يعتقد معظم الناس أن الأوطان تُولد من الجغرافيا، وأن الانتماء يبدأ من مكان الميلاد وينتهي عند حدود الخرائط. غير أن العمر يعلّمنا شيئًا مختلفًا؛ فهناك أوطان لا تُورث، ولا تُسجل في الوثائق الرسمية، ولا يعترف بها أحد سوى أصحابها. أوطانٌ صغيرة، قد تتخذ شكل شارعٍ عابر، أو مقعدٍ في مقهى، أو إنسانٍ واحدٍ فقط.
في مرحلةٍ ما من حياتنا، قد يحدث أن نعثر على شخصٍ يجعل العالم أكثر اتساعًا وأقل وحشة في الوقت نفسه. شخصٌ لا يغيّر ملامح الأرض من حولنا، لكنه يغيّر الطريقة التي ننظر بها إليها. فنكتشف فجأة أن المدن ليست أبنيةً وشوارعا، بل مشاعر عشناها فيها. وأن الزمن ليس أرقامًا تتبدل على التقويم، بل اللحظات التي تركت أثرها في أرواحنا.
الغريب أن بعض اللقاءات تأتي دون مقدمات كبيرة. لا تصحبها الموسيقى التي تتخيلها الروايات، ولا الإشارات التي يبالغ فيها الشعراء. تبدأ عاديةً تمامًا، ثم تنمو بهدوء حتى يصبح من الصعب تخيل الأيام قبلها. وما كان تفصيلًا صغيرًا في البداية، يتحول شيئًا فشيئًا إلى جزءٍ من المشهد الداخلي للإنسان، حتى يغدو حضوره مألوفًا كضوء الصباح.
ثم تمضي الحياة في اتجاهها المعتاد…
فالحياة، على عكس القصص، لا تسألنا دائمًا عما نريد. إنها تواصل حركتها الخاصة، وتفرض مساراتها على الجميع. يعود كل شخصٍ إلى مدينته، وإلى مسؤولياته، وإلى الواقع الذي ينتظره. وتبدو القرارات التي كانت واضحة في لحظةٍ ما أكثر تعقيدًا عندما تواجهها الأيام بتفاصيلها الثقيلة.
ومع مرور الوقت يكتشف الإنسان أن الفراق لا يشبه ما تخبرنا به الكتب. إنه لا يحدث في يومٍ واحد، ولا في لحظة وداع واحدة. الفراق الحقيقي عملية طويلة وصامتة، يحاول خلالها العقل أن يقنع القلب بما يعرفه مسبقًا، بينما يصر القلب على التمسك بما لا يمكن استعادته.
ومع ذلك، ليست كل القصص التي لا تكتمل قصصًا فاشلة.
هذه واحدة من أكثر الأفكار ظلمًا في عالمنا. فنحن نقيس قيمة الحكايات بنهاياتها، وننسى أن بعض اللحظات تمنح الإنسان من المعنى ما لا تمنحه سنوات كاملة. هناك لقاءات قصيرة تترك أثرًا أعمق من أعمارٍ طويلة، وهناك أشخاص يمرون في حياتنا مرورًا محدودًا زمنيًا، لكنهم يظلون مقيمين في الذاكرة إلى ما لا نعرف.
ولعل أجمل ما يبقى من تلك التجارب أنها تعلّمنا شيئًا عن أنفسنا. تعلّمنا أن القلب قادر على أن يفتح أبوابه من جديد مهما ظن أنه أغلقها. وأن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات، بل بدرجة الحضور في الروح. وأن بعض البشر، حتى بعد الغياب، يواصلون العيش في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد سوانا.
ربما لهذا السبب أبتسم كلما سمعت أحدهم يتحدث عن النسيان وكأنه قرار. فالأشياء المهمة لا تُنسى بالمعنى الحقيقي للكلمة، إنها تتغير فقط، تنتقل من مركز الحياة إلى أطرافها، ومن الحضور اليومي إلى الذاكرة الهادئة.
لكنها تبقى هناك، مثل مدينةٍ أحببناها يومًا ثم غادرناها؛ قد لا نعيش فيها مجددًا، لكننا نحمل شوارعها معنا أينما ذهبنا.
ولذلك لا أؤمن بأن جميع القصص خُلقت لكي تستمر، بعض القصص خُلقت لكي تترك أثرًا، وهذا الأثر هو شكلها الآخر من البقاء. فما ينتهي في الواقع قد يستمر طويلًا في الوجدان، وما يختفي من المشهد قد يظل حاضرًا في المعنى.
وربما لهذا السبب أيضًا، حين أسأل نفسي عن أكثر الأماكن التي سكنتني في حياتي، لا أتذكر مدينةً بعينها، ولا بيتًا بعينه، ولا زمنًا بعينه. أتذكر إنسانًا واحدًا جعل العالم، لفترة قصيرة، يبدو وكأنه وطن.
نعيم العلوي
كاتب سوري مقيم في الجزائر وله عدة مقالات و نصوص منشورة في الصحف الجزائرية
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




