قلبي موظّفٌ من الطّبقة الوسطى
يحذرُ من إنفاق غضبه دُفعةً واحدة.
يدّخرُ الشّتائم في حصّالةٍ محفوظةٍ في بيتنا،
يخافُ إن كسرها
أن تستيقظَ أمّي من تربيتها مذعورة.
قلبي عامل يوميّ بسيط
يتنقّل مشيًا على نبضاتهِ البطيئة.
لا يحبّ سيّارات المجاز السّريعة
التي تصدحُ بغناء المراهقين.
أحيانًا، يشتغل دهّانًا
يطلي الضّجيج بوَرْنيش حُروفهِ البرّاقة.
وأحيانًا أخرى، تستأجره قصيدةٌ مُسنّة
لسباكةِ أنابيب صرفها النحويّ.
كان أبي منظّف بلديّة.
بعد فراغه من العمل،
يضع مكنسة القشّ بين ٱسمه ولقبه
حتّى يَخْرُجَ أطفاله للعالم لامعين.
حتّى أمّي كانت تحفظ نَسَبنا في أكياس الكرتون
حتّى لا يعلوه الغبار
و ترشّ بخّاخ التّعقيم مرارًا وتكرارًا على
ا ـ ل ـ ر ـ ق ـ ي ـ ق.
قلبي أيضًا منظّفٌ بالحدائق الشّعريّة
يترك عند مطالع القصائد وردةً مُجتثّةً من عروقه
ويجفّف أطواق النّعناع تحت عناوينها الحارّة.
خُلق قلبي vegan و eco-friendly
تقول أمّي أنّهُ حين أجرى عليه الطّبيب فحصًا بالأشعّة،
ظهر لونهُ أخضرًا على الشّاشة.
“مرضٌ نادر ستعاني منه ٱبنتكِ طويلاً.”
و فعلًا، هذا ما حصل.
كلّ يوم، كانت تكبر في صدري بذرةٌ مثل دمّالة
وما ظنّهُ العالم قيحًا
لم يكن سوى رحيقًا لم تتفطّن له نحلاتُ الحُبّ.
تُهاتفني أمّي أحيانًا لتطمئنَّ على حالي:
“أفضل اليوم؟ هل نقص عنكِ الاخضرار؟”
حاولتُ يا أمّي أن أبرأ:
تناولتُ أقراص الكراهيّةِ الجاهزة،
دلكتُ مشاعري بمرهم أسود اللّون،
لكن لم يُجْدِ ذلك نفعًا:
لقد كان نقاءُ قلبي عُضالاً !
أبي أيضًا كانت له “يدٌ خضراء”،
يضعها على فم أمّي فيتفتّح وتزهر ضحكاته،
وحين يصيبني الجوع من قلّة الطّعام،
يُلقي بأصابعهِ في الهواء
مثل أكوازٍ مُحمّصةٍ من الذّرة
فأظلّ أنقرها إلى أن أمتلئ بالنُّضج.
حبلتْ بي أمّي في أوّل أيّام الصّيف
فسمّاني أبي “هاجر”
حتّى إذا ما تغيّرتْ أحوالُ الطّقس،
ارتديتُ ٱسمي فوق رأسي
قُبّعةً كبيرةً من السّعف
وشددتُ الرّحال نحو شمالِ الأخلاق والقيم.
هكذا عشتُ وهكذا سأعيش:
خضراء حتّى في غضبي،
كلُّ شتيمةٍ تذبل في فمي
لتورق في مكانها القصيدة
كما أورقتُ ذات يوم في بطن أمّي ولقب أبي.
ومع ذلك، يظلّ غريبًا أمرُ هذا القلب:
كيف تلاحقهُ إلى الآن الشُّرطة البيئيّة،
كيف تحاصرُ نبضاتهِ المشمسة بمظلاّتها البلاستيك،
وهو ٱبنُ البدو والرّيف التّونسيّ!
— هاجر الرّقيق
أديبة وشاعرة تونسية
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





