ناجي عبد الرحمن يكتب : قراءة في دلالات خطاب العرش

بين أمن الحدود، والتحديات الإسرائيلية، ومعركة الاستقلال المائي

رسائل الملك عبد الله .. الأردن يحصّن أمنه وسيادته في إقليم مضطرب

بقلم ناجي عبدالرحمن

لم يكن خطاب العرش الذي ألقاه العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مجرد عرض للأولويات الداخلية أو تجديد للمواقف السياسية التقليدية، بل جاء حاملاً رسائل تتجاوز حدود المملكة، في توقيت إقليمي تتداخل فيه التهديدات الأمنية مع الضغوط السياسية والاقتصادية، وتتراجع فيه ضمانات الاستقرار.

وبين تداعيات حادثة الكرك، والتطورات على الحدود السورية، والانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وصولاً إلى ملف المياه، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة لتثبيت معادلة أردنية واضحة: حماية الداخل، وصون الحدود، والدفاع عن المصالح الوطنية، ومنع تحويل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات ضغط سياسي.

الكرك ودرعا.. الأمن الوطني وحدود التهديد

لم يكن استحضار الملك عبد الله حادثة الاعتداء قرب كنيسة في محافظة الكرك تفصيلاً عابراً. فالاعتداء الذي أوقع ضحايا مدنيين تجاوز في دلالته حدود الجريمة الأمنية، لأنه استهدف أحد أهم مرتكزات الاستقرار الأردني، وهو وحدة المجتمع وتماسكه.

وعندما أكد الملك أن الدولة لن تسمح للإرهابيين بالمساس بأمن الوطن ووحدته، كانت الرسالة واضحة: مواجهة التطرف لا تقتصر على ملاحقة مرتكبيه، بل تشمل حماية النسيج الوطني من محاولات التفكيك وإثارة الانقسامات.

لكن تداعيات الحادثة امتدت إلى جنوب سوريا، حيث نفذت القوات المسلحة الأردنية ضربات جوية قالت عمّان إنها استهدفت مواقع مرتبطة بتهديدات إرهابية، فيما تحدثت السلطات السورية عن سقوط ضحايا مدنيين.

وهنا تظهر معادلة دقيقة: الأردن يريد حدوداً آمنة، وسوريا تحتاج إلى استقرار مناطقها الجنوبية، ولا يمكن تحقيق الهدفين دون تعاون أمني فعّال وتفاهمات تحترم سيادة البلدين وتحمي المدنيين.

ولم يسمِّ الملك الرئيس السوري أحمد الشرع في خطابه، لكن التطورات تضع العلاقة بين عمّان ودمشق أمام اختبار عملي، عنوانه الانتقال من التفاهم السياسي إلى التنسيق الأمني الملموس.

إسرائيل.. خلاف يتجاوز حدود السياسة

في الشق المتعلق بإسرائيل، حمل خطاب الملك تحذيراً واضحاً من استمرار الانتهاكات في الأراضي الفلسطينية والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومن الأطماع التوسعية التي تهدد مستقبل المنطقة.

وبالنسبة للأردن، لا تمثل القضية الفلسطينية ملفاً خارجياً عادياً، بل ترتبط مباشرة بأمنه الوطني وجغرافيته ومستقبل المنطقة، فضلاً عن الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.

لذلك، فإن الموقف الأردني يتجاوز الإدانة الدبلوماسية إلى رفض محاولات فرض وقائع جديدة بالقوة، سواء عبر تغيير الوضع القائم في القدس أو تقويض الحقوق الفلسطينية أو التوسع في السيطرة على الأراضي المحتلة.

ومع ذلك، لا يعني هذا الخطاب إعلان مواجهة عسكرية أو قطيعة سياسية مع إسرائيل، بل يعكس محاولة لوضع حدود واضحة لما يمكن للأردن القبول به، في ظل استمرار الانتهاكات وتزايد المخاوف من تداعياتها الإقليمية.

المياه.. الاختبار الحقيقي لاستقلال القرار

ربما كانت عبارة الملك «المياه، المياه، المياه» الأكثر دلالة في الخطاب؛ فهي لم تكن مجرد تشديد على أزمة خدمية، بل إشارة إلى أن الأمن المائي أصبح جزءاً أساسياً من مفهوم السيادة الوطنية.

فالأردن يعاني شحاً مائياً حاداً، ويعتمد في جزء من احتياجاته على تفاهمات واتفاقيات مع دول الجوار. وتزداد حساسية الملف مع رفض إسرائيل تجديد التفاهم الذي كان يوفر للمملكة خمسين مليون متر مكعب إضافية من المياه سنوياً، فوق الكميات المقررة في معاهدة السلام.

وهنا تبرز الرسالة السياسية الأهم: لا يريد الأردن أن يتحول احتياجه المائي إلى نقطة ضعف في قراره الوطني.

لكن الاستقلال المائي لا يتحقق بالتصريحات وحدها؛ بل يحتاج إلى تنفيذ مشروعات التحلية والنقل والتخزين، وتنويع مصادر التزويد، وتقليل الفاقد، وبناء منظومة قادرة على مواجهة الأزمات بعيداً عن تقلبات العلاقات السياسية.

كما ينبغي التمييز بين الاتفاق الإضافي الذي تعثر تجديده والحقوق المائية الأساسية الواردة في معاهدة وادي عربة؛ فهما مساران مختلفان من الناحية القانونية.

ثلاثة ملفات.. ومعادلة سيادية واحدة

عند جمع هذه الملفات، تتضح صورة دولة تحاول حماية مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة.

فالأمن الداخلي يرتبط بوحدة المجتمع وقوة المؤسسات، وأمن الحدود يحتاج إلى تعاون إقليمي فعال، والتعامل مع إسرائيل يتطلب موقفاً يحمي الحقوق الفلسطينية والمقدسات، فيما يستدعي الأمن المائي بناء قدرات وطنية تقلل الاعتماد على الخارج.

هذه الملفات ليست منفصلة، بل تلتقي عند سؤال جوهري: كيف يستطيع الأردن حماية استقلال قراره في منطقة تتغير فيها التحالفات وتتداخل فيها المصالح والضغوط؟

والتحدي الحقيقي لا يكمن في وضوح الرسائل الملكية فحسب، بل في قدرة الحكومة على ترجمتها إلى سياسات قابلة للقياس، ومشروعات تنفذ، ونتائج يلمسها المواطن.

لا يبدو أن الأردن يبحث عن مواجهة مع محيطه، لكنه في المقابل لا يريد أن يكون ساحة لتصفية الحسابات أو طرفاً يدفع ثمن أزمات الآخرين.

إن جوهر رسالة الملك عبد الله الثاني هو أن حماية الدولة لا تبدأ عند الحدود فقط، بل تبدأ من تماسك المجتمع، وتمتد إلى صون الحقوق الوطنية وتأمين الموارد الأساسية والحفاظ على استقلال القرار السياسي.

ففي إقليم لا تكفي فيه المواقف وحدها لحماية الدول، ستكون قوة الأردن الحقيقية في قدرته على تحويل رسائله السياسية إلى أمن مستقر، ومياه مضمونة، وقرار وطني لا يخضع للابتزاز.

 

ناجي عبد الرحمن

كاتب فلسطيني

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى