دكتور عثمان السوداني يكتب .. كيف قد تُرشد التحاليل الطبية الطبيب… وكيف قد تُضلله؟

 

عندما تكذب الأرقام!

بقلم: د. عثمان السوداني

أصبحت التحاليل الطبية في السنوات الأخيرة هي البطل الرئيسي في المشهد الطبي، حتى ظن بعض المرضى – بل وبعض الممارسين – أن التشخيص أصبح مجرد مجموعة أرقام تخرج من جهاز، وأن الطبيب لم يعد أكثر من قارئ لنتائج المعمل.

وهنا تكمن المشكلة.

فالتحليل الطبي وسيلة مهمة، لكنه ليس الحقيقة المطلقة. والنتيجة المكتوبة على الورق ليست وحيًا منزلاً، بل معلومة تحتاج إلى فهم وتفسير وربط بالحالة الإكلينيكية للمريض.

خلال سنوات العمل في الباطنة والأمراض المعدية رأيت مرضى أصيبوا بذعر شديد بسبب تحليل خاطئ، وآخرين تأخر تشخيصهم لأن نتيجة معملية طبيعية خدعت الطبيب أو المريض. ورأيت من يُعالج رقمًا في ورقة بينما المرض الحقيقي يسير في اتجاه آخر تمامًا.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن:
الطبيب الجيد لا يطلب تحليلًا ليعرف ماذا يفعل، بل يطلبه ليؤكد أو ينفي ما وصل إليه من خلال التاريخ المرضي والفحص الإكلينيكي.

أما عندما يصبح التحليل هو نقطة البداية والنهاية، فإن الطب يتحول إلى عملية ميكانيكية خالية من التفكير السريري.

وإذا كان للتحاليل فضل كبير في إنقاذ الأرواح، فإن لها أيضًا حدودًا معروفة علميًا:

– هناك نتائج إيجابية كاذبة.
– وهناك نتائج سلبية كاذبة.
– وهناك أخطاء في سحب العينات وحفظها ونقلها.
– وهناك فروق بين الأجهزة والكواشف والمعامل.
– وهناك عوامل دوائية ومرضية قد تغيّر النتائج دون أن يكون المرض موجودًا أصلًا.

لكن المشكلة الأكبر ليست في التحليل نفسه، بل في “بيزنس التحاليل”.

ففي بعض الأماكن تحولت المعامل إلى مشروعات تجارية شرسة، وأصبح الهدف أحيانًا زيادة عدد الفحوصات لا زيادة دقة التشخيص. تُباع للمريض “باقات” من التحاليل لا يحتاج معظمها، ويُقنع بأن الطب الجيد يعني المزيد من الأوراق والمزيد من الأرقام.

والنتيجة؟
تكلفة أعلى، وقلق أكبر، وأحيانًا تشخيصات وهمية وعلاجات لا داعي لها.

أما الكارثة الحقيقية فهي ظهور جيل من مدعي الطب على مواقع التواصل الاجتماعي. أشخاص لم يفحصوا مريضًا، ولم يدرسوا الحالة، ولم يسمعوا الشكوى، ثم يطلبون صورة تحليل عبر الهاتف ويصدرون الأحكام وكأنهم يملكون مفاتيح التشخيص المطلق.

يتحول المريض إلى مجموعة أرقام، ويتحول الطب إلى تخمينات، ويضيع جوهر المهنة الذي يقوم على العلم والخبرة والفحص السريري.

إن المعمل الجيد شريك للطبيب، وليس بديلًا عنه.
والأجهزة الحديثة أدوات رائعة، لكنها لا تستطيع أن تسمع أنين المريض، أو تلاحظ اصفرار عينيه، أو تكتشف ما يخفيه التاريخ المرضي بين السطور.

ولهذا أقول دائمًا لطلابي وزملائي:

إذا تعارضت ورقة التحليل مع حالة المريض، فأعد التفكير في التحليل قبل أن تتهم المريض.

فالطب لم يكن يومًا أرقامًا فقط، ولن يكون.

وفي النهاية تبقى قاعدة الباطنة الخالدة:

“لا تعالج التحليل…
ولا تعالج الرقم…
بل عالج الإنسان.”

 

د عثمان السوداني

استشاري الحميات والأمراض المعدية ومناظير الجهاز الهضمي بمستشفى حميات الزقازيق

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى