‎أطفال تحت تأثير الخوارزميات

بقلم د إيمان ممتاز

‎في الماضي، كان السؤال الذي يشغل الآباء هو: من هم أصدقاء أبنائنا؟

أما اليوم، فربما أصبح السؤال الأهم: من الذي يربي أبناءنا عندما نمسك نحن هواتفنا وهم يمسكون هواتفهم؟

‎يقضي الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات، يتنقلون بين مقاطع الفيديو والألعاب ومنصات التواصل المختلفة. يبدو الأمر في ظاهره اختيارًا شخصيًا، لكن الواقع أن هناك طرفًا ثالثًا حاضرًا طوال الوقت، يقرر ما الذي سيظهر أمام الطفل، وما الذي سيختفي، وما الذي سيجذب انتباهه لدقائق أو لساعات. هذا الطرف هو الخوارزميات.

‎قد لا يعرف الطفل معنى كلمة “خوارزمية“، لكنه يتأثر بها يوميًا. فهي التي تقترح عليه الفيديو التالي، وتختار له المحتوى الذي يشاهده، وتتعلم مع الوقت ما الذي يثير فضوله أو يلفت انتباهه. وكلما استجاب لها أكثر، قدمت له المزيد مما يشبهه.

‎المشكلة لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، فالتكنولوجيا أداة عظيمة للتعلم والانفتاح على العالم. لكن القلق يبدأ عندما يصبح الطفل محاصرًا داخل دائرة ضيقة من المحتوى الذي يعيد الأفكار نفسها ويغذي الاهتمامات نفسها دون أن يمنحه فرصة حقيقية للاكتشاف أو التفكير النقدي.

‎الأطفال بطبيعتهم فضوليون، لكن الخوارزميات لا تبحث دائمًا عما يفيدهم، بل عما يبقيهم متصلين لأطول فترة ممكنة. ولهذا نجد أن المحتوى الأسرع والأكثر إثارة هو غالبًا الأكثر انتشارًا، حتى وإن كان أقل قيمة أو أكثر سطحية.

‎الأمر لا يتعلق فقط بالوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة، بل بما يتشكل داخله أثناء هذا الوقت. فالصورة التي يكونها عن نفسه، وعن الآخرين، وعن النجاح والجمال والعلاقات، قد تتأثر بشكل كبير بما يراه يوميًا. ومع تكرار الرسائل نفسها، قد تتحول بعض الأفكار إلى حقائق غير قابلة للنقاش في ذهنه.

‎ولهذا فإن دور الأسرة لم يعد يقتصر على تحديد عدد ساعات استخدام الأجهزة الإلكترونية، بل أصبح يمتد إلى بناء وعي رقمي حقيقي لدى الأبناء. نحتاج أن نتحدث معهم أكثر، وأن نسألهم عما يشاهدونه، وأن نعلمهم كيف يفكرون فيما يُعرض عليهم، لا أن يكتفوا بتلقيه.

‎إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نفترض أن أبناءنا يعرفون كيف يتعاملون مع العالم الرقمي لمجرد أنهم يجيدون استخدام أجهزته. فإجادة الاستخدام لا تعني بالضرورة امتلاك الوعي.

‎في النهاية، لن نستطيع عزل أطفالنا عن التكنولوجيا، ولا ينبغي لنا ذلك. لكننا نستطيع أن نمنحهم ما هو أهم من المنع والمراقبة؛ أن نمنحهم القدرة على الفهم. فالأطفال الذين يفهمون كيف يؤثر العالم الرقمي في اختياراتهم ومشاعرهم هم الأكثر قدرة على الاحتفاظ باستقلالهم الفكري في زمن تتنافس فيه الشاشات على جذب انتباههم وتشكيل وعيهم.

‎وربما يكون التحدي التربوي الأكبر في عصرنا هو أن نعلم أبناءنا كيف يقودون التكنولوجيا، قبل أن تسمح التكنولوجيا لنفسها بأن تقودهم.

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى