أنا من بلادٍ
كانت الأشجارُ فيها
تُورِّثُ الظلَّ
لمن يأتي بعدها
وكانتِ الجبالُ
تخبِّئُ في جيوبِها
ماءَ الشتاءِ
كي لا يموتَ العطشُ
في آخرِ الصيف.
لم نكن نعرفُ النارَ
إلّا خبزًا
يخرجُ من التنور
أو دفئًا
تضعهُ الأمهاتُ
في مواقدِ الليل.
حتى جاءتِ النارُ
ذاتَ يومٍ
لا لتطبخَ لنا الحكاية
بل لتأكلَها.
اشتعلتِ الغابةُ
من طرفِها
ثم أخذتِ الريحُ
بيدِ اللهب
وطافتْ بهِ
من شجرةٍ إلى شجرة.
كأنَّ البلادَ
كتابٌ مفتوحٌ
وجدَ الحريقُ
صفحاتِه البيضاء.
رأينا الدخانَ
يصعدُ فوقَ القرى
ولا يعرفُ
إلى أيِّ سماءٍ ينتمي.
وكانتِ الأمهاتُ
تضمُّ أبناءَها
كما لو أنَّ الأذرعَ
يمكن أن تكونَ
جدارًا ضدَّ النار.
وكان الرجالُ
يصعدونَ نحوَ الجبلِ
بالماءِ القليل
والقلوبِ الكثيرة.
يحملونَ ما استطاعوا
من أشجارِهم
ومن مواشيهم
ومن أعمارٍ
لم تُكملْ بعدُ
فصلَها الأخير.
لم تكن النارُ
تحرقُ خشبًا فقط
كانت تأكلُ
أعشاشَ الطيور
وممراتِ النمل
وأسماءَ الأشجار
التي تعلّمناها
من آبائنا
كانت تأكلُ
ذاكرةَ المكان.
وفي الصباح…
لم تكن الشمسُ
تشرقُ تمامًا
كان الرمادُ
يسبقُها إلى البيوت
ويجلسُ على النوافذ
كضيفٍ ثقيل
لا يعرفُ كيف يعتذر.
مددنا أيدينا
إلى ما تبقّى من الغابة
فوجدنا الأغصانَ
باردةً
كأنها جثثُ طيور.
يا بلادَنا…
كم يلزمُ من المطر
كي يغسلَ عن الأشجار
هذا السواد؟
وكم يلزمُ من الربيع
كي تقفَ شجرةٌ
مكانَ شجرةٍ
لم تستطعِ النارُ
أن تقتلَها وحدَها؟
أنا من بلادٍ
تعرفُ كيف تنجو
لكنها كلما نجتْ
فقدتْ شيئًا
من قلبِها.
من بلادٍ
إذا احترقتْ غابةٌ
لم يقلْ أهلُها:
احترقتْ أشجارٌ
بل قالوا:
احترقَ جزءٌ منّا.
فيا من تحملونَ الماءَ
إلى الجبل
لا تطفئوا النارَ فقط
أنقذوا الظلَّ
الذي سيحتاجُهُ
أطفالُنا غدًا.
ويا من بقيتْ في أيديكم
بذرةٌ واحدة
ازرعوها…
فربما لا تستطيعُ الشجرةُ
أن تمنعَ الحريقَ القادم
لكنها تستطيعُ
أن تقولَ للأرض:
لسنا رمادًا بعد.
وليد مهدي
شاعر جزائري
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





