لطالما رفعت كرة القدم شعار الفصل بين الرياضة والسياسة، إلا أن الواقع أثبت مراراً أن اللعبة الأكثر شعبية في العالم لم تنجُ من التجاذبات السياسية والدبلوماسية. ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، عاد الجدل مجدداً حول تسييس كرة القدم واستخدام الإجراءات السياسية كسلاح يؤثر على المنتخبات والجماهير المشاركة في الحدث العالمي.
تستضيف الولايات المتحدة النصيب الأكبر من مباريات البطولة، حيث تقام على أراضيها 78 مباراة من أصل 104 مباريات، بينما تستضيف المكسيك 13 مباراة وكندا 13 مباراة فقط.
ورغم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) يؤكد باستمرار مبدأ حياد الرياضة، فإن سياسات الهجرة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب ألقت بظلالها على البطولة. فقد واجه مشجعون من دول عدة قيوداً وصعوبات تتعلق بالحصول على تأشيرات الدخول، خصوصاً القادمين من دول خاضعة لقيود سفر أو إجراءات تدقيق أمنية مشددة. وتشير تقارير إلى أن جماهير بعض الدول قد تجد نفسها عاجزة عن حضور المباريات في الولايات المتحدة رغم امتلاكها التذاكر اللازمة.
ويبرز الملف الإيراني باعتباره المثال الأوضح على تداخل السياسة مع الرياضة. فبينما حصل لاعبو المنتخب الإيراني على تأشيرات الدخول للمشاركة في البطولة، واجه عدد من مسؤولي الاتحاد الإيراني صعوبات أو تأخيرات في الحصول على التأشيرات. كما أعلنت السلطات الكروية الإيرانية أن حصتها من تذاكر الجماهير للمباريات المقامة في الولايات المتحدة تم سحبها قبل أيام من انطلاق البطولة، معتبرة ذلك إجراءً تمييزياً ذا خلفية سياسية. كما اضطرت البعثة الإيرانية إلى اتخاذ مدينة تيخوانا المكسيكية مقراً لها بدلاً من الولايات المتحدة بسبب التعقيدات المرتبطة بالتأشيرات والظروف السياسية بين البلدين.
أما العراق، فقد وجد نفسه ضمن دائرة الجدل المرتبط بقيود السفر الأمريكية خلال السنوات الماضية، إذ أثارت السياسات الأمريكية المتشددة تجاه بعض الجنسيات مخاوف متكررة بشأن قدرة الجماهير العراقية على التنقل بحرية لحضور البطولات الدولية المقامة في الولايات المتحدة، رغم حصول المنتخب نفسه على الاستثناءات الرياضية المعتادة.
وبالنسبة إلى أوزبكستان، التي تشارك للمرة الأولى في تاريخها في كأس العالم، فقد واجه مشجعوها تحديات مرتبطة بإجراءات التأشيرات ومتطلبات السفر المعقدة، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى تكافؤ الفرص بين جماهير المنتخبات المختلفة في متابعة منتخباتها من المدرجات. كما أن بعض المنتخبات الإفريقية تأثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذه السياسات، وكان أبرز الأمثلة منع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول الولايات المتحدة رغم امتلاكه تأشيرة سارية، ما حرمه من المشاركة في إدارة مباريات كأس العالم، في واقعة أثارت انتقادات واسعة داخل الأوساط الرياضية الإفريقية.
تاريخياً، ليست هذه المرة الأولى التي تتداخل فيها السياسة مع كرة القدم. فقد شهدت كأس العالم 1978 في الأرجنتين انتقادات بسبب إقامتها في ظل الحكم العسكري، بينما قاطعت دول إفريقية أولمبياد مونتريال 1976 احتجاجاً على سياسات الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. كما تأثرت أولمبياد موسكو 1980 بمقاطعة قادتها الولايات المتحدة، قبل أن ترد الكتلة الشرقية بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس 1984.
وبينما يفترض أن تكون كرة القدم جسراً للتواصل بين الشعوب، تكشف هذه الوقائع أن السياسة لا تزال حاضرة بقوة في الملاعب وخارجها. فكلما اقتربت البطولات الكبرى من مراكز النفوذ السياسي، ازدادت احتمالات تحول التأشيرات والتنقل وحتى التذاكر إلى أدوات تؤثر في المشاركة الرياضية والجماهيرية، وهو ما يضع الهيئات الرياضية الدولية أمام اختبار دائم للحفاظ على مبدأ حياد الرياضة واستقلالها عن الصراعات السياسية
وفي النهاية، فإن حماية نزاهة كرة القدم تتطلب من الهيئات الرياضية وضع ضمانات واضحة وملزمة للدول المستضيفة تكفل حرية تنقل اللاعبين والمسؤولين والجماهير على قدم المساواة، بما يضمن بقاء اللعبة مساحة للتنافس الرياضي والتقارب الإنساني بعيدا عن الحسابات السياسية.
عبد الله عبد العزيز
كاتب مصري مقيم في قطر
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




