لمّا وُلدتُ في طرف الخارطة
حيثُ تبدأُ الأرضُ الطّلقاء
قبل أن تبدأَ المدن العسكرة
خمّنتُ أنَّ الحظَّ يكون أخطأ الطّريقَ إلى بيتنا الحجري..
كنتُ أنظرُ إلى الأضواءِ البعيدة
من مسافات النّظر..
وأحسبُ أنَّ الحياةَ تقيمُ هناك…
بين الإسفلت
والنّوافذِ اللامعة
والأيدي البضّة التي لا تعرفُ الهزال
ولونَ التّرب..
حيث أنا هنا..!
فنحن غيرهم
على صيّاحِ الدّيكة كنّا نستيقظ
ونفرِك وجوهَنا بندى الصّبح..
ثم نمضي لنكتبَ نهارَنا بعصاة
كظلّنا تلازمنا
وخُطىً حافيّة على البرّية التي نعرف..
والخلاء الذي كثيراً يعرفنا..!
كنَّا نلاحق نعجة شاردة
ونبحثُ عن عنزةٍ هملاء بين الآكام
اختارتْ حرّيتها..!
فنكتشفُ من غير أن ندري
أنَّ الوصولَ لا يُهدَى جزافا لأحد..!
كنَّا نمتطي دوابّنا على اختلاف
ونسلكُ طرقاً تحفظُها الحوافرُ أكثرَ ممّا تحفظُها الذّاكرة..
والشّمسُ على رؤوسِنا كانت تضع يدها
حتى صارَ الضّوءُ يسكنُ عظامَنا..
نسقي اللوزَ والزّيتون
والتّين والعنب والرّمان
ولا نعلمُ أنَّ الأشجارَ التي نسقي رواءَها
كانت تسقي بدورها أرواحَنا الرّواء..!
كبِرنا..
فاكتشفنا أنَّ الباديّةَ كانت لنا مدرسةً
فقط.. لا جدرانَ لها
وأنَّ الطبيعةَ أعظمُ معلّمٍ لا ينتظرُ
جزاء ولا شكورًا
أو أجراً من أحد..!
من خروف جامح تعلَّمنا أنَّ التّعبَ ليس نهايةَ الطّريق..
والكلب الذي كان ينتظرُنا مرحّبا كلَّ مساء
كتبَ في قلوبِنا أوّلَ درسٍ في الوفاء..!
والدّجاجةُ المارقة التي تُخفي بيضَها
علَّمتنا أنَّ الأشياءَ الثّمينة لا تكشفُ أماكنَها للعابرين..!
والجراءُ الصّغيرةُ التي تغيبُ
ثم آخرَ النّهار تعود..!
كانت تقولُ لنا:
إنَّ المحبّةَ وجهٌ آخر للخوف..
حتّى السّقوطُ عن ظهرِ دابّة
لم يكن سقوطاً عابرا
كان درساً في كيفَ تنهضُ في كلَّ وقوع
أكثرَ صلابةً من المرّةِ السّابقة..!
وكانت النّدوبُ أوسمةً لا جروحاً
تقرأُها الذّاكرةُ كلّما مرَّ العمر قدُمًا..
إسودَّت وجوهُنا بشمسِ الحقول..
لكنَّ ذلك السّوادَ كان وسامَ الأرض
وشهادةَ الذين عرفوا
كيف يولدُ الخبزُ قبل أن يصلَ إلى الموائد..!
علَّمنا الشّتاءُ أن نصبر..
وعلَّمنا الرّبيعُ أنَّ الغصنَ لا يموت..
وعلَّمنا الصّيفُ أنَّ الجَلَدَ عبادةُ العاملين..
وعلَّمنا الخريفُ أنَّ السّقوطَ ليس نهايةَ الشّجرة..!
وأنَّ الحياةَ تعرفُ دائماً طريقَ العودة..!
الماءُ كان أثمنَ من الذّهب
ورغيفُ الخبز المحمرّ كان يحملُ أصابعَ الفلاحين
وصبرَ المواسم
وحرارةَ تّنّور الأمّهات..!
لهذا لم نُهن لقمةً بطن
ولم نُهدرْ قطرة ماء..!
وفي الليل..
كانت النّجومُ تنزلُ أرضنا
حتى نظنَّها جيراناً لنا..!
وكان القمرُ يعرفُ أسماءَ البيوت
ويبتسمُ للبوّابات المتعبة..
والصّمت كان يعلّمُنا كيف نصغي إلى أصواتِ أرواحِنا..!
الجبلُ منحنا الصّلابة
والوادي علَّمنا التّواضع
إذ يجمعُ مياهَ الجميع ويمضي من غير كبريّاء..!
والشّجرةُ قالت لنا: اثبتوا..
والطّيرُ همس: لا حرّيةَ من دونِ جناحين تصنعهما الشّجاعة..
وكان الجارُ باباً آخر لبيتنا..
وكان الخبزُ يُقسَمُ قبل أن يُؤكل..
وكان التّعبُ يوزَّعُ كما تُوزَّعُ المحبة..!
واليوم..
كلّما ابتعدتُ عن تلك الأزقّةِ التّرابيّة اقتربتُ منها في داخلي..
أدركتُ أنَّ الباديّةَ لم تكن فقيرةً كما ظننتُ..
كانت غنيّةً بما لا يُشترى
أهدتني صبراً لا ينكسر..!
وقلباً يعرفُ قيمةَ الحياة
ورائحةَ القمح
وبركةَ الرّغيف..!
أهدتني وطناً كلّما تعبتُ عدتُ إليه..
لا على قدميَّ
بل على جناحيّ الذاكرة..!
مازيغ..
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




