اليوم، الأول من أكتوبر، هو اليوم العالمي لكبار السن، وأعتقد أن هذه المناسبة تستحق أن نتوقف أمامها من زاوية مختلفة.
أرى أن الحديث عن كبار السن لا يجب أن يقتصر على الرعاية الصحية أو متابعة الأمراض والأدوية، رغم أهميتها، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا يحدث للإنسان نفسيًا عندما يشعر أن دوره في الحياة بدأ يتراجع؟
التقدم في العمر ليس مرضًا، وليس فقدانًا لقيمة الإنسان.
لكنها مرحلة تحمل تغيرات كثيرة؛ قد يتقاعد الإنسان من عمله، تتغير مسؤولياته، يفقد أشخاصًا كانوا جزءًا أساسيًا من حياته، وقد يحتاج إلى مساعدة لم يكن معتادًا عليها.
وهنا تبدأ الأسرة في تغيير طريقة تعاملها معه، أحيانًا بدافع الحب والخوف عليه.
لكن المشكلة أن الحماية الزائدة قد تتحول دون أن نشعر إلى رسالة مؤلمة: «أنت لم تعد قادرًا».
أرى أن الحفاظ على إحساس كبير السن بقدرته على الاختيار والمشاركة من أهم أشكال الدعم النفسي التي يمكن أن نقدمها له.
ليس مطلوبًا أن نتركه يواجه ما لا يستطيع، وليس مطلوبًا أيضًا أن نفعل كل شيء نيابة عنه.
المطلوب هو التوازن.
أن نساعده عندما يحتاج إلى المساعدة، وأن نترك له مساحة عندما يستطيع أن يقوم بالأمر بنفسه.
أن نسأله عن رأيه بدلًا من أن نقرر عنه.
وأن نسمح له بأن يشعر أن خبرته ما زالت لها قيمة.
وأعتقد أن هناك مشكلة أخرى لا نتحدث عنها بما يكفي: الوحدة النفسية.
قد يعيش كبير السن في منزل مليء بالأبناء والأحفاد، ومع ذلك يشعر بالوحدة.
فوجود الناس حولنا لا يعني بالضرورة أننا نشعر بأننا قريبون منهم.
قد تمر الأيام ولا يجد كبير السن من يجلس معه فعلًا، أو يسمع تفاصيل يومه، أو يسأله عن شيء يتجاوز «أخدت الدواء؟».
وهنا يجب أن نفرق بين الاهتمام بصحة الإنسان والاهتمام بالإنسان نفسه.
قد نهتم بقياس الضغط والسكر، وننسى أن نسأل عن مزاجه.
قد نتابع علاجه، وننسى أن نسأله إن كان يشعر بالوحدة.
قد نوفر له كل احتياجاته الأساسية، لكننا لا نمنحه الوقت.
والدقائق التي نقضيها مع كبار السن ليست وقتًا زائدًا من يومنا، وإنما جزء من الرعاية النفسية التي يحتاجون إليها.
كما أنني أؤمن أن الأسرة لا يجب أن تحمل مسؤولية الرعاية وحدها. فمقدم الرعاية نفسه قد يتعرض للإرهاق والضغط، وقد يحتاج إلى من يساعده ويدعمه.
لذلك نحتاج إلى ثقافة أسرية ومجتمعية أكثر وعيًا بالشيخوخة، لا تنظر إليها باعتبارها مرحلة انتظار، وإنما مرحلة من مراحل الحياة لها احتياجاتها وحقوقها وإمكاناتها.
كبار السن لا يحتاجون إلى الشفقة.
يحتاجون إلى الاحترام.
لا يحتاجون إلى أن نشعرهم بأنهم عبء.
يحتاجون إلى أن يشعروا بأنهم ما زالوا جزءًا من حياتنا.
ولا يحتاجون أن نعيد إليهم سنوات الشباب، وإنما أن نساعدهم على أن يعيشوا سنواتهم الحالية بصورة أكثر أمانًا وكرامة ورضا.
وفي اليوم العالمي لكبار السن، أتمنى أن نعيد النظر في بعض التفاصيل التي اعتدنا عليها.
أن نستمع أكثر.
أن نتعامل بصبر أكبر.
أن نحافظ على استقلالهم قدر الإمكان.
أن نشجعهم على التواصل والنشاط المناسب لظروفهم.
وأن ننتبه لأي تغير مستمر في حالتهم النفسية، لأن الحزن والعزلة وفقدان الاهتمام بالحياة ليست أمورًا ينبغي دائمًا أن ننسبها إلى «كبر السن» دون انتباه أو مساعدة.
وفي النهاية، أعتقد أن علاقتنا بكبار السن ليست فقط مسؤولية تجاههم، وإنما انعكاس لطريقة فهمنا للإنسان نفسه.
فالإنسان لا يفقد قيمته عندما يتقدم به العمر، ولا يتوقف احتياجه إلى الحب والتقدير لأنه أصبح كبيرًا.
وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لهم في هذا اليوم ليس هدية أو كلمة عابرة، وإنما أن نجعلهم يشعرون بأن لهم مكانًا حقيقيًا في حياتنا.
كل عام وكل كبار السن بخير، وكل عام وهم محاطون بالاحترام والحب والاحتواء الذي يستحقونه.
د إيمان ممتاز
كاتبة وباحثة مصرية
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




