في كل مرة نبحث فيها عن أسباب تراجع بعض القيم في المجتمع، أو نتساءل عن سر ضعف الشعور بالمسؤولية لدى البعض، نجد أن الإجابة كثيرًا ما تبدأ من مكان واحد: الأسرة. فهي ليست مجرد إطار يجمع أفرادًا تحت سقف واحد، بل المدرسة الأولى التي يتشكل فيها الوعي، وتُغرس فيها القيم، ويولد منها الشعور بالانتماء.
الانتماء لا يُلقَّن في درس، ولا يُفرض بقانون، بل ينمو تدريجيًا داخل البيت. يبدأ عندما يشعر الطفل أنه محبوب، وأن رأيه مسموع، وأن له مكانة داخل أسرته. فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الاحترام والحوار، يكبر وهو أكثر ارتباطًا بأسرته، وأكثر قدرة على الارتباط بمجتمعه ووطنه.
ولا يقتصر الانتماء على حب الوطن في المناسبات أو ترديد الشعارات، بل يظهر في السلوك اليومي؛ في احترام النظام، والحفاظ على الممتلكات العامة، والالتزام بالواجبات قبل المطالبة بالحقوق، والإحساس بأن نجاح المجتمع مسؤولية مشتركة. وهذه السلوكيات لا تتكون فجأة عند مرحلة الشباب، وإنما تُبنى منذ سنوات الطفولة الأولى.
ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الآباء الاعتقاد بأن توفير الاحتياجات المادية يكفي لبناء شخصية الأبناء. فالأطفال لا يحتاجون فقط إلى الطعام والتعليم والملبس، بل يحتاجون أيضًا إلى وقت، وحوار، واحتواء، وقدوة يقتدون بها. فالأسرة التي تجلس مع أبنائها، وتناقشهم، وتشاركهم اهتماماتهم، تزرع فيهم الثقة والانتماء بصورة تلقائية.
كما أن القدوة تبقى الوسيلة الأقوى في التربية. فمن الصعب أن نطلب من الطفل احترام القانون إذا كان يرى من حوله يستهينون به، أو أن نحثه على حب الوطن بينما يسمع عبارات السخرية واليأس بصورة مستمرة. فالأبناء يلتقطون السلوك قبل الكلمات، ويقلدون الأفعال أكثر مما يستجيبون للنصائح.
وفي ظل الانفتاح الرقمي الذي نعيشه اليوم، أصبحت الأسرة تواجه تحديًا جديدًا. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت شريكًا مؤثرًا في تشكيل أفكار الأبناء وقيمهم. وإذا غاب دور الأسرة في الحوار والتوجيه، فقد يبحث الأبناء عن الانتماء في دوائر أخرى قد لا تمنحهم القيم التي يحتاجون إليها، وقد تدفع بعضهم إلى تبني أفكار متطرفة أو سلوكيات بعيدة عن هوية مجتمعهم.
لذلك، فإن بناء الانتماء يتطلب حضورًا حقيقيًا من الوالدين، لا حضورًا شكليًا. يحتاج إلى الاستماع أكثر من إصدار الأوامر، وإلى الحوار أكثر من التوبيخ، وإلى مشاركة الأبناء اهتماماتهم بدلًا من الاكتفاء بمراقبتهم. فالأسرة التي تمنح أبناءها الشعور بالأمان والاحترام، تزرع فيهم تلقائيًا الإحساس بالمسؤولية تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين.
إن المجتمعات القوية لا تُبنى بالمشروعات والإنجازات المادية وحدها، وإنما تُبنى قبل ذلك بالإنسان الذي يشعر أنه جزء من هذا الوطن، وأن له دورًا في تقدمه واستقراره. وهذا الشعور لا يبدأ في الجامعة أو في سوق العمل، بل يتشكل منذ اللحظات الأولى داخل الأسرة.
وفي النهاية، إذا أردنا أن نغرس في أبنائنا حب الوطن، واحترام المجتمع، والإيمان بقيمة العمل والعطاء، فعلينا أولًا أن نغرس فيهم حب الأسرة، وأن نمنحهم الشعور بالأمان والانتماء داخل منازلهم. فالوطن بالنسبة للطفل يبدأ من بيته، وإذا كان البيت هو المدرسة الأولى، فإن الانتماء هو أول درس ينبغي أن يتعلمه.
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.



