أحيانًا لا نحتاج إلى إحصائية حتى ندرك أن شيئًا ما تغير في طريقة تعاملنا مع بعضنا البعض. يكفي أن نراقب مشهدًا عابرًا في الشارع، أو خلافًا بسيطًا يتحول إلى مشاجرة، أو تعليقًا على مواقع التواصل الاجتماعي يتحول خلال دقائق إلى سيل من الإهانات والتنمر.
السؤال هنا ليس فقط: لماذا أصبح بعض الناس أكثر عنفًا؟
السؤال الأصعب: ماذا حدث لنا حتى أصبح العنف أحيانًا رد فعل مقبولًا أو مألوفًا؟
العنف ليس وليد لحظة واحدة، ولا يمكن اختزاله في شخص عصبي أو أسرة لم تحسن التربية. هناك ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية، وهناك إحباطات متراكمة، وهناك شعور لدى البعض بأن الصراخ هو الطريق الأسرع للحصول على الحق، وأن فرض الرأي بالقوة أكثر فاعلية من الحوار.
لكن كل ذلك يفسر الظاهرة ولا يمنحها مبررًا.
فالإنسان قد يكون غاضبًا دون أن يؤذي، وقد يكون مختلفًا دون أن يهين، وقد يشعر بالظلم دون أن يتحول إلى ظالم. الفارق هنا تصنعه التربية والوعي والقيم، إلى جانب قدرة الإنسان على إدارة مشاعره والتعامل مع خلافاته بطريقة أكثر نضجًا.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما نفقد حساسيتنا تجاه العنف.
عندما نرى شخصًا يُهان فنعتبر الأمر «هزارًا»، أو نشاهد طفلًا يتعرض للتنمر ونقول له «كبر دماغك»، أو نبرر القسوة باعتبارها طريقة للتربية، فنحن لا نمرر موقفًا عابرًا فقط، وإنما نساهم من حيث لا ندري في جعل العنف جزءًا من الحياة اليومية.
والأطفال تحديدًا يتعلمون مما يرونه أكثر مما يتعلمون مما نطلب منهم أن يفعلوه.
الطفل الذي يرى الخلاف داخل أسرته ينتهي بالصوت المرتفع والتهديد والإهانة، قد يتعلم أن القوة هي أن تكون صاحب الكلمة الأخيرة. والطفل الذي يتعرض للسخرية باستمرار قد يكتشف لاحقًا أن أفضل وسيلة لحماية نفسه هي أن يصبح هو الآخر ساخرًا ومؤذيًا.
وهكذا تنتقل بعض أشكال العنف من جيل إلى آخر، ليس لأنها قدر محتوم، ولكن لأنها سلوك لم يتوقف أحد ليقول لصاحبه: هناك طريقة أخرى.
نحن في حاجة فعلًا إلى إعادة النظر في مفهوم القوة الذي نقدمه لأبنائنا.
القوة ليست في أن يخاف منك الآخرون. ليست في قدرتك على إسكات من أمامك، ولا في أن تنتصر في كل مشاجرة أو أن تخرج من كل خلاف وأنت صاحب الصوت الأعلى.
القوة الحقيقية أن تستطيع السيطرة على نفسك عندما تكون غاضبًا، وأن تقول «لا» دون إهانة، وأن تدافع عن حقك دون الاعتداء على حق غيرك، وأن تعترف بخطئك دون أن تعتبر الاعتذار ضعفًا.
وهنا يأتي دور الأسرة، لكن الأسرة ليست وحدها.
المدرسة لها دور كبير في تعليم الأطفال كيف يختلفون، وكيف يحلون النزاعات، وكيف يتعاملون مع التنمر والإقصاء. والإعلام له مسؤولية في الطريقة التي يقدم بها العنف، فلا يتحول إلى مادة للفرجة أو وسيلة للإثارة فقط. ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا أساسيًا من هذه المعادلة؛ لأن الكلمة التي كانت تنتهي بمجرد خروجها من فم صاحبها أصبحت اليوم قادرة على الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال دقائق.
والأهم من ذلك كله أن نعيد الاعتبار لفكرة الاحترام.
ليس مطلوبًا أن نتفق مع بعضنا طوال الوقت. الاختلاف طبيعي، بل وصحي في أي مجتمع. لكن أن نختلف دون أن نجرح، وأن نرفض دون أن نهين، وأن ننتقد دون أن نحطم الآخر، هذه هي المهارة التي نحتاج إلى أن نعلمها ونمارسها.
لذلك لا أرى أن السؤال «هل العنف أزمة سلوك أم أزمة قيم؟» يحتاج إلى اختيار أحدهما.
هو في البداية سلوك، لكنه مع تكراره وتبريره وتطبيعه يتحول إلى مشكلة في الثقافة والقيم.
وإذا كنا جادين في مواجهة العنف المجتمعي، فلا يكفي أن نتدخل بعد وقوع المشكلة. نحتاج إلى الوقاية، وإلى تربية مختلفة، وإلى مساحات حقيقية للحوار، وإلى اهتمام أكبر بالصحة النفسية، وإلى تعليم أبنائنا منذ الصغر أن الغضب شعور طبيعي، لكن إيذاء الآخرين ليس الطريقة الطبيعية للتعبير عنه.
المجتمع لا يصبح أكثر أمانًا فقط عندما تقل المشاجرات في الشوارع، وإنما عندما يصبح احترام الإنسان قيمة لا نتخلى عنها حتى في أشد لحظات الخلاف.
فمواجهة العنف لا تبدأ من يدٍ تتوقف عن الاعتداء فقط، وإنما من عقل يتعلم أن الاختلاف ليس مبررًا للإيذاء، ومن بيت يعلّم أبناءه أن الاحترام ليس ضعفًا، وأن ضبط النفس ليس استسلامًا، وأن الإنسان لا يحتاج إلى إيذاء غيره حتى يثبت أنه قوي.
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.



