د عبد الله عياصرة يكتب : المَدارُ الثَّاني .. ​فلسفةُ التَّجرُّدِ

سلسلة_مشروع_مدارات_التَّحرير | “مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ”
المدار_الثَّاني:
​فلسفةُ_التَّجرُّدِ:
“حينَ تكونُ الذَّاتُ سِياقًا لنفسِها، فإنَّها لا تَستمِدُّ معناها من الإطارِ، بل تَمنحُ الإطارَ معناهُ”.
​ ​ليست القِيمةُ صفةً تُلحَقُ بالإنسانِ من خارجِهِ كالثِّيابِ المُستعارةِ التي تُدفِّئُ الجسدَ لكنَّها لا تنتمي لجلدِهِ، ولا هي اعترافٌ يُسكَبُ عليه من مُحيطِهِ ليملأَ فراغًا داخلِيًّا؛ إنَّما تتبدَّى في كيفيَّةِ قيامِهِ بذاتِهِ حينَ يُجرَّدُ من الوسائطِ. ​في زَمنٍ يُعادُ فيه تعريفُ القيمةِ؛ إذ يَطْغى “الظُّهورُ” على “الوُجودِ”، يَبرُزُ التَّحدِّي الأكبرُ: هل نحنُ نَملِكُ قيمتَنا أم أَنَّنا فقط نستأجِرُها من سياقاتِنا؟
​إنَّ كُلَّ ما يتأَسَّسُ على الامتدادِ الخارجِيِّ قابِلٌ للانكماشِ، وكُلَّ ما يقومُ على التَّوريةِ مُعرَّضٌ للانكشافِ؛ لأنَّ ما يقومُ على شرطٍ خارجٍ عنه، يَظلُّ مُعلَّقًا بذلك الشَّرطِ وُجودًا وعَدَمًا.
ومن هنا؛ ينبثقُ التَّمييزُ الجوهرِيُّ بينَ قيمةٍ تُستعارُ من السِّياقِ وقيمةٍ تتأَسَّسُ في بِنيةِ الذَّاتِ ذاتِها؛ بينَ كائنٍ تَحمِلُهُ الظُّروفُ، وكائنٍ يَحمِلُ ظُروفَهُ بقُوَّةِ مركزِهِ الدَّاخِلِيِّ.
​أَوَّلًا: بِنيةُ القيمةِ المُستعارةِ: ​تنشأُ القيمةُ المُستعارةُ في الحيِّزِ الفاصلِ بينَ الذَّاتِ والاعترافِ الاجتماعِيِّ. فهي لا تَقُومُ بوصفِها خاصِّيَّةً داخِلِيَّةً، بل بوصفِها أَثَرًا لانعكاسٍ خارجِيٍّ؛ إذْ تُقاسُ الذَّاتُ بما يُسلَّطُ عليها من ضَوْءٍ رمزِيٍّ (مَنصِب، ثروة، شُهرَة)، لا بما يَصدُرُ عنها من إِشعاعٍ جوهرِيٍّ. ​
حينَ تَتَّصِلُ الذَّاتُ بالقُوَّةِ أَو ما يُميِّزُها، تَتحوَّلُ القيمةُ إِلى بِنيةٍ مشروطةٍ: ما دامَتْ شبكةُ النُّفوذِ قائمةً، فإِنَّ الذَّاتُ تبدو مُتماسِكةً؛ وإِذا انحلَّتِ الشَّبكةُ، انكشَفَ أَنَّ ذاكَ التَّماسُكَ لم يكن إِلَّا صَدًى لبِنيةٍ خارجيَّةٍ كانت تَحمِلُهُ.
​ثانيًا: اختبارُ التَّجرُّدِ: لحظةُ انكشافِ البِنيةِ: ​ثَمَّةَ لحظةٌ فاصِلةٌ لا تَعترِفُ بالأَقنعةِ، وهي “لحظةُ التَّجرُّدِ”. حينَ يُنزَعُ عن الإِنسانِ ما كان يَستنِدُ إِليه من أَلقابٍ وامتيازاتٍ، لا يُسلَبُ منه شَيءٌ في الحقيقةِ، بل يُكشَفُ عمَّا كان قائمًا فيه أَصلًا. ​
التَّجرُّدُ لا يُنشِئُ الجوهرَ، بل يُظهِرُهُ؛ ولا يَهدِمُ القيمةَ، بل يختبِرُ شَرطَ قيامِها. ما يَتداعى تحتَ وطأَةِ التَّجريدِ لم يكن جوهرًا قَطُّ، بل كان اعتمادًا اتِّكائيًّا. أَمَّا ما يبقى، فهو ما لم يكن مُحتاجًا إِلى سَندٍ خارِجِيٍّ لينهضَ.
​ثالثًا: القيمةُ الأَصيلةُ:
تَمركُزُ الذَّاتِ في ذاتِها: ​إِذا كانت القيمةُ المُستعارةُ تقومُ على علاقةِ تَبعيَّةٍ، فإِنَّ القيمةَ الأَصيلةَ تقومُ على تَمركُزِ الذَّاتِ في ذاتِها. إِنَّها قُدرةٌ داخِليَّةٌ على أَنْ يكونَ الإِنسانُ مَرجِعًا لنفسِهِ، دُونَ أَنْ ينفصلَ عن العالَمِ. ​وتتجلَّى هذه الأَصالةُ في ثلاثةِ مُستوياتٍ:
• ​المُستوى الوُجودِيُّ: يَتجلَّى في قُدرةِ الإِنسانِ على مُواجَهةِ العَراءِ دُونَ انهيارٍ؛ أَلَّا يَختلِطَ حُضورُهُ بزينةِ حُضورِهِ، وأَنْ يبقى قائمًا بذاتِهِ حينَ تَتداعى الامتداداتُ.
• ​المُسْتوى المعرِفِيُّ: يَتجسَّدُ فِي امتلاكِ رُؤيةٍ نقدِيَّةٍ للذَّاتِ والعالَمِ؛ إِذْ لا تكونُ الذَّاتُ أَسيرةَ صورةٍ صَنعها الآخَرونَ عنها، بل واعيةً بحُدودِها وإِمكاناتِها.
•​ المُستوى الأَخلاقِيُّ:
يَتمثَّلُ في استقامةٍ لا تَتبدَّلُ بتبدُّلِ الموقعِ؛ فالقيمةُ الأَصيلةُ لا تُقاسُ بمقدارِ النُّفوذِ، بل بثباتِ الموقفِ حينَ يَنتفِي النُّفوذُ، وأَلَّا يُعادَ تشكيلُها بتَغيُّرِ المَناخِ. ​
رابعًا: في النَّتيجةِ: ما يبقى حينَ يَرحلُ كُلُّ شَيءٍ: ​إِنَّ المعيارَ الحقيقيَّ للقيمةِ ليس فيما يُقالُ عن الإِنسانِ في حُضورِهِ، بل فيما يبقى منه في غِيابِهِ؛ وليس فيما يَحمِلُهُ من مَزِيَّةٍ عارضةٍ، بل فيما يَحمِلُهُ من اتِّساقٍ داخِلِيٍّ. ​حِينَ يَرحَلُ كُلُّ شَيءٍ قابلٍ للزَّوالِ، يبقى ما كان قائمًا بذاتِهِ مُنذُ البدايةِ؛ وهُناكَ فقط يُقاسُ الفَرقُ بينَ مَنْ كان ظِلًّا لسياقِهِ، ومَنْ كان سياقًا لذاتِهِ. وفي لحظةِ التَّجرُّدِ الأخيرةِ — حيثُ لا يبقى إلا ما كان قائمًا بذاتِهِ — هناك فقط يُعرَف مَنْ كان يستعيرُ وجودَهُ، ومَنْ كان وجودًا يُعيرُ المعنى لغيرِهِ

باحثٌ وأكاديميٌّ أردنيٌّ، متخصِّصٌ في لسانيَّاتِ المُصطلحِ وفقه اللُّغةِ العربيَّةِ. يَشتغلُ على مشروعِه الحضاريِّ الفلسفيِّ، والنَّقديِّ الثَّقافِيِّ “مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ”؛ إذْ يندرجُ “تواشُجُ المعنى” في سياقٍ إبستمولوجيٍّ مُعاصرٍ بوصفه مقاربةً أنطولوجيةً تكامليَّةً تسعى إلى إعادةِ وَصلِ العلاقةِ بين الفكرِ الفلسفيِّ والشُّهودِ العِرفانيِّ.

عضو اتحاد الكتاب الأردنيين

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى