الكاتب الفلسطيني ناجي عبد الرحمن : «NAZA».. عندما يصبح قتل الإنسان قرارًا تصنعه الخوارزمية

في غزة، لا تصل القنبلة وحدها. يصل معها كل ما سبقها: بيانات جُمعت، هاتف جرى تتبعه، اسم أُدرج في قائمة، منزل جرى تحديده، وقرار مرّ عبر أكثر من شاشة قبل أن يتحول إلى نار فوق عائلة نائمة.

من هنا تبدو صدمة الفيلم الوثائقي البريطاني «NAZA» أكبر من مجرد كشف جديد عن الحرب. الفيلم، الذي عُرض في مهرجان فينيسيا في 10 سبتمبر/أيلول 2026، يضع المشاهد أمام شهادات 24 ضابطًا ومحللًا استخباراتيًا إسرائيليًا، ظهرت وجوههم مطموسة، ويتناول الطريقة التي جرى بها تحويل عمليات الاستهداف إلى منظومة عمل تجمع بين الاستخبارات والتكنولوجيا والقرار العسكري.

بالنسبة إلى الغزّي الذي عاش تحت القصف، هذه التفاصيل ليست مصطلحات تقنية. إنها تعني ببساطة أن البيت الذي كان يفترض أن يكون أكثر الأماكن أمانًا أصبح عنوانًا على شاشة، وأن العائلة التي اجتمعت حول مائدة أو أمام تلفاز قد تتحول خلال ثوانٍ إلى ضحايا لقرار اتخذ في مكان آخر، بعيدًا عن صوت الانفجار ورائحة الركام.

الفيلم يتحدث عن مفهوم يحمل اسم «NAZA»، ويقدمه بوصفه آلية لحساب عدد المدنيين المتوقع مقتلهم مقابل استهداف شخص محدد. ووفق المادة التي يعرضها الفيلم، وصلت إحدى الحالات إلى الموافقة على مقتل 500 مدني مقابل استهداف عنصر واحد من حركة حماس.

هنا يتغير معنى الحرب بالكامل.

فحين يصبح عدد المدنيين المحتمل قتلهم جزءًا من عملية حسابية، لا يعود السؤال فقط: من هو الهدف؟ بل يصبح السؤال الأكثر قسوة: كم إنسانًا يمكن أن يدفع حياته ثمنًا لهذا الهدف؟

ويكشف الفيلم كذلك عن نظام «Lavender»، الذي يعتمد، وفق الشهادات الواردة فيه، على تحليل كميات هائلة من البيانات لإنتاج قوائم بأشخاص يُصنّفون كأهداف محتملة. أما منظومة «Where’s Daddy?» فتُعرض باعتبارها أداة لمتابعة الشخص المستهدف حتى وصوله إلى منزله.

وهنا تصبح المأساة أكثر قسوة.

المنزل في غزة ليس مجرد نقطة على الخريطة. هو المكان الذي ينام فيه الأطفال، حيث تنتظر أم عودة ابنها، وحيث يجتمع أفراد الأسرة بعد يوم آخر من الخوف. لكن عندما تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لتحديد لحظة وجود المستهدف داخل البيت، فإن العائلة كلها تصبح معرضة لأن تدفع ثمن القرار.

ويروي أحد الشهادات التي يعرضها الفيلم واقعة تتحدث عن طفلتين كانتا تنتظران عودة والدهما، قبل أن تصيبهما الضربة داخل المنزل، فيما اتضح لاحقًا أن الأب نفسه لم يكن قد عاد.

هذه ليست مأساة رقمية. إنها مأساة بشرية كاملة.

الفيلم يتناول أيضًا ما يسميه «Annihilation Zone»، في إشارة إلى مناطق يجري التعامل معها باعتبارها قابلة للتدمير الواسع، كما يتطرق إلى ما يطلق عليه «قسم بيبي»، المرتبط، وفق المادة، بالجانب السياسي والإعلامي المحيط برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ومحاولات إدارة الرواية الإعلامية ومواجهة الانتقادات الحقوقية.

لكن أكثر ما يثير القلق في هذه الشهادات هو فكرة تقسيم المسؤولية.

شخص يجمع المعلومات، وآخر يحللها، وثالث يحدد الموقع، ورابع ينفذ الضربة. وفي النهاية يمكن لكل واحد أن يقول: أنا لم أقتل وحدي.

لكن القتيل لا يرى هذه التقسيمات.

الطفل الذي يُنتشل من تحت الركام لا يعرف اسم النظام الذي حدد منزله. والأم التي تبحث بين الأنقاض عن طفلها لا تعرف أي محلل ضغط الزر أو أي خوارزمية وضعت الاسم في القائمة.

في غزة، النتيجة واحدة: إنسان مات.

ولهذا فإن القضية التي يفتحها «NAZA» لا تتعلق بالذكاء الاصطناعي وحده، ولا بالتكنولوجيا بوصفها أدوات حديثة للحرب. القضية تتعلق بالحدود التي يمكن أن يصل إليها الإنسان عندما تمنحه الآلة قدرة أكبر على اتخاذ قرار لا يرى نتائجه مباشرة.

قد تستطيع الخوارزمية معالجة ملايين البيانات في وقت قصير، لكنها لا تستطيع أن تحمل جثمان طفل، ولا أن تسمع صرخة أم، ولا أن تفسر لطفل لماذا لم يعد والده إلى البيت.

وهنا يبقى السؤال الذي لا تستطيع أي شاشة إخفاءه:

عندما تتحول حياة الإنسان إلى رقم، والبيت إلى إحداثية، والطفل إلى «ضرر جانبي» في حساب عسكري، من يتحمل المسؤولية عن الدم الذي يبقى تحت الركام؟

في غزة، لا توجد خوارزمية تستطيع محو الإجابة.

هناك فقط أسماء، ووجوه، وبيوت كانت ذات يوم مليئة بالحياة.
#فلسطيننا_للاعلام_الرقمي

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى