#سلسلة_مشروع_مدارات_التَّحرير
“مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ – للدُّكتور عبداللّٰه عياصرة”
• #المدار_الأوَّل:
• #في_سَديمِ_الكينونَةِ
“جَدَلِيَّةُ الحَرفِ واستِردادُ الإِنسانِ في زَمَنِ الأداتِيَّةِ”
لماذا نَقرأُ؟ لماذا نَكتُبُ؟ أَينَ الحِكمَةُ؟
__
لم يكُنِ السُّؤالُ عن جَدوى القراءةِ والكتابةِ يَومًا تَرَفًا ذِهنِيًّا تَقذِفُهُ رفاهِيَّةُ الفَراغِ، بل هو نِداءُ الكينونَةِ المُعَذَّبُ في مُواجَهةِ العَدَمِ المُتَرَبِّصِ. إِنَّنا حِينَ نَسأَلُ: “لماذا نقرأُ؟ ولماذا نكتُبُ؟” لا نَستنطِقُ أَدواتٍ مَعرِفِيَّةً حَسْبُ، إنَّما نُمارِسُ طَقسًا من طُقوسِ الاستِبقاءِ الوُجودِيِّ.
• الحَرفُ كشَهيقٍ وزَفيرٍ للكينونةِ
فالقراءةُ هي “شَهيقُ” الوعيِ الكَونِيِّ الَّذي بِهِ نَستَعيدُ “الأَنا” من شَتاتِ التِّيهِ، والكتابةُ هي “زَفيرُهُ” الَّذي يَجتَرِحُ من صَمْتِ الوُجودِ صَوتًا يُغالِبُ الفَناءَ ويُؤرِّخُ للخُلودِ. الحَرفُ في هذا المُعترَكِ ليس مُجرَّدَ أَداةٍ، إِنَّهُ ساحةُ التَّأَمُّلِ العميقِ واستدعاءِ الإِنسانِ فِي كُلِّيَّتِهِ، وكما ذَهَبَ “هايدغر” إِلى أَنَّ “اللُّغَةَ هي بَيْتُ الوُجودِ”، فإِنَّ الكتابةَ ليست مُجرَّدَ توثيقٍ، بل هي استنفارٌ للكينونةِ واستعادةٌ للوُجودِ المُستَلَبِ.
• المعرفةُ مِنَ الميكانيكا إلى الحِكمةِ
وفي عصرٍ يطغى فيه الرَّقمُ والبياناتُ على الغاياتِ الإنسانيَّةِ، تظهرُ الحاجةُ المُلحَّةُ إلى إعادةِ قراءةِ المعرفةِ، لا كأداةٍ ميكانيكيَّةٍ، بل كمسارٍ رُوحانِيٍّ نحوَ الحِكمةِ. غير أنّ المعرفةَ الحقَّةَ هي كَشفٌ يتدرَّجُ في مدارجِ الوعي، والحِكمةُ ثمرةُ المعاناةِ الطَّويلةِ والتَّأمُّلِ المُتواصِلِ في مآلاتِ الحياةِ؛ إذ لا يُتحصَّلُ عليها إلا حينَ نُدرِكُ الفَجوةَ القائمةَ بين “ما نحن عليه”، و”ما ينبغي أن نكونَ عليه”. وكما نُقِلَ عن “سقراط” بأنَّ “الحياةَ التي لا تُفحَصُ بالتَّأَمُّلِ لا تستحقُّ العَيشَ”، ويؤكِّدُ “نيتشه” لاحقًا بأنَّ “مَنْ يملكُ سببًا للعيشِ، يمكنُهُ تحمُّلُ أيِّ كَيْفٍ”؛ فإنَّ القراءةَ والكتابةَ هما أدواتُ هذا المَخاضِ الرُّوحيِّ المُؤدِّي إلى الحِكمةِ.
• مختبَرُ الكلمةِ في نكوصٌ العَدَمِ
إنَّ التَّخلِّيَ عن القراءةِ والكتابةِ الواعيةِ هو نكوصٌ حَتمِيٌّ نَحوَ “العَدَمِ المعنويِّ”؛ فالإنسانُ الذي لا يستنطقُ الحرفَ يظلُّ محبوسًا في رتابةِ اللَّحظةِ الرَّاهنةِ، قابِعًا في سجنِ حواسِّهِ الضَّيِّقِ. أمَّا القارئُ/ والكاتبُ، فهو مَنْ يَكسِرُ قَيدَ الزَّمنِ ويُشيِّدُ جُسورًا مَعَ المُطلقِ، مُحوِّلًا وُجودَهُ العابرَ إلى حُضورٍ سَرمديٍّ يتحدَّى التَّحلُّلَ والنِّسيانَ. في “مُختبَرِ الكلمةِ” هذا، تتقاطعُ المعرفةُ مَعَ الوعي، والفِعلُ مَعَ التَّأمُّلِ، ليُعلنَ الإنسانُ انتصارَهُ على الفَناءِ.
• تغريبُ الإنسانِ وتوحُّشُ الوسائلِ
بَيْدَ أنَّ السُّؤالَ الأشدَّ مضاضةً والأكثرَ إلحاحًا هو: كيف نفهمُ كلَّ ذلك في ظِلِّ عالَمٍ غريبٍ في تناقضاتِهِ، مُتوحِّشٍ في صِراعاتِهِ؟ إنَّ الرَّاهِنَ الأداتِيَّ يُعاني “تَضخُّمًا في الوسائلِ” و”ضُمورًا في الغاياتِ”؛ فنحن نملكُ سرعةَ التَّواصلِ، لكنَّنا نفتقرُ إلى أدبِ الحوارِ، ونملكُ سُيولةَ المعلومةِ، لكنَّنا نفتقرُ إلى يقينٍ هادئ. إنَّه واقِعٌ يُمعِنُ في تغريبِ الإنسانِ عن جوهرِهِ، ويحيلُهُ إلى مُجرِّدِ “تَرسٍ” في آلةٍ ماديَّةٍ صَمَّاءَ. والتَّحدِّي القائمُ يكمنُ في ألَّا نَدَعَ “كلَّ ما لا يقتلُنا يجعلُنا أضعف” -خلافًا لمقولةِ نيتشه الشَّهيرةِ- عبرَ الاستسلامِ لتَغَوُّلِ الوسائلِ.
• الحُبُّ كفعلِ مقاومةٍ وصدقٍ
من هنا، تبرزُ ثقافةُ الحُبِّ والإنسانيَّةِ كاستحقاقٍ يُنتزَعُ انتزاعًا، لا كهِبةٍ تُمْنَحُ. فلا يمكنُ لهذه الثَّقافةِ أنْ تَنبُتَ إلا إذا جعلنا مِنَ القراءةِ فِعلًا تطهيريًّا، ومِنَ الكتابةِ صرخةَ احتجاجٍ ضدَّ “التَّشَيُّؤ”. الحُبُّ في هذا الزَّمانِ فِعلٌ بُطولِيٌّ؛ لأنَّه يتطلَّبُ شجاعةً للوقوفِ ضدَّ تيارِ الكراهيةِ والابتذالِ، ومقاومةً للتَّغريبِ الرُّوحِيِّ الذي يسعى لاختزالِ الكائنِ البشريِّ في نمطٍ ميكانيكيٍّ باهتٍ. وكما يُشيرُ “بول ريكور” فإن الثَّقافةَ الإنسانيَّةَ هي تفسيرٌ مُستمِرٌّ للذَّاتِ هذا مواجهةِ الآخَرِ.
• استعادةُ المملكةِ المُستلَبَةِ
إن الغايةَ القُصوى من هذا المخاضِ المعرفيِّ هي استعادةُ “مملكةِ الإنسانِ المُستلَبَةِ” في عالمٍ ممسوخٍ. نحن نقرأُ لنفهمَ، ونكتبُ لنُقاومَ ونبقى، ونتحكُّمُ في أدواتِنا لنحيا؛ فالمآلُ الذي نَنشدُهُ ليس مُجرَّدَ تفسيرٍ نظريٍّ للكَونِ، بل هو ترميمٌ حقيقيٌّ لخرابِ الإنسانِ مِنَ الدَّاخلِ. إنَّ طريقَ الحِكمةِ وَعِرٌ، ومسالكُ الحُبِّ شاقَّةٌ، لكنَّها المسالكُ الوحيدةُ التي تضمنُ ألَّا نذوبَ في العَدَمِ، وأنْ نتركَ أثرًا يدُلُّ على أنَّ إنسانًا مرَّ من هنا، وكان يحملُ في قلبهِ شُعلةً لا تُطفئها رياحُ التَّوحُّشِ.
__
(*) د. عبدالله عياصرة
باحثٌ وأكاديميٌّ أردنيٌّ، متخصِّصٌ في لسانيَّاتِ المُصطلحِ وفقه اللُّغةِ العربيَّةِ. يَشتغلُ على مشروعِه الحضاريِّ الفلسفيِّ، والنَّقديِّ الثَّقافِيِّ “مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ”؛ إذْ يندرجُ “تواشُجُ المعنى” في سياقٍ إبستمولوجيٍّ مُعاصرٍ بوصفه مقاربةً أنطولوجيةً تكامليَّةً تسعى إلى إعادةِ وَصلِ العلاقةِ بين الفكرِ الفلسفيِّ والشُّهودِ العِرفانيِّ.
عضو اتحاد الكتاب الأردنيين
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





