القصيدة الأولى من مجموعة (هو الذي غرق) لأستاذ الأدب الإنجليزي د علاء نعيم الغول

هل كُنتَ تعلمُ أنكَ المختارُ
تقصدكَ الركائبُ بالنذورِ وبالبخورِ
وبالتعاويذِ التي ستقيكَ نفاثاتِ ليلٍ
قد تلاطمتِ الدواهي فِيهِ

هل قربتَ قربانًا سخيًّا يطمئِنُّ له فؤادُكَ
يُبتَغَى مِنْهُ العدولُ عن اعترافاتٍ تثيرُ حفيظةَ الموتى
وَمَنْ يومًا على أكتافهم رفعوكَ

هل صدَّقْتَ أنَّ الْيَوْمَ لن يمضي سريعًا
كالسنونوةِ التي اخترقتْ بأجنحةِ الهواءِ
طيوفَكَ الملأى بما يلهيكَ عن تعطيلِ ذاكرةٍ مشوهةٍ
وتنفيذِ الوعودِ جميعها حتى تعودَ كما تريدُ مُبَجَّلًا

لِمَ كلما هزتكَ ترنيماتُ معبدِكَ
انبعثتَ من السكونِ ومن رمادِكَ
مثلما العنقاءُ تنتظرُ احتراقَكَ من جديدٍ
ثم يجبرُكَ الفَناءُ على ارتشافِ دموعِ مَنْ يدعونَ خلفَكَ

كيفَ جئتَ بكلِّ هذا العِزِّ
ترفلُ فِيهِ مزهوًّا بأنكَ مثلما قارونُ
قد أوتيتَهُ مِنْ علمِكَ المخفيِّ عن غيرِكْ

أَلَمْ تلحَظْ كمِ استعملتَنا في كلِّ حربٍ
دِرْعَكَ العاري تُحَمِّلُنا هزائمَكَ الأكيدةَ غير مأسوفٍ
علينا إِنْ هلَكْنا أو تفرقنا هنا أو في الذرَىَ بدَدًا

ألا يكفيكَ أنكَ لم تعدْ مُستَخدَمًا
إلا لتفسدَ في البلادِ وفِي العبادِ وتستلذُّ
بنكهةِ الجثثِ التي احترقتْ بفعلِ يديكَ
منتفخًا بألفاظٍ ترددها ومقتنعًا بها
وكأنها تعفيكَ مما قمتَ بهْ

هلِ الماءُ الذي تُسقَاهُ
يغسلُ ما على كفيكَ من دمِنا
وترجعُ بعدَها رجلًا نظيفًا صَالِحًا
وتعودُ توعظُنا وتُبكِينا بما ستؤولُ
حالتُنا إليهِ إذا ضللنا عن طريقكَ
واتبعنا سُنَّةً للآخرينَ

ألمْ تشعرْ بوخزاتٍ يُقالُ لها الضميرُ
تردُّ فيكَ الآدميةَ تتَّقي فينا الإلهَ لساعتينِ
لعلنا ننجو بأنفسِنا وأهلينا
ونهربُ سائحينَ مشردينَ
نجرُّ أوتادَ الخيامِ إلى مكانٍ لستَ فِيهِ إلى الأبدْ

وهلِ التحولُ فيكَ جَاءَ مفاجئًا
أم أنتَ من نسلٍ غريبٍ لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ
ولا يري عينيهِ في المرآةِ شاحبتينِ
ترقصُ فيهما القَيْناتُ ألسنةُ الحرائقِ
والخرابُ يحلُّ أينَ توجهتْ قدماهُ

هل غذَّتْكَ يَوْمَ ولِدْتَ مرضِعَةٌ
وقد روَّتْ عروقَكَ من حليبٍ دافىءٍ
أم لستَ تذكرُ ما الذي أُطعِمْتَهُ
لتصيرَ ما لا يُستَطاعُ وتستلذُّ بكونكَ
المسؤولُ عما في المدينةِ من خرابٍ

كيف يمكننا التهاونُ في مصيرِ صغارِنا وبيوتِنا
ونعودُ نصغي مرةً أخرى لوعظِكَ
أيها الولدُ المدللُ عند إبليسَ الكبيرِ
تُكحِّلُ العينينِ مسرورًا برؤيتهِ
وتمسحُ بابَ معبدهِ بكُمِّ قميصِكَ المصبوغِ بالدَّمِ والأَدَمْ

هل سرتَ بين النَّاسِ باسمٍ يُستَدَلُّ بهِ عليكَ
ولم تمارسْ زئبقياتِ الحروفِ لتختفي
أنَّى أردتَ بكل ما أوتيتَ من حِيَلٍ
تفوقُ مهارةَ الأشرارِ في تغييرِ ما تبدي
الوجوهُ وما تخبئهُ الملامحُ

مَنْ حشاكَ بكل هذا البؤسِ
أودعَ فيكَ ما يشقيكَ ما يدعوكَ للتفكيرِ
في نزعِ الحياةِ وما يزيِّنُها
كأنكَ مَنْ يسوقُ هلاكَ مَنْ قالوا لكَ اعدِلْ
ثم أنتَ نكايةً في الحقِّ تقتُلُ أنبياءَكَ

كيف تجهلُ أنكَ استُعْمِلتَ
مِخْلَبَ قِطِّهم وفرحتَ إِذْ نفخوا
غرورَكَ بالأكاذيبِ التي ترضيكَ
حتى لم تعدْ ترضى سوى بالحكمِ وحدَكَ
لا ترى للآخرينَ الحقَّ في أَنْ يرسموا
لحياتِهمْ نهجًا بعيدًا عنكَ مختلفًا
وكدتَ تقولها
أنا رَبُّكُمْ

ماذا جنيتَ من التلاعبِ بالحقيقةِ والكلامِ
تشوهُ الماضي وتكتبُ ما تشاءُ
لكي تقيمَ شريعةً وتزيلَ أخرى
لا تراعي حرمةً
تمشي بحُكمٍ مُسبَقٍ
أعفيتَ نفسَكَ من قوانينِ التعايشِ
واتبعتَ خطابَكَ الأزليَّ
أنكَ زاهدٌ من أجلِ آخرةٍ ضمنتَ لها الخلاصَ
فأنتَ سوطُ اللَّهِ
ليس هناكَ من يعصي لكَ الأمرَ الذي أصدَرْتَ من صَلَفٍ

ألم تفهم من التاريخِ شيئًا أيها الغافي
ألا يكفيكَ من أنباءِ مَن سبقوكَ
أنَّ عروشَهم زالتْ وأنكَ لن تُخَلَّدَ
سوف يبليكَ الزمانُ وتنتهي
لا شيءَ يُذكَرُ منْكَ إِذْ تُنسَى
وَإِنْ في مرةٍ نبشوا عميقًا
لن تكونَ سوى لصيقٍ بالطغاةِ الهالكين
وأنت أردأهم فعالًا سيئةْ

هل مرةً وليتَ وجهكَ شطْرَ قبلتِنا
وأوليتَ الطقوسَ من اهتمامِكَ مثلما تولي
لشهوتِكَ التي استولتْ على جُلِّ القراراتِ
التي جعَلَتْكَ منبوذًا لوحدكَ
في خضَمِّ الموجِ يجرفكَ العنادُ
وصرتَ في طوفانِكَ الملعونِ تلهثُ مُتعَبًا
إِذْ كان يمكنكَ النجاةُ كما رأينا
أنتَ لم تركبْ سفينتَنا
ورددَ كلُّ مَنْ شهدوا نهايتَكَ الأكيدةَ
أنتَ تختارُ الغرقْ

 

د علاء نعيم الغول

كاتب وشاعر فلسطيني

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى