عبد الله عبد العزيز يكتب : أحلامنا المؤجلة .. كيف تبتلعنا متطلبات الحياة؟

يولد الإنسان في هذه الدنيا وتحت جناحيه حلم طائر، يتطلع إلى الأفق، ويغزل من شغفه بساطا يتمنى أن يجوب به الكون. ولكن، ما إن تطأ أقدامنا معترك الحياة اليومية، حتى نجد أنفسنا مدفوعين في ساقية لا تتوقف؛ نركض خلف لقمة العيش، ونسابق الزمن لتأمين المسكن والملبس، ونغرق في تفاصيل “المادة المطلقة” التي تحاصرنا من كل اتجاه.

وفي خضم هذا اللهاث المستمر، يبدأ الحلم الحقيقي بالانحسار، وينطفئ الشغف الإنساني رويدا رويدا ليحل محله روتين جاف يحول الإنسان من كائن ذي روح ورسالة إلى مجرد ترس في آلة الإنتاج والاستهلاك الكبرى. إن أزمة الإنسان المعاصر تكمن في “تسويف الأحلام” وتأجيلها المستمر تحت وطأة ضغوط الظروف اليومية وقسوتها. فنحن لا نتخلى عن أحلامنا طواعية، بل نرجئها؛ ولكن هذا “الغد” يظل سرابا يبتعد كلما اقتربنا منه.

وهنا تبرز الخديعة الكبرى لعالم المادة، حيث يستبدل الإنسان أحلامه الروحية والمعرفية الكبرى، بطموحات مادية صغيرة مشروطة بالوقت والجهد، فيتحول الأمان المالي من وسيلة للعيش إلى غاية للوجود.

هذا الانغماس الكامل في الماديات وإهمال الجوهر الإنساني والحلم الحقيقي، حذر منه القرآن الكريم في مواضع شتى، واصفا إياه بـ “التكاثر” الذي يلهي القلوب حتى يدركها الموت؛ حيث يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: “ألهاكم التكاثر ، حتىٰ زرتم المقابر”.

إنه توصيف دقيق لحالة اللهاث التي تبتلع العمر دون وعي، وتجعل الإنسان يستيقظ على حقيقة رحيله دون أن يتذوق طعم “الحياة الحقيقية”.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الطبيعة البشرية النهمة للمادة إذا لم يضبطها إيمان وهدف أسمى، فقال في الحديث الشريف: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب».

فالجري وراء المتطلبات المادية غاية لا تدرك، وهي دوامة تنتهي بانتهاء الأجل ما لم يضع الإنسان حدا لها ليتلفت إلى روحه وحلمه الحقيقي. وهنا تحديدا يبرز دور الإيمان كملاذ آمن وقوة دافعة لترميم هذه النفس اللاهثة المتعبة.

فالإيمان ليس مجرد طقوس تؤدى، بل هو طاقة روحية تعيد صياغة أولويات الإنسان وتمنحه السكينة وسط ضجيج المادة وصخبها. عندما يمتلئ القلب بالإيمان، يدرك المرء أن الرزق مقسوم ومكفول، مما يحرره من قيد القلق المرضي على المستقبل، ويوجه طاقته نحو تحقيق غايته الوجودية الكبرى وأحلامه السامية.

الإيمان يمنح النفس المتعبة وقودا من الصبر والثبات، ويعيد تذكيرها بأن طين الإنسان الأرضي يحمل نفخة سماوية لا تسعدها الماديات وحدها، بل يحييها الاتصال بالخالق والسمو بالروح.

ولم يكن حكماء وفلاسفة العالم بمعزل عن هذا الرصد؛ فقد اختصر الفيلسوف اليوناني سقراط هذه العبودية الطوعية للمادة بقوله: “تذوقوا كمية أقل من الأشياء لتستمتعوا بمساحة أكبر من الحرية”.

فالغرق في المقتنيات يثقل كاهل الروح ويمنعها من التحليق في فضاء الأحلام. بينما يعبر جلال الدين الرومي عن قسوة الظروف التي تجعلنا ننسى جوهرنا قائلا: “أنت تبحث في هذا العالم عن مأوى، بينما روحك هي الكون كله، فكيف تحبس الكون في زاوية مظلمة؟”.

وقد صاغ الشعراء هذا الألم الإنساني في أبيات من نور وعبرة، فها هو أمير الشعراء أحمد شوقي يحذر من آفة التسويف وتأجيل الطموح الحقيقي في بيته الشهير:

وما نيل المطالب بالتمني … ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

فالأحلام لا تنتظر في طابور المتطلبات، بل تنتزع انتزاعا من بين أنياب الظروف. أما الشاعر إيليا أبو ماضي، فيرصد كيف تحول المادة المطلقة الإنسان إلى جماد يفقد إحساسه بالحياة الحقيقية وجمالها حين يقول:

نسي الطين ساعة أنه طين … حقير فصال تيها وعربد

وكسا الخز جسمه فتباهى … وحوى المال كيسه فتمرد

إن مواجهة قسوة الظروف اليومية لا تعني الهروب من الواقع أو إهمال المسؤوليات، بل تعني ألا نسمح للواقع بأن يلتهم الروح. الحياة الحقيقية ليست قائمة مشتريات ننجزها، بل هي الأثر الذي نتركه، والحلم الذي نعيش من أجله، والتوازن بين متطلبات الجسد وأشواق الروح.

إن إنقاذ الحلم الحقيقي من الاندثار يتطلب وقفة شجاعة مع النفس، لإعادة ترتيب الأولويات، والوعي المدعوم بالإيمان بأن العمر أقصر من أن نعيشه بالنيابة عن آلات المادة، وأثمن من أن نقضيه في تأجيل ما يجعلنا بشرا حقا.

 

عبد الله عبد العزيز

كاتب مصري

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى