لم تعد القضايا البيئية شأناً قطاعياً أو مجرد اهتمام بحماية الطبيعة، بل أصبحت قضية حقوقية وإنسانية ترتبط مباشرة بحق الإنسان في الحياة والصحة والكرامة والعيش في محيط سليم. فالحق في الماء النظيف والهواء النقي والتربة السليمة والغذاء الآمن ليس امتيازاً، وإنما أحد الشروط الأساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تتفاقم تحديات التغير المناخي وندرة المياه والتصحر والتلوث الصناعي واستنزاف الموارد الطبيعية، تبرز الحاجة إلى مقاربة جماعية تتجاوز حدود المبادرات المحلية والمعالجات الظرفية، نحو بناء فضاء إقليمي للتعاون والتضامن البيئي.
وفي هذا السياق، يمثل الإعلان عن إطلاق شبكة المدافعين عن البيئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بمشاركة منظمات بيئية وحقوقية ومدنية من تونس ومصر والمغرب والسودان، يوم 26 أكتوبر 2026، مبادرة مهمة لتوحيد الجهود وتعزيز التنسيق بين الفاعلين في مجال حماية البيئة والعدالة البيئية والمناخية.
من المبادرات المحلية إلى التنسيق الإقليمي
تكتسب هذه المبادرة أهميتها من طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، إذ إن الأزمات البيئية لا تعترف بالحدود الجغرافية والسياسية. فالتغير المناخي والتلوث البحري والتصحر وتراجع الموارد المائية وتدهور التنوع البيولوجي قضايا مشتركة تستوجب تعاوناً يتجاوز الإمكانيات الوطنية المنفردة.
ومن هنا، يمكن للشبكة أن تشكل إطاراً تنسيقياً مستقلاً لتبادل الخبرات والمعلومات، وتوثيق الانتهاكات البيئية، وتطوير برامج مشتركة للتوعية والمرافعة، فضلاً عن بناء شراكات بين المنظمات الحقوقية والبيئية والحركات الاجتماعية والباحثين والنقابات.
كما يمثل هذا الإطار فرصة لربط النضالات المحلية ببعضها، وإيصال أصوات المجتمعات المتضررة من التلوث والتهميش البيئي، وتعزيز الحماية القانونية والمدنية للمدافعين والمدافعات عن البيئة.
العدالة البيئية أساس العدالة الاجتماعية
لا يمكن فصل التدهور البيئي عن الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية، فكثيراً ما تتحمل الفئات الفقيرة وسكان المناطق المهمشة والعمال القريبون من المنشآت الصناعية ومواقع استخراج الثروات الطبيعية العبء الأكبر للتلوث ومخاطره الصحية.
وتقدم التجربة التونسية في مجال الحركات البيئية نموذجاً مهماً للمقاومة المدنية السلمية من أجل الدفاع عن الحق في بيئة سليمة. ففي الحوض المنجمي بولاية قفصة، وتحديداً بمنطقة المظيلة، تتواصل معاناة الأهالي من أوجه متعددة للتلوث، نتيجة الغبار والأتربة المتناثرة بفعل أنشطة استخراج الفسفاط، والانبعاثات الغازية الصادرة عن المجمع الكيميائي، إلى جانب أزمة شح المياه وتراجع الموارد المائية وما يرافق ذلك من انعكاسات صحية واجتماعية واقتصادية.
وقد جعلت هذه الأوضاع من المطالبة ببيئة سليمة جزءاً من النضال المدني والاجتماعي للسكان، الذين يرفعون مطالب تتعلق بالحق في الصحة والماء والتنمية والعيش الكريم، دون أن يكون الدفاع عن البيئة متعارضاً مع الحق في العمل أو أهمية الثروات الوطنية.
وتؤكد هذه التجربة أن حماية البيئة لا ينبغي أن تكون على حساب المجتمعات المحلية، وأن التنمية الحقيقية لا تقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بمدى احترامها لصحة الإنسان وحقوقه وكرامته.
لذلك، فإن العدالة البيئية لا تعني مكافحة التلوث فحسب، بل تقتضي ضمان التوزيع العادل للموارد والأعباء البيئية، وحق المواطنين في المعلومة والمشاركة في القرارات التي تمس محيطهم، ومساءلة المؤسسات المتسببة في الأضرار وجبر الضرر.
آفاق التعاون وبناء مجتمع أخضر
تفتح الشبكة آفاقاً واسعة للعمل المشترك، من خلال إمكانية إحداث آليات إقليمية لرصد الانتهاكات البيئية، وإعداد تقارير دورية حول التلوث والتغيرات المناخية، وتنظيم حملات مشتركة لحماية المياه والموارد الطبيعية، إلى جانب تكوين الشباب والنساء والناشطين في مجال الحقوق البيئية.
كما يمكن أن تتطور هذه المبادرة إلى قوة اقتراح ومرافعة لدى المؤسسات الإقليمية والدولية، للدفاع عن حق الشعوب في بيئة سليمة، والمطالبة باحترام الالتزامات والاتفاقيات البيئية.
غير أن نجاح هذا المسار يظل رهين استقلالية الشبكة، واتساع المشاركة فيها، وقدرتها على الانتقال من التنسيق النظري إلى برامج ميدانية ملموسة، تشمل تشجيع الطاقات المتجددة والاقتصاد الأخضر وإعادة التدوير وحماية الموارد المائية والغابات والسواحل.
البيئة مسؤولية مشتركة ومستقبل واحد
إن بناء مجتمع أخضر ونظيف ليس مسؤولية المنظمات البيئية وحدها، بل هو مشروع مجتمعي تشارك فيه الدول والمؤسسات الاقتصادية والجامعات والنقابات والمجتمع المدني والمواطنون.
إن توحيد الجهود بين بلدان المنطقة لم يعد خياراً تنظيمياً فحسب، بل ضرورة تفرضها طبيعة التحديات المشتركة. فالبيئة ليست ملكاً لجيل واحد، والماء والهواء النقيان ليسا امتيازاً لمن يستطيع شراءهما، بل حق أصيل للجميع.
ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية لهذه المبادرة الإقليمية: تحويل التضامن البيئي إلى قوة جماعية، والتنسيق بين المنظمات إلى عمل مؤثر، والدفاع عن الطبيعة إلى مشروع من أجل الإنسان والعدالة والتنمية المستدامة.
بوبكر عكرمي
كاتب تونسي
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




