخابات. فالرجل الذي هيمن على الحياة السياسية الإسرائيلية لسنوات طويلة يجد نفسه أمام معادلة تتجاوز عدد المقاعد التي سيحصل عليها حزبه، لتتصل بقدرته على الاحتفاظ بشبكة التحالفات التي مكنته من الحكم.
إن عدم حصول معسكره على الأغلبية لن يعني بالضرورة سقوطه الفوري، لكنه سيضعه أمام مفاوضات شاقة، وقد يحد من قدرته على مواصلة إدارة الدولة وفق التوازنات التي قامت عليها حكومته. وفي المقابل، فإن حصول المعارضة على عدد أكبر من المقاعد لن يكون كافياً وحده لإنهاء عهده، ما لم تتمكن من الاتفاق على صيغة ائتلافية قابلة للحياة.
ويواجه معسكر التغيير بدوره تناقضات واضحة، إذ يضم أطرافاً تختلف في مواقفها من القضايا الدينية والاجتماعية، ومن التجنيد العسكري لليهود المتدينين، ومن طبيعة العلاقة مع الأحزاب العربية. كما أن بعض مكوناته ترفض المشاركة الحكومية مع هذه الأحزاب، وهو ما يضيّق الخيارات المتاحة أمامه رغم تقدمه في بعض استطلاعات الخروج.
وبذلك، فإن مصير نتنياهو لا يتحدد فقط بما إذا كان حزبه سيحتل المرتبة الأولى، بل بقدرته على جمع 61 نائباً خلف حكومة واحدة. وإذا فشلت المفاوضات، فقد تدخل إسرائيل مرحلة من الجمود السياسي، مع استمرار الحكومة الحالية في تصريف الأعمال، أو تتجه إلى انتخابات جديدة.
الحكومة المقبلة: تغيير في الوجوه أم في السياسات؟
إن وصول حكومة جديدة إلى السلطة لا يعني تلقائياً حدوث تحول جذري في السياسة الإسرائيلية، وخصوصاً في ما يتعلق بالفلسطينيين. فالمعارضة التي تتقدمها شخصيات ذات خلفيات عسكرية وأمنية لا تمثل كتلة متجانسة تتبنى برنامجاً واحداً للسلام أو لإنهاء الاحتلال.
وقد تركز حكومة بقيادة المعارضة على إعادة ترتيب العلاقة بين المؤسستين السياسية والعسكرية، ومراجعة بعض القرارات الداخلية، وتخفيف التوتر مع حلفاء دوليين، فضلاً عن محاولة معالجة أزمة الثقة التي تفاقمت بعد أحداث السابع من أكتوبر. لكن هذه التغييرات المحتملة لا تعني بالضرورة استعداداً للاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أو إنهاء السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة.
أما إذا تمكن نتنياهو من الاحتفاظ بالسلطة، فسيكون مطالباً بإدارة حكومة تواجه انقسامات داخلية وضغوطاً متعارضة بشأن الأمن والحرب والتجنيد والعلاقة مع الولايات المتحدة. وقد تفرض الحسابات الائتلافية قيوداً إضافية على أي قرار يتعلق بوقف العمليات العسكرية أو تقديم تنازلات سياسية.
ومن ثم، فإن المعيار الحقيقي للحكم على الحكومة المقبلة لن يكون خطابها الانتخابي، بل قراراتها العملية بشأن وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإدخال المساعدات، ووقف الاستيطان، واحترام القانون الدولي، وفتح مسار سياسي يعالج جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارته.
الأحزاب العربية ومعادلة تشكيل الحكومة
تبرز النتائج الأولية المتوقعة للأحزاب العربية باعتبارها أحد العناصر المهمة في حسابات تشكيل الحكومة. فحصولها مجتمعة على 17 إلى 18 مقعداً، إذا أكدته النتائج الرسمية، سيمنحها وزناً برلمانياً لا يمكن تجاهله عند حساب موازين القوى.
غير أن القيمة الفعلية لهذا الوزن ستتوقف على قدرة هذه الأحزاب على تنسيق مواقفها، وعلى استعداد المعسكرات اليهودية الرئيسية للتعاون معها. فالتناقض بين الحاجة الحسابية إلى أصوات النواب العرب ورفض بعض الأحزاب الإسرائيلية الشراكة معهم يكشف حدود النظام السياسي الإسرائيلي، ويطرح سؤالاً بشأن طبيعة المواطنة والمشاركة السياسية داخل الدولة.
وقد تصبح الأحزاب العربية طرفاً مؤثراً في مفاوضات تشكيل الحكومة، سواء عبر دعم ائتلاف من خارجه أو عبر التأثير في الخيارات البرلمانية. لكن تحويل هذا الدور إلى مكاسب ملموسة للفلسطينيين داخل إسرائيل، وإلى موقف أكثر إنصافاً تجاه الشعب الفلسطيني عموماً، سيظل مرتبطاً بالبرنامج السياسي والقدرة على فرض شروط واضحة، لا بمجرد عدد المقاعد.
المقاومة الفلسطينية ومستقبل الصراع
بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، لا تكمن أهمية الانتخابات الإسرائيلية في اسم رئيس الحكومة المقبل وحده، بل في انعكاساتها المحتملة على واقع الاحتلال والحرب والحصار ومستقبل الحقوق الوطنية الفلسطينية.
فقد أظهرت السنوات الأخيرة أن التنافس الحزبي الإسرائيلي، على الرغم من حدته، لا يضمن بحد ذاته تحولاً نحو إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. كما أن الخلاف بين الأحزاب الإسرائيلية قد يتعلق أحياناً بإدارة الحرب وكلفتها ونتائجها، أكثر مما يتعلق بمبدأ الحقوق الفلسطينية ذاته.
ومن هنا، فإن تغيير الحكومة قد يفتح مجالاً لمراجعة بعض السياسات، لكنه لا يكفي وحده لتغيير موازين الصراع. وستظل المسألة الفلسطينية مرتبطة بقدرة الشعب الفلسطيني على حماية وجوده وحقوقه، وبوحدة موقفه الوطني، وبمدى فاعلية التحركات العربية والدولية في فرض احترام القانون الدولي.
أما المقاومة الفلسطينية، فإن مستقبلها لا يمكن اختزاله في نتيجة انتخابية داخل إسرائيل. فهي جزء من صراع أوسع يتصل بالاحتلال وحق تقرير المصير، كما أن مسار المواجهة يتأثر بالظروف الميدانية والإنسانية والسياسية، وبقدرة الأطراف المعنية على الوصول إلى ترتيبات توقف استهداف المدنيين وتفتح أفقاً سياسياً حقيقياً.
إن إنهاء الحرب ورفع الحصار وحماية المدنيين وإعادة إعمار غزة ليست مسائل ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد استقرار الائتلاف الحكومي الإسرائيلي. إنها استحقاقات إنسانية وقانونية عاجلة، ينبغي ألا تخضع لمساومات الأحزاب أو لحسابات البقاء في السلطة.
المنطقة أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين
لن تبقى تداعيات الانتخابات محصورة داخل إسرائيل. فالمنطقة التي عرفت حروباً متلاحقة وتوترات ممتدة ستتأثر بالخيارات التي ستعتمدها الحكومة الجديدة، سواء تعلق الأمر بالعلاقة مع الفلسطينيين أو بلبنان وإيران أو بمستقبل التفاهمات الإقليمية.
وقد يتيح تبدل القيادة فرصة لإعادة النظر في بعض السياسات الخارجية، لكنه قد يقود أيضاً إلى استمرار النهج الأمني والعسكري بأدوات مختلفة. لذلك لا ينبغي للدول العربية أن تبني حساباتها على افتراض أن رحيل نتنياهو، إن حدث، سيؤدي تلقائياً إلى سلام عادل أو إلى تحول استراتيجي في الموقف الإسرائيلي.
المطلوب عربياً هو الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء موقف مشترك يستند إلى حماية السيادة الوطنية، ورفض التهجير، ودعم الحقوق الفلسطينية، وتفعيل الأدوات الدبلوماسية والقانونية والاقتصادية المتاحة. فالقضية الفلسطينية لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة في التنافس بين الأحزاب الإسرائيلية أو إلى ملف هامشي في ترتيبات الأمن الإقليمي.
الخاتمة: الانتخابات لا تنهي الصراع
تقول المؤشرات الأولية إن إسرائيل تتجه إلى مفاوضات سياسية معقدة، وإن مستقبل الحكومة المقبلة لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة. وقد يواجه نتنياهو صعوبة في الاحتفاظ بالسلطة، لكن خروجه المحتمل لا يعني نهاية السياسات التي ساهمت في استمرار الصراع، مثل الاحتلال والاستيطان وغياب أفق سياسي يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن الاختبار الحقيقي للحكومة المقبلة سيكون في قدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، وفي مدى استعدادها لاحترام القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني. أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن مستقبلهم لا يمكن أن يظل رهينة صناديق الاقتراع الإسرائيلية، بل يتطلب حماية وجودهم وحقوقهم، واستعادة وحدة مشروعهم الوطني، وتوسيع التضامن الدولي مع قضيتهم.
فالانتخابات قد تغيّر الحكومات، وقد تعيد توزيع مراكز النفوذ داخل إسرائيل، لكنها لن تنهي الصراع ما لم تتغير الشروط التي أنتجته، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية وتقرير المصير.

 

بوبكر عكرمي

كاتب تونسي

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى