لم يكن سقوط النظام الملكي العراقي
في فجر الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 وليد ساعته، أو مجرد تحرك عسكري مباغت أطاح بالسلطة في بغداد، بل كان الخاتمة الحتمية لأزمات سياسية واجتماعية متراكمة تشكلت على مدى نحو أربعة عقود منذ تأسيس الدولة عام 1921. لذلك، فإن الفهم الحقيقي للثورة لا يبدأ من بيانها الأول، بل من السؤال الجوهري:
لماذا أصبح النظام الملكي عاجزاً عن البقاء وإصلاح نفسه؟
فمنذ تأسيس الدولة عقب انهيار الدولة العثمانية، واجهت بريطانيا تحدي صياغة كيان سياسي جديد في بلاد الرافدين، فجاء تتويج الملك فيصل الأول عام 1921 كخطوة محورية لبناء الدولة الحديثة، لكنه تم تحت مظلة الانتداب البريطاني. هذا التداخل ولّد إشكالية بنيوية في شرعية النظام ، فبينما رأت فيه نخبته مشروعاً وطعناً لتوحيد البلاد، نظر إليه خصومه كامتداد للنفوذ الأجنبي، وهي التهمة التي ظلت تلاحق العهد الملكي حتى ظهيرته الأخيرة.
ورغم هذه التبعية، لم يكن النظام مجرد أداة بيد لندن ، فقد شهد العراق في هذه المرحلة ولادة مؤسسات الإدارة المدنية، والعسكرية ، وتبلورت نخب سياسية صاغت الحياة العامة وأوجدت هامشاً من التعددية الحزبية، والصحافة، والحراك النيابي، وإن ظل هذا الهامش محكوماً بتدخلات البلاط، وتأثير كبار ملاك الأراضي، والخطوط الحمراء للسياسة البريطانية.
وتكمن المفارقة الكبرى في أن الدولة التي نجحت في بناء مؤسساتها، أخفقت في صياغة عقد اجتماعي يربطها بشعبها ، فقد عانى الريف العراقي من ثالوث الفقر والجهل والمرض، وتجاوزت نسبة الأمية 75%، في وقت كُرّست فيه الملكيات الزراعية الكبرى لسيِّطرة الإقطاع على المساحات الشاسعة.
هذا التفاوت عمّق الهوة بين العاصمة والأطراف، وبين النخبة الحاكمة والطبقات الشعبية، مما أضعف الإيمان بجدوى الإصلاح من داخل القنوات الرسمية. ثم جاءت حرب فلسطين عام 1948 لتشكل هزة عنيفة زعزعت ثقة الرأي العام بالنخب الحاكمة، وتزامنت مع تحولات داخلية عاصفة؛ فمن “وثبة كانون” 1948 التي أسقطت معاهدة بورتسموث، إلى انتفاضة 1952، وصولاً إلى الغضب الشعبي العارم ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، كان الشارع العراقي يعلن بوضوح أن أدوات الاحتواء التقليدية للسلطة لم تعد مجدية.
وفي هذه الأثناء، كان المشهد الإقليمي يعاد تشكيله بالكامل ، إذ أطاح تنظيم الضباط الأحرار في مصر بالنظام الملكي عام 1952، وتحول جمال عبد الناصر إلى رمز ألهم جيل الشباب والضباط العرب بأفكار الجمهورية، والوحدة، والتحرر، في وقت بدت فيه الأنظمة الملكية التقليدية كبقايا مرحلة آخذة في الأفول.
وزاد انضمام العراق إلى “حلف بغداد” عام 1955 من حدة الانقسام الداخلي، وبينما رأت فيه الحكومة ضرورة جيوسياسية لحماية أمنها في ظل الحرب الباردة، اعتبره الشارع ارتهاناً كاملاً للسياسات الغربية، ومع اندلاع أزمة السويس عام 1956، وجد النظام الملكي نفسه في عزلة سياسية خانقة أمام رأي عام محلي وعربي غاضب.
إن اختزال سقوط الملكية في عامل النفوذ الأجنبي وحده لا يستقيم تاريخياً، فالعلة الأعمق كانت تكمن في جمود النظام وعجزه عن تجديد بنيته ، حيث احتكرت القرار السياسي حلقة ضيقة من السياسيين المحافظين، وتباطأت الإصلاحات الهيكلية، وفشلت السلطة في استيعاب القوى الاجتماعية الجديدة التي بدأت تنمو وتتسع في المدن، والجامعات، وثكنات الجيش. وفي غمرة هذا الجمود، كان الجيش العراقي يشهد تحولاً صامتاً، إذ تأثر جيل جديد من الضباط الشباب بالمد القومي والتحول المصري، وبدأوا ينظرون إلى المؤسسة العسكرية كأداة قادرة على الحسم وتصحيح المسار السياسي، تماشياً مع ظاهرة إقليمية صعدت بالجيوش إلى واجهة الحكم في المنطقة.
وهكذا، عندما تحرك تنظيم الضباط الأحرار في فجر 14 تموز، لم يكن بصدد مواجهة دولة متماسكة ذات قاعدة شعبية صلبة، بل نظاماً هشاً استنزف رصيده السياسي والاجتماعي .
واليوم، بعد ثمانية وستين عاماً، يبقى السؤال مفتوحاً:
هل كان سقوط الملكية نهاية أزمة، أم بداية أزماتٍ لم تنتهِ بعد؟
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





