بوبكر عكرمي يكتب .. هل تستعيد السلطة الرابعة دورها؟

الصحافة التونسية بعد الانتخابات النقابية

 

اختتمت أشغال المؤتمر السابع للنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والمؤتمر التاسع والعشرين للمهنة، المنعقدين بتونس العاصمة يومي 10 و11 أكتوبر 2026، بانتخاب المكتب التنفيذي للفترة النيابية 2026-2029، في محطة نقابية تتجاوز دلالاتها مجرد التنافس على المواقع والمسؤوليات، لتطرح من جديد سؤال الصحافة ومكانتها في تونس وفي العالم العربي.

وقد أفرزت الانتخابات قائمة تضم تسعة أعضاء، تصدّرها زياد دبار بـ336 صوتاً، تلته جيهان اللواتي بـ299 صوتاً، ثم أمين الضبايبي بـ290 صوتاً، فيما حازت سوار عمايدية 263 صوتاً، إلى جانب بقية الأعضاء الذين نالوا ثقة زملائهم. وهي تركيبة تجمع بين الخبرة النقابية والمهنية، وتضع أمام المكتب التنفيذي الجديد مسؤولية الاستجابة لتحديات مهنة تعيش تحولات عميقة.

وفي هذا السياق، يبرز اسم الصحفية سوار عمايدية، الفائزة بعضوية المكتب التنفيذي، باعتبارها من الوجوه الصحفية التي واكبت التحركات الميدانية والاجتماعية بمدينة قفصة، هذه المدينة التي ظل شارعها شاهداً على مطالب الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فقد حضرت في تغطية التحركات المساندة للقضية الفلسطينية، والوقفات المطالبة بإطلاق سراح معتقلي أسطول الصمود، إلى جانب تحركات المعطلين عن العمل ومختلف الحركات الاجتماعية التي عبّرت عن مشاغل أبناء الجهة وانتظاراتهم.

ويكتسب هذا الحضور أهمية خاصة لأنه يعبّر عن صحافة تقترب من الناس وتنقل أصواتهم، ولا تكتفي بمتابعة الأحداث من بعيد. ولعل الرهان اليوم هو أن تتحول هذه الخبرة الميدانية إلى إضافة حقيقية للعمل النقابي، بما يعزز مكانة الصحافة المستقلة ويمنح القضايا الاجتماعية والإنسانية ما تستحقه من اهتمام.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمن فاز في الانتخابات وحده، بل بما يمكن أن تقدمه المجموعة الجديدة في مرحلة تتزايد فيها التحديات التي تواجه الصحافة والإعلام، وتتراجع فيها قدرة المنابر الإعلامية على التأثير في النقاش العام وصناعة الوعي الجماعي.

لقد منحت الثورات العربية شعوب المنطقة أملاً واسعاً في بناء فضاء إعلامي حر، تكون فيه الصحافة مرآة للمجتمع، وصوتاً للمهمشين، وأداة لمراقبة السلطة وكشف التجاوزات. غير أن السنوات اللاحقة شهدت انتكاسات متتالية، تفاوتت أشكالها من بلد إلى آخر، لكنها التقت في تضييق المجال العام وإضعاف استقلالية المؤسسات الإعلامية، وتحويل جزء من العمل الصحفي إلى مجرد متابعة للأحداث بدل تحليلها ومساءلة صانعيها.

وفي تونس، حيث ارتبطت حرية الصحافة بمكاسب الثورة وتطلعات أجيال كاملة إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، تبدو الحاجة اليوم ملحة إلى استعادة الدور الحقيقي للإعلام. فحرية الصحافة ليست امتيازاً مهنياً يخص الصحفيين وحدهم، بل هي حق للمجتمع في المعرفة، وشرط أساسي لمحاسبة المسؤولين، وفضاء يسمح بتعدد الآراء ومناقشة الخيارات التي تحدد مصير البلاد.
إن المثقفين والنخب والفاعلين الاجتماعيين لا ينتظرون من النقابة الجديدة الاكتفاء بالدفاع عن الحقوق المهنية والمادية للصحفيين، على أهميتها، بل يتطلعون أيضاً إلى دور نقابي مستقل يدافع عن حرية التعبير، ويرفض إخضاع المؤسسات الإعلامية لأي سلطة سياسية أو مالية، ويضمن حق الصحفي في الوصول إلى المعلومة ونقلها دون خوف أو إملاءات.

ولا يقل دور الصحافة أهمية على المستوى العربي، حيث تتواصل الحروب والأزمات، وتتسع الفجوة بين الشعوب ووسائل الإعلام التي يفترض أن تنقل معاناتها وتدافع عن حقها في الحرية والكرامة. وتظل القضية الفلسطينية، بما تشهده من معاناة إنسانية متواصلة، اختباراً حقيقياً لمصداقية الصحافة وقدرتها على نقل الحقيقة بعيداً عن الانتقائية والمعايير المزدوجة.

فالصحافة التي تفقد استقلاليتها تفقد تدريجياً ثقة جمهورها، والصحافة التي تتخلى عن مساءلة السلطة تتحول إلى مجرد ناقل لخطابها. أما الصحافة التي تنحاز إلى الحقيقة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فإنها تستعيد وظيفتها الأساسية باعتبارها سلطة رقابة ومساءلة، لا مجرد سلطة رمزية يطلق عليها اسم السلطة الرابعة.

إن المرحلة المقبلة في تونس والمنطقة العربية ليست مرحلة عادية، بل مرحلة قد تحدد ملامح المستقبل السياسي والاجتماعي لأجيال قادمة. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الحاجة إلى إعلام مهني مستقل وشجاع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
لذلك، فإن الرهان على المكتب التنفيذي الجديد لا يتعلق بالأسماء وحدها، ولا بتاريخ أصحابها النقابي، بل بمدى قدرتهم على تحويل الثقة التي حصلوا عليها إلى فعل ملموس، يعيد الاعتبار للمهنة ويحصّن استقلاليتها ويفتح المنابر أمام قضايا الناس وهمومهم.

قد تكون هذه المجموعة قديمة جديدة، لكن الحكم الحقيقي عليها سيكون بما ستنجزه. فالمطلوب اليوم ليس مجرد إدارة الشأن النقابي، وإنما المساهمة في استعادة صحافة تؤمن بأن الحقيقة ليست وجهة نظر السلطة، وأن الدفاع عن حرية التعبير جزء لا يتجزأ من الدفاع عن حرية المجتمع نفسه.

 

بوبكر عكرمي

كاتب تونسي

 

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى