بهاء إبراهيم تحاور د.نور الدين السافي .. حول علاقة الإسلام بالتعددية السياسية

غياب نظام حكم محدد في القرآن.. بين آفاق التأويل وتكريس الاستبداد (جزء4)

غياب تحديد ملامح نظام حكم في القرآن..

الفراغ النصي بين سعة التأويل وضيق أفق التطوير الفقهي

 

نقوم في هذا الجزء من سلسلة حوار “غياب نظام حكم محدد في القرآن.. بين آفاق التأويل وتكريس الاستبداد” بمعالجة إشكالية السببية بين الفراغ الكامن في النص القرآني، فيما يتعلق بتحديد ملامح نظام حكم بعينه والـتأسيس للاستبداد والضيم الذي اتسمت به الممارسات السياسية في الحقب التاريخية التي تلت وفاة الرسول محمد. لكننا فضلنا بادئا ذي بدء التساؤل عن طبيعة الغياب المشار إليه أعلاه: هل هو فراغ أم سعة تأويلية ذات مرجعية مقاصدية؟ إذا كان فراغا فالمجال مفتوح لما يغدق به تقدم مسيرة التاريخ، وإن شاب تلك المسيرة ارتداد أو تراجع، وإذا كانت سعة تأويلية فالمسؤولية الكبرى واقعة حينئذ على عاتق الفقهاء في جعل النص القرآني قادرا على استيعاب ما تتوصل إليه الإنسانية من مخرجات عبر العصور. وقد تكون هذه النقطة الأخيرة على وجه الخصوص هي جوهر الاختلاف بين المحاوِرة والمُحاوَر حيث يرى المُحاوَر د.السافي أن تأسيس الدولة الحديثة في العالم الإسلامي لا بد أن يعود ويعتمد النص القرآني بما أنه حامل على مستوى مقاصدي لنبذ الاستبداد وهو ما يجنب العالم الإسلامي وفقا لمنظوره التبعية للغرب من حيث تبني العالم الإسلامي لنماذج من البناء السياسي الغربي، بينما تعتبر المحاوِرة أن الانفتاح الدلالي للنص القرآني يكفل للفقهاء والنخبة أن يجعلوا من القرآن نصا مهيئ لاستيعاب ما تأتي به البشرية عبر استمرار التاريخ في التحرك نحن الأمام مهما كان مصدر ذلك التقدم، وأنه لا بد من تفادي الخلط بين أمرين هامين وهما ما خلفه الإرث الكولونيالي من ضغينة وحساسيات و ما أتى به الغرب خلال خمسة قرون من أفكار صنعت منه دونا عن غيره حضارة ذات طبيعة مركزية وإن كانت اليوم في تراجع فاسحة المجال لعالم متعدد الأقطاب.

 

يسلط د.نور الدين السافي في بداية حديثه على جذور الانحرافات التاريخية في ممارسة السلطة وهي راجعة حسب رؤيته إلى وهن العقل الفقهي العاجز على التطوير “إن العلاقة بين المرونة التأويلية للنص وانحرافاتها عن الأصل القرآني والتوظيف التاريخي للقوة تعكس جميعها مفارقة بين “المقصد القرآني” و”الممارسة التاريخية”. فالقرآن لم يدعُ للفراغ، بل شرّع القيم الحاكمة: وسكوت القرآن عن تفاصيل الشكليات الإجرائية ليس فراغا عشوائيا، بل هو “سعة تشريعية” ترفض نمذجة الدولة في قالب تاريخي محدّد (كالإمبراطورية أو القبيلة) قد يصبح عائقا أمام تطور الجمع البشري. ومع ذلك يجب ألا تخرج هذه المرونة عن كليات القرآن ومقاصده. وعدم الالتزام بهذه القواعد القرآنية الكلّية حدثت جميع تلك الانحرافات. أي إنها انحرافات تاريخيّة وليست نصية قرآنيا. فالفراغ لم يكن في النصّ ذاته، بل كان في عجز العقل الفقهي والمؤسّسي عن تطوير ميكانزمات وقواعد دستورية تحمي مفهوم الشورى وقوّة الجماعة وأمرها. وتمنع تحوّله إلى مجرد مجاملة سياسية، مما سمح لمنطق “الشوكة” والقوة بالحلول محلّ العقد الاجتماعي القرآني. إن هذا الاضطراب الواضح في الممارسة السياسية القديمة في العالم السياسي جعل مسألة تأسيس التعددية الحديثة أمرا عسيرا.”

ويؤكد قائلا “إن ميلاد الدولة الحديثة في بلاد الإسلام يجب أن يقوم على النص القرآنيّ ليعيد استئناف بناء الدّولة وفق مبادئه الأصليّة المانعة للاستبداد والقائمة على شورى الجماعة التي بيدها الأمر. يعود النص القرآني اليوم في بيئة الدولة الحديثة ليكون مرجعا مانعا للاستبداد، إذ إن مفهوم الشورى القرآني، مع تجريده لشرعية الحاكم من أي “تفويض إلهي مباشر”، وإرجاع الأمر للمجتمع (﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾)، يجعل من آليات الدولة الحديثة (الفصل بين السلطات والانتخابات والمؤسسات التشريعية) التجسيد المؤسّسي الأكثر قدرة على تحقيق المقاصد القرآنية في العدل والحرية ورعاية الأمانة. وهذا ما لم يستطع ما يُسمّى بالإسلام السياسي إقامته اليوم لأنه كان ينادي بتطبيق الشريعة الإسلامية التي بناها القدامى وكأن الشريعة قائمة جاهزة ولم يبق إلا تطبيقها. والحال أنهم أبعد ما يكون عن النصّ القرآنيّ لأنّهم ينادون بإرساء نموذج ولّى وانقضى على عصر ليس عصره مبتعدين على القرآن أيضا مرة أخرى. إن العجز عن استئناف فتح القرآن وتدبّره لإعادة بناء الواقع الجديد لا يزال العائق الأكبر أمام عودة القوة الإسلامية إلى الوجود فتقليد التراث وإنزال الأحكام والنماذج القديمة على العالم الإسلامي أمر مستحيل نظريا وواقعيا لأن الأمر أمر الجماعة الذي يجب أن يكون شورى ضمن قاعدة حقّ الاختلاف وليس أمرا متعاليا ينفذ على الجميع قسرا. إلى جانب ثغرة تقليد القدامى، إذ لا يزال المسلمون يعيشون الاستعمار الغربي ويعملون على تقليده في جميع مظاهر حياته فكرا وممارسة وتقاليد… وبهذا يمكن أن نقول إن المسلمين اليوم يعيشون بين أصوليتين غريبتين هما التجربة الإسلامية القديمة والتجربة الغربية الحديثة. كلاهما يجمع كلّ العوائق النظرية والعملية التي تحول دون إعادة تأسيس العالم الإسلامي من جديد.  ونتيجة لكلّ هذا فإن الغياب النصّي لنظام حكم تفصيلي في القرآن الكريم هو في أصله مرونة تأسيسية مقاصدية تهدف لتنزيه الدين عن الارتهان لأشكال سلطوية تاريخية زائلة. غير أن الهشاشة المؤسّسية للواقع التاريخي الإسلامي وضغط الصراعات السياسية المعاصرة حوّلت هذا التجريد النصي إلى مساحة جرى استغلالها تاريخيا وحاضرا من قِبل منطق التغلّب والشوكة، لتكريس القوة العسكرية كمصدر للشرعية على حساب المقاصد القرآنية الكلية للعدل والشورى. وما يمكن أن نقرّ به انطلاقا من القرآن ذاته وأصوله في هذا المجال ما لا يمكن أن يوافق عليه النص وليس ما يجب أن يكون حسب النص. يمكن حصر أنظمة الحكم السياسي التي يرفضها القرآن الكريم في كلياته ومقاصده ذلك أن القرآن وإن لم يضع شكلا أو إطارا تنظيميّا موجزا ثابتا لهيكل الدولة والتداول الإداري للسلطة فقد أرسى بنية مفهومية ومقاصدية حاكمة تتحدّد بها مشروعية الممارسة السياسية وجودا وعدماً. ويرتكز الرفض القرآني لأنظمة الحكم على اختلال مقاصد الوجود الإنساني (كالتكريم الحرّ للبشرية والتكليف المسؤول) واختلال الكليات الخمس الكبرى (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، بالإضافة إلى مناقضة الأصول المباشرة للحكم في القرآن، وهي العدل والشورى والأمانة ونفي الاستبداد وحظر الخضوع المطلق للإرادة البشرية.”

ويوضّح د.السافي في هذا السياق بناء على تلك المعايير الكلية والمقاصدية كيف ينصبّ الرفض القرآني على أنظمة وممارسات سياسية رئيسية أبانها القرآن منها ويذكر نظام الفرعونية والاستبداد المطلق (حكم الفرد وتأليه السلطة) قائلا “وتُعدّ “الفرعونية” في البيان القرآني النموذج المعياري المرجعي لكلّ حكم يقوم على الاستبداد المطلق وتركيز السلطة في الإرادة الفردية المتفرّدة بالقرار. ويرفض القرآن هذا النموذج عبر ثلاثة أبعاد مفهومية تظهر في الاستعلاء والادّعاء الميتافيزيقي مثل إسباغ الإطلاق والتسامي والعصمة على السلطة الفردية، وحجب الحقّ في النقد أو المسائلة (﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾ (غافر: 29). وتظهر أيضا في استعباد الناس لهدر كرامتهم. وتحويل المواطن (الرعية) إلى أدوات مسلوبة الإرادة والتكليف (﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ (الزخرف: 54). وتظهر أيضا في التفتيت الاجتماعي وسلب الحقوق والتفريق بين أبناء المجتمع وإضعاف الفئات المستضعفة لصالح بقاء السلطة ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ﴾ (القصص: 4).”

ثم يشير إلى نظام المَلَئِيّة والأوليغارشية (حكم النخبة المستأثرة بالأمر) مُبيّنا “يقدّم القرآن نقدا عميقا لنظام الحكم الذي تُحتكر فيه القوة السياسية والاقتصادية والتشريعية لدى “المَلأ” (النخبة النافذة من أصحاب المصالح أو أرباب الثروة)؛ ذلك أنّ هذا النظام يلغي عموم الشورى ويُخضع المقاصد العامة لرغبات فئوية ضيقة. وهذا النظام يقوم على التسلّط التشريعي والمالي واحتكار توجيه القرارات السياسية بحسب ما يحمي منافع النخبة ومواقعها التراتبية ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (المؤمنون: 33). ويحجب الوعي ومقاومة التغيير واستغلال النفوذ لمنع عامة الناس من اتخاذ خياراتهم الحرّة (﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا﴾ (الأعراف: 88).”

ويتابع د.السافي “”مصطلح “حكم الجاهلية” (أي التحاكم إلى الهوى والعصبية بغير عدل ولا علم) في الشاهد القرآني ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ (المائدة: 50) لا يشير إلى حقبة زمنية تاريخية فحسب، بل هو مقولة مفهومية تعبّر عن كلّ نظام سياسي وتشريعي يقوم على: التحاكم إلى الهوى المجرّد وتغييب القسط وإحلال الأهوال والنزعات الفردية أو الفئوية محلّ المبادئ المعيارية الحاكمة للعدل (﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (المائدة: 49). الذي يقتضي التمييز على أساس العصبية والطبقية وإقامة القوانين والممارسات على التمايز العرقي أو القبلي بدلا من المساواة في الأهلية والتكليف والأمانة.”

لينتهي إلى نظام الطغيان الثيوقراطي (الكهنوت السياسي والادعاء الديني لامتلاك الذات الإلهية)، قائلا “فالقرآن يرفض القراءة التي تخلط بين مشروعية القيم الدينية وبين التسلّط الكهنوتي البشري الذي يصادر العقول والأموال بادعاء التحدث المباشر والمنحصر باسم الله، وهو ما أشار إليه القرآن في نقد الممارسات الكنسية والكهنوتية السابقة. والذي يظهر في مصادرة التكليف والوعي الإنساني وإحلال إرادة المتبوعين من الرهبان والأحبار محلّ المساءلة الفردية والعقلية (﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 31) ويرفض الاستغلال المادي باسم القداسة وتحويل السلطة الدينية إلى أداة لنهب الثروة العامة وحجب الحقوق (﴿إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 34), ويعني كلّ هذا أن المعيار القرآني في حظر ومقبولية أنظمة الحكم لا يتوقف عند “الأشكال والأسماء” (جمهوري أو ملكي أو مدني.. إلخ) وإنما يقوم على تأسيس “المضامين والمقاصد”. فكلّ نظام حكم مهما تزيّن بالرموز يفضي في مخرجاته العملية إلى إهدار كرامة الإنسان، أو سلب حرية الاختيار والشورى أو نقض أصل العدل والقسط أو تكريس الطغيان والاستبداد الفردي أو الفئوي، هو نظام حكم مجهض المشروعية والشرعيّة ومرفوض في كليات القرآن ومقاصده العليا.”

 

سنستحضر في الحوار القادم ما أثرناه في مقالات سابقة (حين يكون الإصلاح الديني نتاجاً للحداثة ومدخلاً إليه- الروابط بين البروتستانتية والديمقراطية؛ الكنيسة اللوثرية.. مفارقة الاصلاح الديني والمحافظة السياسية..؛ الكالفينية.. تأويل النص الديني كمؤسس للعقد الاجتماعي في صورته الجنينية. 21 و28 يوليو و3 أغسطس 2026. جريدة القاهرة) بخصوص تفريغ السلطة الزمنية من القداسة في الفكر الديني البروتستانتي لنتفحص إذا ما كان عدم تنصيص القرآن على شكل محدد للسلطة موازيا لتلك الرؤية البروتستانتية وإذا كان غياب النص فاتحا المجال لتعدد التفاسير الفقهية حول من يملك حق التأويل، ونتساءل أيضا حول حقيقة قابلية القرآن لتجربة العلمنة.

بهاء إبراهيم

كاتبة تونسية

 

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى