أيلول؛ يزحفُ في أركانِ الرُّوحِ، يحملُ ضحكاتٍ ونَسْماتٍ وأصواتًا علِقَتْ بينَ جُدرانِها، وتُعشِّشُ في حناياها. يَستحضِرُ وجوهًا وملامِحَ لم ترحلْ وإن غابَتْ؛ اختبأت بينَ طُرُقاتِ الأيَّامِ، بين خُطوطِ الضَّوْءِ الخافتِ، وفي زوايا القلبِ، حيثُ لا قُدرةَ لأحدٍ على منعِ وصولِها، فيه ومَعَها تتلألأ ذكرياتُنا القديمة.
في أيلول..أشعةُ النَّهارِ تتخلَّلُ النَّوافذَ المهترئة، توقِظُ رائحةَ القهوةِ الأولى، وتَهمِسُ للحنينِ الذي يَفيضُ بأسرارِه على خاطِرنا المكلومِ، كأنَّ كلَّ همسةٍ صغيرةٍ تحملُ عمرًا كاملاً مِنَ الاشتياق.
كلُّ خُطوةٍ على الأرضِ المُبتلَّةِ بأوراقٍ صفراءَ، ورائحةِ الأرضِ بعدَ المطر، ممزوجةٍ بعبَقِ الأيَّامِ الخاليات، تستدعي ما تسرَّبَ من بين أيدينا من الزَّمنِ الجميلِ؛ – زَمَنِ الأحِبَّةِ -، وانسحبَ منّا على غفلةٍ…
وكأنَّ أيلول بتثاقُلِه وبطئه المَهيب، يُعيدُ ترتيبَ اللَّحظات، ويتركُ لنا ظِلالَها الهادئةَ تعبثُ فينا حَدَّ السَّكَنِ، وتجولُ بينَ الضُّلوعِ دونَ قيدٍ أو شرط، تَتسلَّلُ إلى وجدانِنا برِقَّةٍ، وتغفو على صُدورِنا كما لو أنَّها لم تغادِرْنا أبدًا.
أيلول؛ يُعلِّمنا الصَّبرَ على الغياب، ويُؤمِّلنا بالمواعيدِ المُؤجَّلةِ، يبوحُ لنا بأسرارِ العيونِ التي سنلتقي بها، كأنَّ الزَّمانَ فيه لا يَمضي ليُوقِظَ أحلامَنا. يأتي لينبِشَ ما تَضِجُّ به قلوبِنا، ويخبرَنا بأنَّ كلَّ وداعٍ ما فَتِئ يحملُ وَجعًا لا يفارقُنا، وأنَّ كلَّ حُضورٍ ما زالَ حَيًّا بطَعمِ الفَقْدِ فينا.
وفي المساءِ، عندما يندمجُ نُورُ المصابيحِ بخُفوتِ السَّماء، نُدرِكَ أنَّ كلَّ فراقٍ حقيقةٌ تُنكِرُها أنفسُنا في اللَّاوعي منها، سرقَ منَّا كُلَّنا أو بعضَنا ومَضَى من غَيرِ رَجعةٍ، وأنَّ كلِّ حضورٍ تلبَّسَ طَيْفَهُ يبقى قارًّا في أعماقِنا.
أيلول؛ صديقٌ قديمٌ يَحِلُّ ضَيفًا علينا كلَّ عامٍ، صامتًا، شفيفًا، ممتلئًا بالاشتياقِ والتَّحنانِ إلى ما كانَ، وما يمكنُ أنْ يكونَ ولا يكون. يفتحُ علينا أبوابًا كُنَّا نَظنُّ أنَّنا أغلَقْناها، أو اجتهدنا في إغلاقِها، وفي هَدأةِ لياليهِ الباردةِ تثورُ بِنا ثائرةُ أحلامِنا التي ما زلنا نرجو لها أنْ تُبعَثَ من جديدٍ.. ولكن؛ هيهاتَ.. هيهات!
ويبقى أيلول؛
شهرَ العَودةِ
والبدايات
شهرُ الخريفِ
والاستراحات
شهرَ الوداعِ
والنِّهايات
شهرَ الحَنينِ والشَّوقِ..
والذِّكريات
صوتَ فيروز
و”رِجِعْ أيلول”..
وصدى الأغنيات
د عبد الله عياصرة
وأديبٌ، وأكاديميٌّ وشاعر أردني
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





