هناك أمسياتٌ لا تشبه غيرها .. بقلم الكاتب شريف توفيق

أمسياتٌ تأتي هادئةً كنسمةٍ رقيقة، لكنها تُوقظ في أرواحنا مدنًا كاملةً من الذكريات، وتفتح أبوابًا أغلقها الزمن، وتعيد إلينا وجوهًا ظننا أنها غادرت إلى الأبد.
وفي بعض الليالي، لا يحتاج القلب إلى معجزةٍ كبيرة، بل إلى رائحة عطرٍ قديم، أو أرجوحةٍ مهجورة، أو فنجان قهوةٍ دافئ، ليبدأ رحلةً طويلة بين الحنين والحكمة، وبين الذكريات والرسائل التي لم تُكتب بعد.
وهذه إحدى تلك الليالي
كان هذا المساء مختلفًا عن كل مساء.
استيقظتُ من رحلة نومٍ طويلة حملتني بين الغيمات والأحلام، وكأنني كنتُ مسافرًا في عالمٍ آخر لا يشبه ضجيج الحياة.
تناولتُ فطوري على مهل، وارتشفتُ قهوتي المفضلة، ثم دخلتُ إلى غرفة مكتبي وجلستُ بين كتبي ورواياتي التي أصبحت مع الأيام رفقاء عمرٍ لا يخونون.
أمسكتُ قلمي استعدادًا لأن أسطر شيئًا مما يدور في خاطري، لكنني سرعان ما وضعته جانبًا.
كان هناك شعورٌ غريب يدفعني إلى أمرٍ آخر.
شعرتُ أن الوقت قد حان لتنظيف الشقة، لا من الغبار فقط، بل من بقايا الأيام العالقة على الجدران، ومن آثار الذكريات التي تراكمت فوق الأشياء بصمتٍ طويل.
بدأتُ أرتب الغرف واحدةً تلو الأخرى، وأعيد لكل شيء مكانه، حتى شعرتُ أنني لا أنظف المنزل فحسب، بل أرتب شيئًا في داخلي أيضًا.
وحين وصلتُ إلى إحدى الزوايا، وجدتُ زجاجة عطرٍ قديمة.
أمسكتُ بها بحذر، وكأنني أمسك جزءًا من الماضي.
فتحتها.
فانطلقت منها رائحةٌ أعرفها جيدًا.
رائحةٌ كانت تحمل عمرًا كاملًا من التفاصيل.
سكبتُ منها في زجاجة المعطر، ثم نشرتها في أركان المكان، وعلى الستائر والأرضيات، حتى امتلأت الشقة كلها بذلك العبير الساحر.
كان العطر أشبه بمفتاحٍ سريٍّ فتح أبواب الذكريات دفعةً واحدة.
خرجتُ إلى الشرفة الكبيرة.
وهناك.
وجدتُ الأرجوحة.
تلك الأرجوحة التي شهدت أيامًا كثيرة من الحديث والضحك والأحلام.
وقفتُ أمامها طويلًا، ثم عدتُ إلى مكتبي.
وحين جلستُ أمام الأوراق، شعرتُ وكأن قلمي يبتسم لي، وكأن الصفحات البيضاء تميل نحوي في شوقٍ لتحتضن الكلمات.
أنا لا أبيع الكلمات على الأرصفة، ولا أنثرها في الطرقات.
أنا أجلس كل مساء لأصنع منها رسالة.
رسالة حب.
ورسالة شوق.
ورسالة نصحٍ لكل من يمر بين هذه السطور.
وحين امتلأت غرفة المكتب برائحة العطر، انهمر الحنين فجأةً كالمطر.
وتحول الشوق إلى ألحانٍ خفية تعزف على أوتار الحروف.
وأخذني الخيال إلى مكانٍ آخر…
رأيتُ نفسي أجلس على تلك الأرجوحة بصحبة ريحانة.
نجلس جنبًا إلى جنب، نرتشف قهوتنا المفضلة، ونتبادل الأحاديث كما اعتدنا دائمًا.
كنا متشابهين في الأفكار إلى حدٍ يجعلنا نشعر أحيانًا أننا روحٌ واحدة تسكن جسدين.
وبينما كنا نتحدث، انتقل الحديث إلى مسلسل حديث الصباح والمساء، وتوقفنا طويلًا أمام قصتين من أجمل قصص الحب التي قدمها العمل.
الأولى كانت قصة هدى هانم وعطا المراكيبي.
هي سيدة أرستقراطية ثرية تعيش في قصرها الكبير، وهو رجل بسيط يعمل في صناعة الأحذية.
لكن الحب لم ينظر إلى القصر ولا إلى الدكان.
رأت فيه الشهامة والرجولة والصدق.
ورأى فيها قلبًا لا يشبه بقية القلوب.
فتزوجا متحديين الفوارق الطبقية ونظرات المجتمع.
ولم يغيّر الثراء من جوهر عطا، بل استثمر عقله وأخلاقه حتى أصبح من كبار رجال الاقتصاد، وظل الحب بينهما قائمًا على الاحترام والتقدير حتى آخر العمر.
أما القصة الثانية فكانت قصة داوود باشا وجوهر.
رجلٌ عاش صراعًا طويلًا بين أصله الشعبي ومكانته الأرستقراطية الجديدة.
جرّب حياة الطبقة المخملية، لكنه لم يجد فيها الدفء الذي يبحث عنه قلبه.
حتى وجد السكينة والحب الحقيقي في جوهر.
لم تكن أميرةً ولا من أصحاب النفوذ.
كانت إنسانةً صادقة أحبته دون شروط.
فاختارها شريكةً لعمره، وعاش معها ما افتقده طويلًا من راحةٍ وطمأنينة.
وحين انتهينا من الحديث عن القصتين، تبادلنا ابتساماتٍ هادئة.
كانت تلك الابتسامات تحمل معنىً واحدًا…
أن الحب الحقيقي لا يعرف الطبقات.
ولا يعترف بالألقاب.
ولا يقيس البشر بأموالهم أو مناصبهم.
فالحب الصادق نهرٌ من الأخلاق والقيم والاحترام.
والعلاقات التي تُبنى على المودة والاهتمام والدفء والتقدير هي وحدها القادرة على الصمود أمام تقلبات الحياة.
أما البيوت التي يمتلئ سقفها بالاحترام، وجدرانها بالرحمة، وأركانها بالمودة، فهي التي تُخرج للمجتمع أبناءً أصحاء نفسيًا، وأزواجًا وزوجاتٍ قادرين على منح الحب لا طلبه فقط.

#وفي_نهايةتلك_الليلة

أدركتُ أن أجمل ما يتركه الفقد فينا ليس الحزن، بل الحكمة.
فكثيرًا ما يتحول الألم إلى رسالة.
وتتحول الذكرى إلى نور.
ويصبح القلب الذي ذاق الوجع أكثر قدرةً على منح الدفء للآخرين.
لذلك لا تبحثوا عن الحب في المظاهر، ولا في الألقاب، ولا في الحسابات المعقدة.
ولا تبحثوا عن الحب في المصلحة، ولا في زواج المصلحة، ولا في زواجٍ يقوم على المال وحده أو على وهم الاستقرار الذي تشتريه الأموال.
فكل ما يُشترى بالمال قد يُباع يومًا بثمنٍ بخس، أما المشاعر الصادقة فلا تُقدَّر بثمن، ولا تُقاس بحسابات المكاسب والخسائر.
الحب الحقيقي لا يسأل عن حجم الرصيد، بل عن حجم الاحتواء.
ولا يبحث عن القصور، بل عن القلب الذي يصلح أن يكون وطنًا.
ابحثوا عمَّن يبقى دفؤكم حين تبرد الأيام، وأمانكم حين تتكاثر المخاوف، وسندكم حين تثقل الأوجاع أكتافكم، ورفيقكم حين يسرق العمر من الوجوه جمالها ومن الأجساد قوتها.
فمن أحبكم من أجل جمالكم قد يرحل حين يذبل الجمال.
ومن أحبكم من أجل مالكم قد يرحل حين تتغير الأحوال.
أما من أحب روحكم وقلبكم وأخلاقكم، فسيبقى ممسكًا بأيديكم حتى آخر الطريق.
فالحب الصادق ليس أن تجد شخصًا يشاركك أيام القوة فقط، بل أن تجد قلبًا يختارك كل يوم، في حضور الجمال وغيابه، وفي زمن اليسر والعسر، وفي الشباب والشيخوخة.
ولا تبحثوا عن شريك حياة يمنحكم رفاهية العيش فقط، بل ابحثوا عمَّن يمنحكم راحة الروح وسكينة القلب.
فالأموال قد تصنع بيتًا جميلًا، لكنها لا تصنع المودة.
وقد تشتري أثاثًا فاخرًا، لكنها لا تشتري الرحمة.
وقد توفر الراحة للجسد، لكنها تعجز عن توفير الأمان للقلب.
إن أجمل ما يمكن أن يربحَه الإنسان في هذه الحياة هو قلبٌ صادق، إذا ضاقت الدنيا اتسع لك، وإذا أثقلتك الأيام حمل عنك بعضًا من أوجاعك، وإذا تقدمت بك السنون بقي إلى جوارك كما كان في أول الطريق.
فالحب الذي يسكن القلوب النقية لا يعرف الطبقات، ولا يعترف بالمظاهر، ولا يخضع لموازين المصالح…
بل يعرف فقط كيف يجعل الحياة أجمل، والروح أكثر طمأنينة، والقلب أكثر امتلاءً بالسكينة والرحمة.
ومن رحم الفقد، ومن بين ركام الذكريات، ومن عطرٍ أيقظ الحنين في تلك الليلة،
#وُلدت_هذه_الرسالة
رسالةٌ تقول إن القلوب لا تُشترى، وإن الأرواح لا تُقاس بالأموال، وإن أعظم ما يمكن أن نهديه لمن نحب هو الاحترام، والاحتواء، والوفاء، والرحمة.
فما أجمل أن نجد في آخر العمر يدًا لم تتخلَّ عنا، وقلبًا ما زال يرى فينا الجمال نفسه، وروحًا اختارت البقاء لأن الحب عندها كان عهدًا لا مصلحة، ووفاءً لا صفقة، ومودةً لا تُشترى ولا تُباع.

 

شريف توفيق

كاتب ومؤلف مصري

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى