لم يعد الخطر الأكبر على الرياضة في أخطاء الحكام أو تراجع مستوى بعض الفرق، بل في تراجع مستوى الخطاب الإعلامي الذي يفترض أن يكون حارسًا للحقيقة لا طرفًا في الصراع. فالإعلام الرياضي الذي وجد لشرح الأحداث وتحليلها وتنوير الجمهور، أصبح في بعض الحالات جزءًا من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءا من الحل.
المشهد لم يعد يحتاج إلى كثير من التدقيق. يكفي أن يتابع المشاهد بعض البرامج الرياضية ليدرك أن هناك من تخلى عن دور الناقد وتحول إلى مشجع متحمس يحمل الميكروفون بدلا من العلم والمعرفة. لم تعد الأولوية لدى بعض الأصوات الإعلامية البحث عن الحقيقة أو تقديم قراءة موضوعية، بل الدفاع عن ناد معين مهما أخطأ، أو مهاجمة منافسيه مهما أصابوا.
هذه الظاهرة لا تضر فقط بمصداقية الإعلامي نفسه، بل تضرب ثقة الجمهور في الإعلام الرياضي بأكمله. فالمشاهد اليوم أصبح أكثر وعيا وقدرة على اكتشاف الانحياز، وعندما يشعر أن التحليل يصدر من مدرجات التشجيع لا من منصة الإعلام، فإنه يفقد الثقة في الرسالة الإعلامية ويبحث عن مصادر أخرى للمعلومة.
الأخطر من التعصب هو أن بعض المنابر الإعلامية تحولت إلى ما يشبه غرف العلاقات العامة غير المعلنة لبعض الأندية أو الجهات الرياضية. هنا لا يعود الإعلامي مجرد مشجع، بل يصبح بوقًا مستأجرا يروج لرواية محددة ويدافع عن مصالح معينة مقابل مكاسب مباشرة أو غير مباشرة. وفي هذه الحالة تختفي الحدود الفاصلة بين الإعلام والدعاية، وبين النقد والتسويق، وبين الحقيقة والمصلحة.
وعندما يصل الإعلام الرياضي إلى هذه المرحلة، فإن الخاسر الأكبر ليس النادي المنافس أو الطرف المستهدف، بل الجمهور الذي يُدفع إلى تبني مواقف مبنية على معلومات ناقصة أو روايات أحادية الجانب. والأسوأ أن هذه الممارسات تساهم في نشر التعصب والكراهية بين الجماهير، وتحول المنافسة الرياضية من ساحة للمتعة و إلى ساحة للصراع.
المشكلة الأخرى التي لا تقل خطورة هي غياب الثقافة الرياضية الحقيقية لدى بعض من يمارسون النقد والتحليل. فالنقد الرياضي في مفهومه الأكاديمي هو عملية تقييم وتحليل تستند إلى المعرفة والحقائق والأرقام والمعايير المهنية، وليس مجرد إطلاق آراء انفعالية بعد صافرة النهاية. لكننا نشاهد أحيانا من يملأ ساعات من البث المباشر دون أن يقدم معلومة واحدة أو قراءة فنية ذات قيمة.
ومن هنا يجب التوقف عند فكرة شائعة لكنها مضللة، وهي أن اللاعب السابق مؤهل تلقائيا ليكون محللا رياضيا. نعم، خبرة الملعب مهمة، لكنها ليست شهادة احتراف في الإعلام أو النقد. فكما أن الصحفي لا يستطيع أن يصبح لاعبا محترفًا بمجرد متابعته لكرة القدم، فإن اللاعب المعتزل لا يصبح محللا ناجحا لمجرد أنه ارتدى القميص وخاض المباريات. التحليل يحتاج إلى دراسة وثقافة ومهارات تواصل وقدرة على بناء الحجج وتفسير الوقائع.
لقد آن الأوان لإعادة طرح سؤال جوهري: لمن يعمل الإعلام الرياضي؟ هل يعمل للجمهور أم للأندية؟ للحقيقة أم للمصالح؟ للمهنة أم للشهرة؟
الجمهور ليس مطالبا بالتصفيق لكل ما يُقال على الشاشات، بل من حقه أن يحصل على إعلام رياضي محترم وصادق ومستقل. من حقه أن يستمع إلى نقد حقيقي لا إلى هتافات مقنعة، وإلى تحليل مهني لا إلى بيانات دعائية، وإلى إعلاميين يدافعون عن الحقيقة لا عن ألوان القمصان.
فالإعلام الرياضي القوي لا يقاس بعدد المشاهدات أو حجم الضجيج الذي يصنعه، بل بقدرته على كسب ثقة الناس. وعندما تضيع الثقة، يصبح كل ما يُقال مجرد ضوضاء
بقلم الكاتب الصحفي عبد الله عبد العزيز
صحفي مصري مقيم في قطر
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




