ما هو السلام؟
تتعدد الطرق والعبارات التي يمكن أن نصف بها مفهوم السلام، ويختلف فهمه من إنسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، لكن المعنى الذي يجتمع عليه كثيرون هو أن السلام يعني فضّ النزاعات بعيدًا عن العنف، وترسيخ الشعور بالأمان، وحماية الإنسان من الخوف والتهديد، وضمان المساواة أمام القانون والعيش بكرامة في مجتمع تسوده العدالة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
أين هو السلام من كل هذه المفاهيم التي نتداولها ونرددها في الخطب والمواثيق والمؤتمرات؟
هل أصبح السلام حقيقة نعيشها، أم مجرد مصطلح جميل يُرفع عندما تتوافق المصالح، ويُسقط عندما تتعارض؟
السلام في ميزان المصالح
في عالمنا اليوم، يبدو أحيانًا أن السلام أصبح في قبضة الدول الأقوى؛ دولٌ أنشأت المجالس والمنظمات، ووضعت القوانين والمواثيق، لكنها في كثير من الأحيان تتعامل معها وفق ميزان المصالح.
فحين تتقدم المصلحة، يتراجع القانون، وحين تتعارض المبادئ مع النفوذ، تصبح المبادئ قابلة للتأويل.
وفي منطق القوة، لا توجد دائمًا قوانين قادرة على كبح الأطماع، خصوصًا عندما تمتلك بعض الدول أدوات سياسية واقتصادية وعسكرية تجعل من الصعب على الآخرين مواجهتها.
وهنا يتحول السلام من حقٍّ إنساني إلى امتيازٍ مشروط.
ادفع الثمن، واقبل الشروط، وتنازل عن بعض ما تملك من كبرياء وقرار، وسيُقال لك: أنت في أمان.
أما إذا رفضت، فقد تُصنع الأسباب، وتُفتح الملفات، وتُفرض الضغوط، حتى يصبح الحفاظ على كرامتك واستقلال قرارك وكأنهما تهمة تحتاج إلى تبرير.
هل يكفي أن تغيب الحرب لنقول إننا نعيش في سلام؟
ربما لا.
فالسلام ليس فقط ألا تسمع صوت الرصاص.
السلام أوسع من ذلك بكثير.
إذا كنت فقيرًا لا تجد ما يسد حاجتك، فأنت لا تعيش السلام كاملًا.
إذا كنت عاجزًا عن شراء الدواء، فأين السلام؟
إذا كنت لا تستطيع أن ترى أهلك أو تقترب ممن تحب، فأين السلام؟
إذا مُنعت من دخول وطنك، أو أصبحت الغربة قدرًا لا خيارًا، فأين السلام؟
إذا كان الإنسان يستيقظ كل صباح وهو يحمل الخوف على مستقبله، وعلى أسرته، وعلى لقمة عيشه، فهل يكفي أن نقول له: أنت تعيش في بلد لم تندلع فيه الحرب؟
السلام الحقيقي ليس مجرد غياب المعركة، بل حضور العدالة والكرامة والأمان والحق في الحياة.
حين تصبح المعركة داخل الإنسان
نحن نعيش في خضم صراعات متشابكة، لم تعد تقف عند حدود السياسة والجغرافيا، بل وصلت إلى أبسط تفاصيل الحياة؛ إلى لقمة العيش، وإلى قدرة الإنسان على الاستمرار.
وفي الوقت الذي تدور فيه صراعات كبرى خارجنا، يخوض كثير منا معركة أخرى في الداخل.
نقاوم الانهيار.
نحاول أن نبدو بخير، بينما في داخلنا عواصف لا يراها أحد.
نبتسم، ونتحدث، ونمارس حياتنا، ثم نعود في نهاية اليوم إلى أنفسنا، فنكتشف أننا كنا نخوض معركة كاملة دون أن يسمع أحد صوتها.
لهذا نحن لا نحتاج فقط إلى سلامٍ في العالم من حولنا، بل نحتاج أيضًا إلى سلامٍ داخلنا.
نحتاج إلى شيء يحمينا من أن تتحول العواصف الخارجية إلى خراب داخلي.
نحتاج إلى طمأنينة لا تمنحها الاتفاقيات وحدها، ولا تحميها الحدود وحدها، بل يصنعها الإيمان والوعي والعدل والرحمة.
السلام يحتاج إلى قوة تحميه
ومن هنا تأتي الحقيقة التي ربما لا يحب البعض سماعها:
لا يكفي أن نبحث عن السلام، بل يجب أن نمتلك القدرة على حمايته.
والقوة ليست فقط قوة السلاح.
القوة علم، واقتصاد، ووعي، وعدالة، ووحدة، وأخلاق، ومؤسسات، وإرادة، وقدرة على اتخاذ القرار.
فالدولة الضعيفة قد تتحدث طويلًا عن السلام، لكنها قد تجد نفسها مضطرة لقبول شروط الآخرين.
أما السلام الذي لا تحميه قوة عادلة وواعية، فقد يتحول بسهولة إلى هدنة مؤقتة، أو إلى استسلامٍ يرتدي ثوب السلام.
القدس… والسؤال الذي لا يموت
وإذا أردت أن تختبر معنى العهود والمواثيق الدولية، فانظر إلى ما يجري في القدس والأراضي الفلسطينية، وتأمل مشاهد البيوت المهدمة، والأسر التي فقدت أحباءها، والأطفال الذين يدفعون ثمن صراعات أكبر منهم.
هناك، يصبح السؤال أكثر قسوة:
أين هي المواثيق عندما يُقتل الأبرياء؟
وأين هو القانون عندما تصبح حياة الإنسان أقل قيمة من الحسابات السياسية؟
وأين هو السلام عندما يتحول الوطن إلى خوف، والبيت إلى ركام، والطفولة إلى ذاكرة موجعة؟
هذه ليست أسئلة تبحث عن خصومة، بقدر ما تبحث عن إجابة صادقة.
فالسلام الذي لا يحمي الإنسان، ولا يصون كرامته، ولا يوقف الظلم، يحتاج إلى مراجعة حقيقية لمعناه.
نحن نبحث عن السلام… ولكن أي سلام؟
نحن لا نريد سلامًا يُبنى على الخوف.
ولا سلامًا يقوم على إذلال الضعيف.
ولا سلامًا يُمنح مقابل التخلي عن الكرامة.
نريد سلامًا تُصان فيه حياة الإنسان، ويُحترم فيه الوطن، وتُحفظ فيه الحقوق، ويكون القانون فوق الجميع، لا أداة في يد الأقوى.
وفي عالمٍ يموج بالصراعات، نحن في أمسّ الحاجة إلى إعادة بناء الإنسان قبل بناء الاتفاقيات.
نحتاج إلى تعليم القيم والأخلاق، وإلى ترسيخ ثقافة الرحمة والعدل، وإلى وحدة حقيقية تجمع ولا تفرق، وإلى وعي يجعل الاختلاف وسيلة للتعارف لا ذريعة للصراع.
والإسلام، في جوهر رسالته، يدعو إلى السلام والعدل والرحمة وحفظ كرامة الإنسان، وليس إلى الظلم أو العدوان.
وفي هندسة المشاعر…
تعلمنا الحياة أن السلام الخارجي يبدأ غالبًا من إنسانٍ يعرف قيمة السلام في داخله.
فلا يمكن أن نبني عالمًا هادئًا بقلوبٍ ممتلئة بالكراهية، ولا مجتمعًا عادلًا بأخلاقٍ تبرر الظلم، ولا وطنًا قويًا بأفرادٍ فقدوا الإحساس بالمسؤولية.
السلام ليس كلمة نكتبها على الورق، ولا اتفاقية تُوقَّع أمام الكاميرات.
السلام الحقيقي هو أن يأمن الإنسان على حياته، وكرامته، وبيته، ووطنه، ومستقبله.
هو أن يستطيع أن يختلف دون أن يُقتل، وأن يحتج دون أن يُسحق، وأن يعيش دون أن يُذل، وأن يحلم دون أن يخاف.
وفي النهاية…
ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: أين هو السلام؟
بل: من الذي يملك حق تعريف السلام، ومن الذي يملك القوة لفرضه، ومن الذي يدفع ثمن غيابه؟
فما أحوج عالمنا اليوم إلى سلامٍ لا يكون مجرد غيابٍ للحرب، بل حضورًا للعدل والكرامة والرحمة.
وفي هندسةِ المشاعر…
لا نكتب الكلمات لنملأ السطور، بل لنُرمِّم ما كسّرته الحياة في القلوب.
شريف توفيق
كاتب مصري
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





