سلسلة_مشروع_مدارات_التَّحرير
“مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ – للدُّكتور عبداللّٰه عياصرة”
المدار_الرَّابع:
تَحريرُ_المَعنى_من_أَسْرِ_الصُّورةِ
“في إعادةِ تأسيسِ العقلانيَّةِ العربيَّةِ بينَ التُّراثِ وأفُقِ العَدالةِ”
__
تمهيد
ليست أزمةُ الفكرِ العربيِّ في نصوصِه الكبرى، ولا في تراثِه من حيثُ هو رصيدٌ تاريخيٌّ ممتدٌّ، بقدرِ ما هي في طرائقِ تمثُّلِه وقراءتِه في الوعي؛ إذ اختلطت التَّمثُّلاتُ بالحقيقةِ، والتَّأويلاتُ بالنُّصوصِ، حتَّى استحالت صورًا تاريخيَّةً مخصوصةً كأنَّها التَّعبيرُ النِّهائيُّ عن كُنْهِ التُّراثِ ذاتِه. وحين يتحوَّلُ الدِّينُ إلى نَمطٍ مُغلَقٍ في الوعيِ، يضيقُ أفقُه الأخلاقيُّ، وتغدو الحاجةُ ماسَّةً إلى عقلانيَّةٍ نقديَّةٍ تعيدُ وصلَ الحُكمِ بغايتِهِ، والتُّراثِ بقيمةِ العدالةِ العُليا.
ليس الجدلُ الدَّائرُ اليومَ حولَ الدَّولةِ المدنيَّةِ، أو العَلمانيَّةِ، أو الدِّيموقراطيَّةِ، أو الحريَّةِ، أو العدالةِ، اختلافًا سياسيًّا عابرًا في ترتيبِ المفاهيمِ؛ إنَّه، في عمقِه، صراعٌ بين أنماطٍ متباينةٍ من التَّأويلِ. فالمفاهيمُ لا تتنازعُ بذاتِها، لكنَّها تتنازعُ القراءاتِ التي تؤسِّسُها وتمنحُها مشروعيَّتَها الرَّمزيَّةَ داخلَ المجالِ الثَّقافيِّ.
ومن هنا؛ يتبدَّى أنَّ الأزمةَ لا تكمنُ في “التُّراثِ” باعتبارِه ماضيًا مُنجَزًا، وإنَّما في البنيةِ الذِّهنيَّةِ التي تقيمُ علاقةً مأزومةً بكليهما، فكلاهما يتعاملُ مع التُّراثِ من حيثُ هو مِعمارٌ مكتملٌ ثابتٌ، لا مجالًا مفتوحًا للتَّأويلِ.
إنَّ سؤالَ التُّراثِ لم يعُدْ سؤالَ مشروعيّةٍ، بل سؤالَ منهجيَّةٍ:
كيف نقرأُ؟ وبأيِّ وعيٍ إبستمولوجيٍّ؟
فالتَّأويلُ ليس نشاطًا لاحقًا للنَّصِّ، إنَّه الفعلُ المؤسِّسُ لمعناه. وكلُّ قراءةٍ هي إعادةُ إنتاجٍ للنَّصِّ داخلَ سياقٍ بعَينِهِ. فإذا كان ذلك الأفُقُ مُنغلِقًا جاءت القراءةُ مُنغلِقةً، وإذا اتَّسعَ انفتحَ النَّصُّ على إمكاناتٍ جديدةٍ من الفَهمِ والمعنى.
أزمةُ التَّمثُّلِ: حين تختلطُ الصُّورةُ بالنَّصِّ
تاريخُ الإسلامِ – كسائرِ الأديانِ – ليس تاريخَ نصوصٍ حسبُ، وإنَّما تاريخُ تمثُّلاتٍ وصورٍ ذهنيَّةٍ تشكَّلت عبرَ الزَّمنِ. وحينَ تستقرُّ صورةٌ قارَّةٌ للدِّينِ في الوعيِ الجَمعيِّ، تتراءى وكأنَّها الدِّينُ ذاتُه. وهنا تنشأُ المُفارَقةُ؛ إذ قد تتحوَّلُ قراءةٌ تاريخيَّةٌ معيَّنةٌ إلى معيارٍ مُطلَقٍ، وترتقي في الوعيِ العامِّ إلى مقامِ الحقيقةِ النهائيَّةِ.
إنَّ ما يمكنُ تسميتُه بـ “الصُّورةِ الطَّاردةِ” لا يصدرُ عن لُبَابِ النُّصوصِ بقدرِ ما يصدرُ عن اختزالِها داخلَ إطارٍ تأويليٍّ ضيِّقٍ يفصلُ الوسائلَ عن غاياتِها، ويحوِّلُ الجزئيَّ إلى كليٍّ. ويظهرُ الخَللُ هنا في عدمِ التَّمييزِ بينَ أصَالَةِ المَقصدِ وتاريخيَّةِ الوسيلةِ؛ إذ إنَّ تجميدَ الأدواتِ التي استُخدمتْ تاريخيًّا؛ لتحقيقِ العدلِ قد أصبح حجابًا يَحولُ دونَ رؤيةِ مرامي الوحي في سياقاتِها المعاصِرةِ.
وعندما يُختزَلُ الدِّينُ في منظومةٍ من الأحكامِ المجرَّدةِ، يَفقِدُ طاقتَه الأخلاقيَّةَ والإنسانيَّةَ، ويَتحوَّلُ من فضاءٍ للرَّحمةِ والعدلِ إلى أداةٍ للانغلاقِ والمُمانَعةِ الثَّقافيَّةِ.
المفهومُ المحوريُّ: بين الصُّورةِ والمقصِدِ
يقومُ الإشكالُ المركزيُّ في الفكرِ الإسلاميِّ المعاصرِ على توتُّرٍ عميقٍ بينَ الرَّسْمِ والمَنْزَعِ. فالرَّسْمُ هو التَّمثُّلُ التَّاريخيُّ الذي يتشكَّلُ في الوعيِ عبرَ قراءاتٍ وتطبيقاتٍ وسياقاتٍ مُتراكِمةٍ، أمَّا المقصِدُ فهو الغايةُ القيميَّةُ الكليَّةُ التي يتَّجهُ إليها التَّشريعُ ويستهدفُ تحقيقَها في حياةِ الإنسانِ والعُمرانِ.
وحينَ تختلطُ الصُّورةُ بالمُبتغَى تتحوَّلُ الوسائلُ التَّاريخيَّةُ إلى حقائقَ مُطلَقةٍ، ويُحجَبُ البعدُ القيميُّ الكليُّ للنُّصوصِ خلفَ أشكالِها الظَّرفيَّةِ. ومن هنا؛ تصبحُ مهمَّةُ العقلِ النَّقديِّ تحريرَ المَغزَى من أسْرِ الصُّورةِ، لا عبرَ القطيعةِ مع التُّراثِ، وإنَّما عبرَ إعادةِ قراءتِه في ضَوْءِ غاياتِه الكبرى.
إنَّ تحريرَ المَنحَى المقاصِديِّ لا يعني إلغاءَ التُّراثِ، بل إعادةَ فتحِه بصفتِه مَشرعًا للفَهمِ، بحيثُ تُستعادُ القيمُ التي قامَ عليها: العدلُ، والرَّحمةُ، وصيانةُ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، باعتبارِها جَوْهرَ الرِّسالةِ ومركزَها الأخلاقيَّ.
المقاصِدُ: من تقنيةٍ فقهيَّةٍ إلى مبدأ معياريٍّ
في هذا السِّياقِ تبرزُ نظريَّةُ المقاصِدِ لا بوصفِها آليَّةً تقنيَّةً لضبطِ الاستنباطِ الفقهيِّ حسبُ، وإنَّما باعتبارِها إعلانًا بأنَّ وراءَ الحُكمِ غايةً، وخَلفَ التَّشريعِ رؤيةً للإنسانِ والعُمرانِ.
لقد نشأتِ المقاصِدُ في حقلِ أصولِ الفقهِ؛ لضبطِ العلاقةِ بين الجزئيِّ والكليِّ، غيرَ أنَّ اللَّحظةَ الفكريَّةَ الرَّاهنةَ تفرضُ إعادةَ قراءتِها بكونِها مبدأً معياريًّا حاكمًا في فهمِ الدِّينِ وموقعِه في الحياةِ الإنسانيَّةِ.
فالثَّابتُ في مَنطقِ هذا المَسلَكِ ليس شكلَ الحُكمِ، وإنَّما روحُه.
والمتغيِّرُ ليس عبثَ التَّاريخِ، وإنَّما طرائقُ تحقيقِ الغايةِ في سياقاتِها المتجدِّدةِ.
بهذا المعنى يمكنُ فَهمُ المقاصِدِ بصفتِها نواةً لنظريَّةِ عدالةٍ داخلَ عالَمٍ إيمانيٍّ تستخرجُها من رُوحِ النَّصِّ الكليَّةِ.
فإذا كان مَطلَبُ الشَّريعةِ حفظَ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، وصَونَ النَّفسِ، وترسيخَ العدلِ، فإنَّ كلَّ ممارسةٍ تنتهي إلى نقيضِ هذه القيمِ تعلنُ انفصالَها عن أصلِهَا، وإن استندت إلى ظاهرِ النصٍّ.
تحريرُ الإسلامِ من صورتِه
في هذا الإطارِ يكتسبُ مشروعُ المفكِّرِ العربيِّ الأردنيِّ الفيلسوفِ (فهمي جدعان) أهميَّتَه الفكريَّةَ؛ إذ سعى في كتابِه “تحريرُ الإسلامِ ورسائلُ زمنِ التَّحوُّلاتِ” إلى نقلِ النِّقاشِ من الدِّفاعِ عن الإسلامِ إلى مُساءلةِ صورتِه في الوعيِ المُعاصِرِ.
لم يكن رِهانُ هذا المشروعِ إثباتَ صلاحيَّةِ الإسلامِ للعصرِ بقدرِ ما كان محاولةً للكشفِ عن أنَّ الصُّورةَ الصِداميَّةَ التي تلبَّسَتْه ليست قَدَرًا محتومًا، وإنَّما نتاجُ بنيةٍ تأويليَّةٍ قابلةٍ للنَّقدِ والمُراجَعةِ.
إنَّ “تحريرَ الإسلامِ” في هذا السِّياقِ لا يعني إخضاعَه لمعاييرَ خارجيَّةٍ، وإنَّما تحريرُه من القراءاتِ التي صادرَتْ قَوامَهُ الأخلاقيَّ الأصيلَ، وحوَّلَتْه إلى نظامِ ضبطٍ اجتماعيٍّ بدلَ أن يكونَ أفقًا للهدايةِ والمَعنى.
وهكذا ينتقلُ الخطابُ من منطقِ الدِّفاعِ إلى منطقِ النَّقدِ، ومن تسويغِ الماضي إلى مُساءلةِ الحاضرِ.
من الخلاصِ إلى المسؤوليَّةِ
سيطرت فكرةُ “الخلاصِ” طويلًا على المِخيالِ الثَّقافيِّ العربيِّ؛ بحثًا عن صيغةٍ نهائيَّةٍ تُنهي التَّوتُّرَ بينَ الدِّينِ والكَون. غيرَ أنَّ التَّاريخَ لا يُدارُ بالحلولِ السِّحريَّةِ، وإنَّما بالمُمارَسةِ النَّقديَّةِ المُستمِرَّةِ.
والمقاصِدُ، في هذا البابِ، لا تقدِّمُ جوابًا جاهزًا بقدرِ ما تعيدُ ترتيبَ السُّؤالِ:
كيف يتحقَّقُ العدلُ؟
وكيف تُصانُ الكرامةُ الإنسانيَّةُ؟
وكيف يتحوَّلُ الدِّينُ إلى طاقةِ بناءٍ في الحياةِ لا إلى أداةِ صراعٍ؟
إنَّ العقلانيَّةَ النقديَّةَ التي يحتاجُها الفكرُ العربيُّ اليومَ عقلانيَّةٌ قيميَّةٌ تُحمِّلُ الإنسانَ مسؤوليَّةَ اكتشافِ المُرادِ وتنزيلِه في الواقعِ، وتعيدُ وصلَ النَّصِّ بِبَواعِثِهِ، والحُكمِ بغاياتِه، والهُويَّةِ بالإنسانِ.
وحينَ يستعيدُ الوعيُ العربيُّ هذه القدرةَ، هناك فقط، يتحوَّلُ التَّراثُ من سلطةٍ فوقَ التَّاريخِ إلى طاقةٍ حيَّةٍ داخلَه، ويتحوَّلُ الدِّينُ من تَمثُّلٍ طاردٍ إلى معنًى جاذبٍ، ومن نظامٍ مُغلَقٍ إلى عالَمٍ إنسانيٍّ رحيمٍ.
__
دكتور عبدالله عياصرة
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




