• المدارات السِّتَّةُ للوعي الكونيِّ:
ـــ المدار الأوَّلُ: في سؤال الوجود بين المعقول والمشهود:
الفيلسوف يسأل: “ما الوُجودُ؟” بوصفه موضوعًا للفَهمِ، بينما العارفُ يتساءل: “كيف يَتجلَّى الوُجودُ؟” بوصفه أفُقًا للحضور.
وهنا يَخرجُ علينا ابن عربي؛ إذ يقول: “الوجودُ بحرٌ لا ساحلَ له”، فالعقل يضبط والكشف يوسِّعُ. أمَّا “ديكارت” فأوقَعَ الوُجودَ في تبعيَّةِ الفكر، و”سبينوزا” حاول استعادة الوَحدةِ عقلانيًّا، بينما نَقلَ ابن عربي الإشكال إلى مستوى التجلِّي؛ فالإنسان ـــ في منظورِهِ ـــ مرآةٌ تعكسُ الكَون.
ـــ المدار الثَّاني: في جَدِلِ الحضور والغياب:
الحقيقة لا تُمتلَك ولا تُحتكَر، فالفلسفة تراهن على دقَّةِ العبارة، والتَّصوُّف على كثافة الإشارة. وبين العبارةِ التي تُحكِمُ القول، والإشارة التي تُكثِّف المعنى، تظلُّ اللُّغةُ نفسُها موضعَ سؤال: أهي وعاءُ الحقيقةِ أم حدُّها؟
وهنا يرى مارتن هايدغر أنَّ “اللُّغةَ بيت الوجود”؛ غير أنَّ هذا البيتَ لا يَكتمِلُ، فاللُّغة لا تَقصُرُ حين تَعجز، ولكنَّها تُوهِمنا أنّها اكتفت.
ـــ المدار الثَّالث: في إعادة تعريف العقل:
العقلُ ليس جوهرًا ثابتًا، إنَّه بنية تتَّسعُ أو تضيق. إذا حُصِرَ في القياس ضاق، وإذا انفتح على المعنى اتَّسَعَ.
أمَّا التَّصوُّفُ، فيُعيدُ فتح الوجود بوصفه مجالًا للتَّجلِّي، ناقدًا للاختزال الماديِّ الذي يُحوِّلُ الوجود لموضوع استهلاك.
ـــ المدار الرَّابع: في أخلاقيَّاتِ المعرفةِ:
المعرفةُ مسؤوليَّةٌ وجوديَّةٌ. ففي الحديث النَّبويِّ: “أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ..” يَتجلَّى “مقامُ الإحسانِ” كنقطة التقاء؛ إذ يتكامل العقلُ والذَّوقُ في أفُقٍ واحدٍ.
ـــ المدار الخامس: في الإنسان بوصفه بَرزخًا:
الإنسان؛ تواشُجٌ بين المحدود واللامحدود، بين التُّرابِ والنَّفخة. هو النُّقطةُ التي يلتقي فيها مِعراجُ الرُّوحِ بصرامة الفكر.
ـــ المدار السَّادسُ: في أفُقِ الحضارة ومعنى التَّحرير:
الحضارة القائمة على العقل وحدَه تفقد معناها، والتي تقوم على الوجدان وحدَه تفقد نظامها. ولا سبيل للتَّوازنِ إلا بإعادة وَصل ما انقطع.
• الخاتمة: في اتَّساعِ المعنى، واستئناف الرِّحلة:
ليست الحقيقة مُجرَّدَ نقطةِ وُصولٍ حَسبُ، إنَّها أفُقٌ لا ينتهي انكشافُهُ.
الفلسفة تمنحُنا أدوات السُّؤال، والتَّصوُّف يمنحنا شجاعة العيش داخلَه. وتواشُجُ المعنى أفُقٌ جامعٌ؛ إذ يلتقي العقل والرُّوح في رحلة لا تنتهي.
_________________
• الهوامش والمراجع:
1. الغزالي، أبي حامد. المُنقِذ من الضَّلال. دار الفكر العربي، بيروت، ط1، 1998.
(تقديمٌ لمراحل إعادة التَّفكير في الفلسفة الإسلاميَّةِ وشرحها، دراسة كلاسيكيَّة لردِّ الغزالي على العقلانيَّة).
2. ابن رُشد، أبو الوليد. فصل المقال وموصل الحكماء. تحقيق: محمد أبو زهرة، دار المعرفة، القاهرة، 1975.
(عَرضٌ منهجيٌّ للفلسفة والأدلَّةِ العقليَّةِ في إطار التَّوافُق بين العقلِ والنَّقلِ).
3. ابن عربي، محي الدِّين. الفتوحات المكيَّةُ. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتب العلميَّة، بيروت، 1990.
(مصدرٌ رئيسٌ لمفاهيم التَّصوُّفِ المعرفيِّ والتَّجليَّات الوجدانيَّةِ).
4. ديكارت، رينيه. تأمُّلاتٌ ميتافيزيقيَّةٌ. ترجمة: عبد الله أحمد، دار الفكر، دمشق، 2005.
(عَرضٌ فلسفيٌّ للعقل والمنهج والوجود، تأسيسٌ للوعي النقديِّ).
5. سبينوزا، باروخ. الأخلاق. ترجمة: عادل صالح، دار المعرفة، القاهرة، 2000.
(نظرةٌ عقلانيَّةٌ للوَحدةِ الكونيَّةِ، وتحليلُ وُجودِ الإنسان عبرَ العقل)
6. هايدغر، مارتن. الكينونة والزَّمن. ترجمة: محمَّد عمران، دار الفارابي، بيروت، 1992.
__
الدكتور عبدالله عياصرة
اتحاد الكتاب الأردنيين
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





