رأسي آخرُ أصيصٍ غرسهُ أبي قبل أن يموت
بذرة ذِكر،
بذرة محبّة،
بذرة خوف من الله.
طال عنقي مثل شجرةِ الفاصولياء بقصّة “جاك”،
وصلَ للرّبّ يشُكُّ سماءهُ بحزمةٍ من الأسئلة:
“لماذا لم أعد أجد رأسي منذ رحل أبي؟
أين وضعه ياترى:
على شرفة الصّالون،
في فناء البيت،
أم هل وظّبهُ في طردٍ وأرسلهُ هديّةً لك
لتزيّن به جنّتكَ يا الله؟”
كلّما كبرَ حجمُ رأسي،
شذّبتْ أمّي أفكارهُ قليلاً بمقصِّ البستنة،
ووضعتْ في مُنتصفهِ كوبًا من الماء
حتّى ترتوي العصافير من مُخيّلتي.
كنتُ أستيقظُ أحيانًا
فأجد بدل الشَّعر المتساقط
حبّات بازلاّء وحمص وعدس
تكركبت من رأسي أثناء النّوم،
فتحفنها أمّي بكفّها وتسلقها للفطور.
وهكذا كلَّ صباح
صرتُ أجمعُ رأسي من فوق الوسادة
هاجسًا هاجسًا
وأتركُ لأمّي مُهمّةَ تقشيري من الخوف.
قبل ولادتي،
دعا أبي الله بأن يرزقهُ ببنتٍ قلبها أخضر.
فجئتُ للدّنيا مُلقّمةً من حبّة لوز،
تقرضني الأيّامُ بأسنانها،
ناسيةً أنّ ما من ليّنٍ ينكسر.
مات أبي وأنا لازلتُ صغيرة،
لم أعرف الكثير عنه،
لكن كلّ ما أعرفهُ أنّه لم يرتدِ يومًا قُفّازات واقية
وهو يقتلعُ الصّبّار من إيماني،
فكانت يداه تنزفانِ في الاتّجاه المُعاكس،
من أسفل لفوق،
إلى أن تُلطّخا السّماوات السّبع.
لقد جعل أبي من تربيتي هوايتهُ المفضّلة،
أنفق عمره وهو يحوّضُ جوهري
في أصيصٍ صغير،
سقاهُ ما أُريقَ من ماءِ وجهه،
سمّدَ تربتهُ بمعدنِ أخلاقه.
الآن أنمو وحدي في شُقّةٍ مُستأجرة
بلا جُذور
وبلا أبٍ أضربهُ في الأرض.
أُقضّي معظم وقتي
وأنا أُروّض النّباتات المُتوحّشة في عقلي
حتّى لا تعضَّ يدَ أمّي
كلّما هرشتْ فروةَ وساوسي.
لستُ “جاك”،
لكن من كثرةِ ما رميتُ بعجمِ الدُّعاء من نافذتي،
نبتتْ لي حُنجرةٌ طويلة
أتسلّقُها وصولاً لأبي.
تقول أمّي أنّها حين كانت حاملةً بي،
شعرتْ بأغصانٍ شائكة تخز رحمها
وكأنّ بهِ غابةً من الأيادي والأرجل.
أوّلُ ما ظهرَ من جسدي عند الولادة
كانت ورقةً عملاقةً خضراء
ظلّ الطّبيب لساعاتٍ وهو يسحبُها بلطف
حتّى لا يتمزّقَ نسغها.
طالت الورقةُ وتشعّبتْ أليافها،
ازدادتْ يُنوعًا ولمعانًا،
اتّضح لاحقًا للعالمِ أنّها رأسي.
— هاجر الرّقيق
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




