سلسلة مشروع مدارات التَّحرير
“مداراتُ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ
المدار_الخامس:
تواشُجُ_المعنى: اتِّصالُ الفلسفةِ وإشراقُ التَّصوُّفِ (نحوَ أفُقٍ تحريريٍّ للوعي الكونيِّ)
ـــ فلسفة الوجود / إبستمولوجيا / تصوُّف معرفيٌّ
• المُلخَّص
يُقدِّم هذا المقال رؤيةً معرفيَّةً تكامليَّةً تسعى لتفكيكِ وَهم القطيعةِ التَّاريخيَّةِ بين النَّظرِ العقليِّ (الفلسفة) والكشفِ الوجدانيِّ (التَّصوُّف). وينطلق من فرضيَّةِ “التَّواشُجِ” بوصفِها حالةَ اتِّصالٍ دلاليٍّ تُعيدُ وَصلَ ما انقطَعَ بين حِكمةِ ابن رُشد ومواجيد ابن عربي، مُستنِدًا إلى مرجعيَّةٍ قرآنيَّةٍ تَجمعَ بين آياتِ الآفاقِ والأنفُسِ. ويُحلِّلُ تطوُّرَ الوعي الإنسانيِّ عبرَ ستَّةِ مداراتٍ، تبدأ من إعادةِ تعريفِ الوُجودِ، مُرورًا بنقدِ اللُّغةِ بين العبارةِ والإشارةِ، وُصولًا إلى صياغةِ أخلاقيَّاتٍ معرفيَّةٍ تربطُ بين “مقامِ الإحسانِ” والوعي الحضاريِّ.
ويَخلُصُ المقالُ إلى أنَّ الحقيقةَ ليست نقطةَ وُصولٍ جامدةً، إنَّها أفُقٌ يَتَّسعُ كلَّما انفتَحَ العقلُ على المعنى الرُّوحيِّ؛ ليصبحَ الإنسانُ “برزخًا” يَجمَعُ بين معقوليَّةِ التَّجريدِ، ومِعراجِ الشُّهودِ.
• التَّصدير:
“هل الفلسفة والتَّصوُّف وجهان للحقيقةِ نفسِها، أم طرفان متقابلان في أفُقِ الوجود؟”
يحاول هذا المقال أن يُقدِّم مقاربةً عميقةً لمسألة “تواشج المعنى” تقوم على رؤيةٍ تحريريَّةٍ للوعي الكونيِّ، تجمع بين حِكمةِ ابن رُشد ومواجيد ابن عربي؛ لتُعيدَ وَصل ما انقطع بين النَّظرِ والكشف، وبين صرامة العقل ورِقَّةِ القلب.
يقود المقال القارئ في رحلة تأمليَّةٍ تُتسعُ فيها العقول، وتتلألأ القلوب؛ لتعلنَ حقيقةً مركزيَّةً: “العقل إذا انفتح على المعنى.. اتَّسعَ”.
ومن هذا المنطلق، نَستهِلُّ رحلتَنا بين النَّظرِ وإشراق الأثر؛ فنقرأ العالم في آياته الكبرى، ونقرأ أنفسَنا في مرآة الكون.
• عتبةُ الاستهلال: في مقتضى النَّظرِ وإشراق الأثر
ليس الانهمام بالوجود طارئًا على الوعي الإنسانيِّ، فهو أصل كلِّ تفكُّرٍ، ومَنبعُ كلِّ تساؤل يتجاوز ظاهر الأشياء إلى سِرِّ انتظامها في كُلٍّ لا يُستنفد.
الفلسفة محاولة لترويض هذا القلق الوجوديِّ في لغة المفهوم، والتَّصوُّفُ استجابة له في لغة الحضور.
والإشكالُ نشأ من توهُّم الاكتفاء؛ حين ظنَّ العقلُ أنّه قادرٌ على إحاطةِ الوجودِ بحدودِ البُرهانِ، وظنَّ الذَّوقُ أنّه مُستَغنٍ عن ميزانِ النَّظرِ.
غير أنَّ هذا التَّقابلَ ليس من طبيعةِ الحقيقةِ، إنَّما من حُدودِ تلقّيها؛ إذ تتوزَّعُ مساراتُ الإدراكِ بين الخارجِ والدَّاخلِ، دون أن تنفصلَ في مرجعِها.
وكما جاء في القرآنِ الكريمِ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]. فيُحيلُ تنوُّعُ مجالَي الآفاقِ والأنفُسِ إلى تعدُّدِ طرائقِ الانكشافِ، لا إلى تبايُنِ الحقائقِ؛ إذ تتكاملُ مساراتُ المعرفةِ في مرجعٍ واحدٍ، فلا يؤسِّسُ هذا التَعدُّدُ لتشظِّيها، بقدرِ ما يؤسِّسُ لوَحدةِ مرجعها.
• تأصيل الإشكال: في تاريخ القطيعة وَوَهْمِ الانفصال:
لم تكنِ القطيعةُ ضرورةً نابعةً من طبيعة المعرفة، إنَّما كانت نتيجةً حتميَّةً لتاريخ من سُوءِ الفَهمِ.
ومن هنا؛ تُبرزُ تجربةُ أبي حامد الغزالي بوصفها لحظةً كاشفةً أعادت مُساءلةَ الفلسفة من الدَّاخلِ؛ طلبًا ليقين قارٍّ يحيا في النُّفوسِ.
وعلى الضِّفَّة الأخرى، وقف ابن رُشد مُدافِعًا عن شرعيَّةِ العقل: “الحِكمةُ صاحبةُ الشَّريعةِ، والأخت الرَّضيعةُ لها”. والقطيعة لم تكن بين الحقيقةِ وطرُقِها، إنَّما بين تَصوُّراتٍ مُتصلِّبةٍ.
• المدارات السِّتَّةُ للوعي الكونيِّ:
ـــ المدار الأوَّلُ: في سؤال الوجود بين المعقول والمشهود:
الفيلسوف يسأل: “ما الوُجودُ؟” بوصفه موضوعًا للفَهمِ، بينما العارفُ يتساءل: “كيف يَتجلَّى الوُجودُ؟” بوصفه أفُقًا للحضور.
وهنا يَخرجُ علينا ابن عربي؛ إذ يقول: “الوجودُ بحرٌ لا ساحلَ له”، فالعقل يضبط والكشف يوسِّعُ. أمَّا “ديكارت” فأوقَعَ الوُجودَ في تبعيَّةِ الفكر، و”سبينوزا” حاول استعادة الوَحدةِ عقلانيًّا، بينما نَقلَ ابن عربي الإشكال إلى مستوى التجلِّي؛ فالإنسان ـــ في منظورِهِ ـــ مرآةٌ تعكسُ الكَون.
ـــ المدار الثَّاني: في جَدِلِ الحضور والغياب:
الحقيقة لا تُمتلَك ولا تُحتكَر، فالفلسفة تراهن على دقَّةِ العبارة، والتَّصوُّف على كثافة الإشارة. وبين العبارةِ التي تُحكِمُ القول، والإشارة التي تُكثِّف المعنى، تظلُّ اللُّغةُ نفسُها موضعَ سؤال: أهي وعاءُ الحقيقةِ أم حدُّها؟
وهنا يرى مارتن هايدغر أنَّ “اللُّغةَ بيت الوجود”؛ غير أنَّ هذا البيتَ لا يَكتمِلُ، فاللُّغة لا تَقصُرُ حين تَعجز، ولكنَّها تُوهِمنا أنّها اكتفت.
ـــ المدار الثَّالث: في إعادة تعريف العقل:
العقلُ ليس جوهرًا ثابتًا، إنَّه بنية تتَّسعُ أو تضيق. إذا حُصِرَ في القياس ضاق، وإذا انفتح على المعنى اتَّسَعَ.
أمَّا التَّصوُّفُ، فيُعيدُ فتح الوجود بوصفه مجالًا للتَّجلِّي، ناقدًا للاختزال الماديِّ الذي يُحوِّلُ الوجود لموضوع استهلاك.
ـــ المدار الرَّابع: في أخلاقيَّاتِ المعرفةِ:
المعرفةُ مسؤوليَّةٌ وجوديَّةٌ. ففي الحديث النَّبويِّ: “أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تَراهُ..” يَتجلَّى “مقامُ الإحسانِ” كنقطة التقاء؛ إذ يتكامل العقلُ والذَّوقُ في أفُقٍ واحدٍ.
ـــ المدار الخامس: في الإنسان بوصفه بَرزخًا:
الإنسان؛ تواشُجٌ بين المحدود واللامحدود، بين التُّرابِ والنَّفخة. هو النُّقطةُ التي يلتقي فيها مِعراجُ الرُّوحِ بصرامة الفكر.
ـــ المدار السَّادسُ: في أفُقِ الحضارة ومعنى التَّحرير:
الحضارة القائمة على العقل وحدَه تفقد معناها، والتي تقوم على الوجدان وحدَه تفقد نظامها. ولا سبيل للتَّوازنِ إلا بإعادة وَصل ما انقطع.
• الخاتمة: في اتَّساعِ المعنى، واستئناف الرِّحلة:
ليست الحقيقة مُجرَّدَ نقطةِ وُصولٍ حَسبُ، إنَّها أفُقٌ لا ينتهي انكشافُهُ.
الفلسفة تمنحُنا أدوات السُّؤال، والتَّصوُّف يمنحنا شجاعة العيش داخلَه. وتواشُجُ المعنى أفُقٌ جامعٌ؛ إذ يلتقي العقل والرُّوح في رحلة لا تنتهي.
_________________
• الهوامش والمراجع:
1. الغزالي، أبي حامد. المُنقِذ من الضَّلال. دار الفكر العربي، بيروت، ط1، 1998.
(تقديمٌ لمراحل إعادة التَّفكير في الفلسفة الإسلاميَّةِ وشرحها، دراسة كلاسيكيَّة لردِّ الغزالي على العقلانيَّة).
2. ابن رُشد، أبو الوليد. فصل المقال وموصل الحكماء. تحقيق: محمد أبو زهرة، دار المعرفة، القاهرة، 1975.
(عَرضٌ منهجيٌّ للفلسفة والأدلَّةِ العقليَّةِ في إطار التَّوافُق بين العقلِ والنَّقلِ).
3. ابن عربي، محي الدِّين. الفتوحات المكيَّةُ. تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الكتب العلميَّة، بيروت، 1990.
(مصدرٌ رئيسٌ لمفاهيم التَّصوُّفِ المعرفيِّ والتَّجليَّات الوجدانيَّةِ).
4. ديكارت، رينيه. تأمُّلاتٌ ميتافيزيقيَّةٌ. ترجمة: عبد الله أحمد، دار الفكر، دمشق، 2005.
(عَرضٌ فلسفيٌّ للعقل والمنهج والوجود، تأسيسٌ للوعي النقديِّ).
5. سبينوزا، باروخ. الأخلاق. ترجمة: عادل صالح، دار المعرفة، القاهرة، 2000.
(نظرةٌ عقلانيَّةٌ للوَحدةِ الكونيَّةِ، وتحليلُ وُجودِ الإنسان عبرَ العقل)
6. هايدغر، مارتن. الكينونة والزَّمن. ترجمة: محمَّد عمران، دار الفارابي، بيروت، 1992.
__
د عبدالله عياصرة
عضو اتحاد الكتاب الأردنيين
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




