بوبكر عكرمي يكتب .. ترامب يترنح قبل الضربة القاضية

وعبدول السيد لا يزال ثابتاً رغم حملات التشويه الممنهجة

 

تعودنا ان تكون انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي استحقاق انتخابي تقليدي و منافسة دورية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لكن هاته المرة تبدو واحدة من المحطات المفصلية في مسار التجربة السياسية الأمريكية واختبارا حقيقيا لشعبية دونالد ترامب ولقدرة مشروعه السياسي على الاستمرار
النتائج الأولية المعلنة صباح الأربعاء تحمل مؤشرات واضحة على تراجع الجمهوريين إذ تمكن الديمقراطيون من استعادة الأغلبية في مجلس الشيوخ فيما تتجه النتائج إلى منحهم أغلبية مجلس النواب أيضا وهو تحول من شأنه أن يضع إدارة ترامب أمام واقع سياسي جديد ويمنح خصومه داخل الكونغرس أدوات أوسع للرقابة والمساءلة وتعطيل بعض خياراته التشريعية
إنها رسالة انتخابية لا يمكن فصلها عن ارتفاع تكاليف المعيشة والتوترات الاقتصادية والحرب مع إيران والسياسات التجارية والهجرة فضلا عن حالة الاستقطاب التي عمقتها خطابات الرئيس الأمريكي ومواقفه الداخلية والخارجية
لكن بعيدا عن الحسابات الحزبية الكبرى تبرز ولاية ميشيغان باعتبارها واحدة من أكثر ساحات هذه الانتخابات إثارة للاهتمام وفي قلبها يقف اسم عبدول السيد
عبدول السيد من جذور مصرية إلى قلب المعركة الأمريكية
عبدول السيد طبيب وباحث في الصحة العامة يبلغ من العمر 41 عاما ولد ونشأ في ولاية ميشيغان لأبوين مصريين مهاجرين درس بجامعة ميشيغان ثم حصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد
تولى مسؤوليات في إدارة الصحة بمدينة ديترويت ثم إدارة الصحة والخدمات الإنسانية وراكم تجربة في السياسات الصحية والاجتماعية قبل أن يدخل المعترك الانتخابي
يحمل السيد مشروعا تقدميا يركز على الرعاية الصحية الشاملة والعدالة الاجتماعية ومواجهة نفوذ الشركات الكبرى والمال السياسي كما أعلن بوضوح معارضته لاستمرار الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل ودعا إلى إنهاء استخدام أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في تمويل الحرب
حين تصبح الهوية مادة للهجوم
لم تكن معركته مع الجمهوري مايك روجرز مجرد خلاف حول البرامج الاقتصادية والاجتماعية فقد تحولت إلى مواجهة سياسية وإعلامية شديدة الحدة استُخدمت فيها هويته العربية والإسلامية مادة للتشكيك والتخويف
الرئيس ترامب نفسه وصفه بالجهادي وربطه بالإرهاب وبجماعة الإخوان المسلمين دون تقديم أدلة تثبت تلك الاتهامات كما شكك في ولائه للولايات المتحدة واستحضر هجمات الحادي عشر من سبتمبر في سياق التحريض عليه
ولم تقتصر الحملات على ترامب بل شارك فيها مسؤولون جمهوريون ومجموعات سياسية مناهضة لترشحه فيما أثارت مواقفه من فلسطين وإسرائيل انقسامات حتى داخل الحزب الديمقراطي
لكن عبدول السيد اختار الرد من خلال خطاب سياسي مباشر رافضا تحويل اسمه أو دينه إلى تهمة انتخابية وقال في مواجهة سخرية ترامب من اسمه إنه لا يحتاج إلى أن يتقن الرئيس نطقه بل يمكنه أن يناديه سيناتورا بعد الانتخابات
كما تمسك بطرح القضايا التي تهم الناخبين من الصحة والسكن والأجور إلى نفوذ أصحاب المليارات في السياسة
وفي المقابل حظي بدعم شخصيات تقدمية بارزة من بينها بيرني ساندرز ورشيدة طليب وبراميلا جايابال فيما أثار انسحاب منافسته الديمقراطية السابقة هايلي ستيفنز سياسيا إلى معسكر الجمهوريين قبل الاقتراع موجة غضب وتضامن معه وجمعت حملته 2.4 مليون دولار في يوم واحد وفق ما أعلنته حملته
من ميشيغان إلى فلسطين
حتى صباح الرابع من نوفمبر لا يزال فرز الأصوات في سباق ميشيغان متواصلا والسيد يحتفظ بتقدم ضيق على منافسه مايك روجرز دون إعلان نتيجة نهائية
لكن الدلالة الأعمق لهذه المعركة تتجاوز مقعدا في مجلس الشيوخ فالجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة تمتلك اليوم إمكانات بشرية واقتصادية وانتخابية وإعلامية مهمة غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى قوة تأثير حقيقية يتطلب عملا منظما وتجاوز الانقسامات العرقية والمذهبية والحسابات الحزبية الضيقة
إن المطلوب بناء لوبي عربي ومسلم مؤسساتي يمتلك رؤية طويلة المدى ويستثمر في التعليم والإعلام والعمل المدني والانتخابات المحلية والكونغرس ويجعل من الحقوق والحريات والعدالة ومناهضة العنصرية قضايا جامعة
وفي قلب هذه الرؤية تظل فلسطين القضية المركزية والاختبار الأخلاقي والسياسي الحقيقي فالدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني ووقف الحرب وإنهاء الاحتلال ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات يجب ألا يبقى مجرد شعار انتخابي موسمي بل يتحول إلى التزام مدني وسياسي مستمر
قد لا تحسم انتخابات واحدة معركة التغيير في واشنطن وقد لا يكفي وصول مرشح عربي مسلم إلى مجلس الشيوخ لتغيير السياسة الأمريكية تجاه فلسطين لكن الطريق يبدأ بكسر الحواجز وامتلاك أدوات التأثير والمشاركة المنظمة
ترامب يواجه اليوم تراجعا انتخابيا وسياسيا واضحا غير أن الضربة القاضية ليست حدثا انتخابيا واحدا بل مسار طويل من المحاسبة السياسية والشعبية أما عبدول السيد فقد أثبت أن الهوية العربية والإسلامية لا تمنع صاحبها من خوض قلب المعركة الأمريكية وأن الثبات على المواقف يمكن أن يفتح أبوابا جديدة أمام أجيال من الأمريكيين ذوي الأصول العربية والمسلمة
بقلم بوبكر العكرمي – تونس

ملاحظة توثيقية: استند المقال إلى تغطية وكالة أسوشيتد برس بشأن الهجمات على عبدول السيد، وإلى بيانات سيرته الانتخابية، و النتائج أولية و ليست نهائية

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى