الأديب والشاعر الجزائري وليد مهدي يكتب .. مَحضرُ غِيَاب

استيقظتُ ذاتَ ليلٍ
فوجدتُ سريري
واقفًا في منتصفِ الغرفة
يُحدّقُ بي.

قال:
لقد نمتَ طويلًا،
لكنَّكَ لم تَغِب.

كانَ الوقتُ
معلّقًا من عنقه
في مسمارٍ على الجدار،
والساعاتُ
تعضُّ عقاربَها
كي لا تصلَ إلى الغد.

فتحتُ النافذة،
فدخلَ شارعٌ كاملٌ
إلى غرفتي.

دخلتِ الأرصفة،
دخلتِ المصابيح،
دخلَ رجلٌ يجرُّ ظِلَّهُ
ويبحثُ عن جسده
منذ أربعين عامًا.

قلتُ له:
ماذا تريد؟
قال:
أريدُ أن أتذكّر
من كنتُ
قبل أن أتعلّمَ الإجابة
ثم مضى.

جلستُ إلى الطاولة،
وضعتُ رأسي
فوق ورقةٍ بيضاء
فاضت الورقةُ
بالحبر.
ليس من قلمي،
بل من رأسي.

وحين حاولتُ أن أمسحَهُ
وجدتُ أنني أمسحُ
وجوهَ الذين أحببتُهم
من ذاكرتي.

تراجعتُ
تركتُ الحبرَ ينزف
فبعضُ الذاكرة
لا تُشفى بالنجاة،
بل تُشفى
حين نكفُّ عن إنقاذها.

كتبتُ: أنا بخير
فانشقَّ السطرُ
وخرجتْ منه
جنازةُ رجلٍ
يشبهني.

سألني أحدُ المشيعين: من الميت؟
قلتُ: النسخةُ التي كنتُ أقدّمها
للآخرين
كي يحبّوني
ثم مشيتُ.

في آخر المدينة
وجدتُ بابًا
لا يؤدي إلى مكان
فتحتهُ.
كان خلفه
أنا
نسخةٌ أقدم،
أكثرُ خوفًا،
وأقلُّ حكمة.

قال لي: لماذا عدتَ؟
قلتُ: لأستردَّ ما تركتُهُ هنا.
ضحكَ…
وقال: لا أحدَ يستردُّ ماضيه،
يا صديقي…
الماضي يستردُّنا
حين نظنُّ أننا تجاوزناه
وأغلق الباب.

رجعتُ إلى الليل.
كان الليلُ هذه المرّة
بلا نجوم،
لكنَّ في جيوبه
مفاتيحُ كثيرة.

أخذتُ واحدًا منها
وفتحتُ قلبي
لم أجد فيه قلبًا
وجدتُ غرفةً فارغة،
وفي وسطها
كرسيّ واحد،
وعليه
طفلٌ صغير
يكتبُ اسمي
على الرمل.

اقتربتُ منه.
قلتُ: لماذا تكتبُ اسمي؟
رفع رأسهُ وقال:
كي لا أنساه
حين أكبر.

عندها فقط
فهمتُ معنى الشيخوخة
أن يكبرَ الجسدُ
وتظلَّ روحُك
تبحثُ عن طفلٍ
كان يعرفُ الطريق.

عدتُ إلى الورقة
لم أكتبْ قصيدة
كتبتُ اسمي فقط
ثم محوتُه.

ومنذ تلك اللحظة
لم أعد أعرفُ
هل أصبحتُ حرًّا…

أم أنني
للمرّة الأولى
صرتُ بلا اسم.

 

وليد مهدي

شاعر جزائري

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى