أستاذ الأدب الإنجليزي الدكتور علاء نعيم الغول يكتب .. ذاكرةُ الغرانيقْ

 

للعُمْرِ أغنيةٌ وأنتِ قريبةٌ
بل أنتِ نصفُ مدينةٍ مأهولةٍ بالنابتينَ من الورَقْ
في آخرِ الطرقِ التي تفضي إليكِ
وجدتُ أبنيةً ونافذةً وحوضَ قرَنفلٍ
والمقعدَ الخالي وكلبًا باسطًا في الشمسِ
من تعبٍ يديهِ ولمْ أجِدْكِ كما اتفقنا وانتظرتُكِ
صامتًا متخيِّلًا قَدَرِي معَكْ
وتكوَّرَ الحلمُ القديمُ كقطةِ الصوفِ الصغيرةِ
ثم صرتُ أحوكُ أنفاسي قميصًا لكْ
ألا يا أيها البردُ الطويلُ سئمتُ لونَكَ والثلوجَ
ونمتُ عن عمدٍ لأهربَ صامتًا من مغرياتِ المدفأةْ
كم كان كوخًا دافئًا لا بدَّ من تدوينِ ما قد مرَّ
من وقتٍ هناكَ وأنتِ لستِ معي وقد فتشتُ عنكِ
ولم أجدْ ريشَ الغرانيقِ التي جاءت بأسرابٍ
إليَّ أنا المناسبُ مرةً أخرى لنفسي والبداياتِ
التي لا تستمرُّ كما أريدُ فقط عليَّ الآن تغييرُ
الشروطِ على مراحلَ كي أرتبَ رغبتي ومواصفاتِ
الحبِّ عندي لستُ مضطرًّا لتمديدِ الحكايةِ
رغمَ أني لا أجيدُ السردَ بعدَ الليلِ
حين تعودُ للقمرِ السماءُ بكلِّ ما فيها
وحين تهبُّ رائحةُ الخزامى من بعيدٍ
هكذا وحدي أنسقُ مفرداتي أستعدُّ لغرسِ
شتلاتٍ من الدراقِ كي تنمو قريبًا من نوافذِ
جارتي وأنا أعيدُ على مسامعها الوعودَ كما
كتبناها معًا في دفترٍ من ألفِ سطْرٍ
بينما الدنيا حبيبتيَ اغترابٌ مؤسفٌ
لا ينبغي تفسيرهُ دومًا وعاداتُ الحياةِ لها انتهاكاتٌ
بحقِّ العابرينَ من الرصيفِ إلى الرصيفِ
وعندما تتقدمُ الدنيا بنا نشتاقُ حتى لا نموتَ
ونحنُ ننظرُ للسماءِ وعندما أشتاقُ تأتيني
الطيورُ لكي تعيدَ إليَّ أسمائي وأدعيتي
وما لا ينتهي من كل هذا الشوقِ
يا حُبِّي الذي خيرتَني بين الحقيقةِ والخيالِ
لقد تبادلنا اتهاماتٍ على خلفيةِ التفكيرِ
في تجريبِ حبٍّ مختلفْ
ماذا عليكَ لو اتسمنا بالهدوءِ وبالتسامحِ
قد نحققُ رغم هذا البعدِ وَصْلًا ليس منقطعًا
تمرُّ بهِ الطيورُ على السقوفِ و ربما وادي البنفسجِ
كان قلبي مرةً متشبثًا بصافئهِ وشرودِهِ
والبحثِ عن دنيا لها بابٌ صغيرٌ
منه أعبرُ للمتاهاتِ الغنيةِ بالمفاجأةِ
التي كنتُ انتظرتُ على رصيفٍ للرحيلِ
وبعدما أيقنتُ أنكِ فرصتي للعيشِ أفضلَ
صرتُ أنتزعُ الدقائقَ من غصونِ الوردِ
من سهرِ المرايا والشموعِ ومن بقايا ذكرياتي
هل تحبين البقاءَ معي هنا في غابةٍ مفتوحةٍ
لتغيراتِ الطقسِ نجعلها نهاياتٍ ونرسمها
فضاءً تسبحُ الغيماتُ في أرجائهِ ويضيءُ واجهةً
من البلورِ واسعةً بحجمِ توقعاتي والرضا في النفسِ
والأيامُ تحفرُ في رمالِ العمرِ تحفرها عميقًا
ربما تتزاحمُ النياتُ تجعلني مليئًا بالتفاؤلِ
والهدوءُ حبيبتي يكفي ليجعلَنا أخيرًا نستمدُّ
من اليقينِ محفزاتٍ للبقاءِ وللصمودِ أمامَ هذا البحرِ
حين يهيجُ وحين يلقينا عراةً فوقَ أكوامِ الهواءِ
يذيبُنا في ملحهِ حتى على مرأى من الغرنوقِ
وهو يمرُّ عنَّا باحثًا عن ظِلِّنا المكسورِ من زمنٍ
ويبقى البحرُ راياتٍ ملونةً وغاياتٍ نلاحقها
بما فينا من الأحلامِ ما فينا من الفزعِ
الذي يغتالُنا عند الخروجِ إلى الشوارعِ
وهي تغرقُ بالوجوهِ وبالتنافرِ
ثم أنتِ تعاندينَ الصمتَ تشتعلينَ وردًا ناعمًا
بين المرايا كي يفوحَ الطِّيبُ منكِ أعوادًا
من الحنَّاءِ يجعلُنا البخورُ مسافةً أخرى
من الأحلامِ جائعةً لأيامِ السنونوةِ التي كانت
تعيدُ الصيفَ لي من بابهِ الشمسيِّ من بين الشقوقِ
وسروةٍ كانت أمامَ البيتِ سامقةً كما يبدو
وحين أراكِ أصبحُ فكرةً صمغيةً وبها التصقتُ
ولا أرى إلاكِ يا قلبي الجميلَ
وحالةَ الفرحِ التي ملأتْ تفاصيلي
ويبقى العمرُ منكسرًا ويبقينا نقوشًا في جدارٍ
عابرٍ متهالكٍ ماذا تبقى منكَ يا وجعي وماذا
أبتغي في هذهِ الدنيا التي ما زلتُ أحفظها
وأتقنُها وبين الروحِ والألوانِ أنعَمُ بالسكونِ
وبالتعاطي مع مسافاتِ الهوى أما يداكِ فقد تعانَقَتا
معي ولديَّ ما أحتاجهُ لأعودَ ثانيةً إلى هذا المربعِ
سالمًا من أيِّ سوءٍ حاملًا قلبي الوديعَ وأغنياتٍ
لا تزالُ فتيَّةً كتدفقِ النبعاتِ بين العشبِ حتى النهرِ
ثم أنامُ مشتاقًا لعينيكِ اللتينِ أضاءتا نصفَ
النجومِ وعادتا للبحثِ عن وجهي الذي سكنَ المرايا
من جديدٍ وأكتفيتُ أنا بقلبكِ تاركًا للشمسِ
أسرابَ الغرانيقِ التي حملت سمائي الواسعةْ.

من مجموعة بيانُ الظلِّ والمغفرةْ

للأديب الدكتور الفلسطيني علاء نعيم الغول

أستاذ الأدب الإنجليزي جامعة الأقصى

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى