أ.د/ وائل رمضان أبويوسف يكتب .. أبرز المشكلات السلوكية التي تواجه الطالب الجامعي

من قاعات المحاضرات إلى منصات التواصل الاجتماعي

من الغياب واللامبالاة داخل المدرج.. إلى التنمر الإلكتروني والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خارج الجامعة؛ تتغير ملامح المشكلات السلوكية لدى الطالب الجامعي، بينما تتسع مسؤولية الجامعة من مجرد تقديم المعرفة إلى بناء شخصية قادرة على إدارة حريتها، ووقتها، وعلاقاتها، وحضورها الرقمي.

لم تعد مشكلات الطالب الجامعي محصورة في التأخر عن المحاضرات أو عدم الالتزام باللوائح الجامعية. فمع التحول الرقمي المتسارع، أصبحت بعض السلوكيات تنتقل من الحرم الجامعي إلى الفضاء الإلكتروني، حيث يمكن لمنشور أو تعليق أو رسالة أن تتحول إلى مصدر لصراع أو تنمر أو إساءة قد تستمر آثارها خارج أسوار الجامعة.

والأهم أن الحديث عن هذه المشكلات لا يعني وصم الطالب الجامعي أو اختزال شخصيته في سلوك سلبي؛ فكثير من السلوكيات قد تكون انعكاسًا لضغوط أكاديمية أو اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية، وهو ما يجعل التعامل معها قضية تربوية قبل أن تكون قضية انضباطية.

الغياب.. عندما تتحول المحاضرة إلى خيار

يأتي ضعف الالتزام بالحضور والمواظبة في مقدمة السلوكيات التي يمكن أن تؤثر في المسار الأكاديمي للطالب. وقد تبدو المشكلة بسيطة في بدايتها: محاضرة غائبة، أو تأخر متكرر، أو الاعتماد على زملاء للحصول على المادة العلمية، لكنها قد تتحول تدريجيًا إلى نمط من الانفصال عن الحياة الأكاديمية.

وتشير دراسة تحليلية منشورة عام 2022، شملت 117 دراسة وبيانات لـ69,453 طالبًا، إلى أن الغياب كان أكثر أشكال السلوك الأكاديمي غير المنتج ارتباطًا بالأداء الأكاديمي، مع معامل ارتباط بلغ -0.48.

كما وجدت دراسة منشورة عام 2026 أن زيادة الحضور بنسبة 10% ارتبطت في عينة الدراسة بزيادة متوسطة قدرها 5.58% في درجات المقررات، مع وجود حدٍّ إحصائي للحضور قُدّر بنحو 73.7% في تلك العينة تحديدًا.

وهنا يصبح السؤال: هل الغياب مجرد مخالفة للائحة، أم علامة مبكرة على مشكلة أعمق في ارتباط الطالب بتجربته الجامعية؟

الهاتف الذكي.. شريك في التعلم أم منافس للمحاضرة؟

دخل الهاتف الذكي إلى قاعة المحاضرة باعتباره أداة للتعلم والبحث والتواصل، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن يصبح مصدرًا دائمًا للتشتت.

وفي دراسة حديثة على طلاب طب في الأردن، أفاد 64.6% من المشاركين بأن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يشتت انتباههم، وقال 65.3% إنه يقلل قدرتهم على التركيز، بينما ذكر 61.8% أنه يؤخر إنجاز مهامهم اليومية. كما أفاد أكثر من 61% باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي ثلاث ساعات أو أكثر يوميًا.

لكن الصورة ليست سلبية بالكامل؛ فقد رأى 86.7% من المشاركين في الدراسة نفسها أن دمج وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يسهل العملية التعليمية، واعتبر 85.1% أنها تساعد في العمل الجماعي.

وهذه المفارقة مهمة: المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في طريقة استخدامها ودرجة السيطرة عليها.

من التواصل إلى الاعتماد.. عندما يصبح العالم الرقمي سلوكًا قهريًا

تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية في أوروبا عن ارتفاع نسبة الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين الذين شملهم مسح HBSC من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، ضمن مسح شمل قرابة 280 ألف شاب في 44 دولة ومنطقة. وتعرّف المنظمة الاستخدام الإشكالي بأنه نمط يتضمن صعوبة التحكم في الاستخدام، وإهمال أنشطة أخرى، وظهور آثار سلبية في الحياة اليومية.

ورغم أن هذه البيانات تخص المراهقين وليست جميع طلاب الجامعات، فإنها تقدم مؤشرًا مهمًا على البيئة الرقمية التي ينتقل إليها كثير من الشباب عند دخول التعليم العالي.

أما في دراسة منشورة عام 2025 على طلاب جامعيين، فقد ارتبط الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بانخفاض الإنتاجية الأكاديمية وسوء جودة النوم.

وهكذا قد تبدأ القصة بإشعار على الهاتف أثناء المحاضرة، ثم تتحول إلى دقائق من التصفح، ثم إلى ساعات مؤجلة من الدراسة.

التنمر.. لم يعد يحتاج إلى مقعد دراسي

كان التنمر الجامعي يحدث غالبًا في مواجهة مباشرة؛ أما اليوم فقد يستطيع الطالب أن يتعرض للإساءة وهو في منزله، عبر هاتفه.

وتشير منظمة الصحة العالمية في تقريرها لعام 2024 إلى أن 15% من المراهقين في البلدان والمناطق المشمولة بمسحها تعرضوا للتنمر الإلكتروني، أي نحو واحد من كل ستة، بينما أبلغ 12% عن ممارسة التنمر الإلكتروني ضد الآخرين.

وفي دراسة تناولت 518 طالبًا جامعيًا في إحدى كليات العلوم الصحية، بحث الباحثون العلاقة بين إدمان وسائل التواصل الاجتماعي والتنمر الإلكتروني والتعرض له، وخلصوا إلى أن التنمر الإلكتروني يمثل أحد المشكلات السلوكية التي تستحق اهتمامًا خاصًا لدى طلاب الجامعة.

والخطورة هنا أن الحدود بين “المزاح” و”الإساءة” قد تصبح ضبابية، خصوصًا عندما تنتشر صورة أو تعليق أو رسالة على نطاق واسع.

اللامبالاة الأكاديمية.. المشكلة الصامتة

هناك سلوكيات لا تصنع ضجيجًا داخل المدرج، لكنها قد تكون أكثر تأثيرًا على المدى الطويل: التسويف، ضعف المشاركة، عدم إنجاز التكليفات، الاعتماد المفرط على الآخرين، وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه التعلم.

وقد أصبح هذا التحدي أكثر تعقيدًا مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي توفر للطالب إمكانات كبيرة للتعلم والبحث، لكنها تفتح في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول النزاهة الأكاديمية، وحدود الاستعانة بالأدوات الرقمية، والفرق بين استخدام التكنولوجيا لتطوير التفكير واستخدامها لاستبدال التفكير.

وتوضح مراجعة تحليلية للسلوكيات الأكاديمية غير المنتجة أن الغش والانتحال والغياب لا تؤثر فقط في الطالب، بل تمتد آثارها إلى زملائه وأعضاء هيئة التدريس والإدارة والنظام التعليمي ككل.

عندما يكون السلوك رسالة.. وليس مجرد مخالفة

ربما تكون أكثر الأخطاء شيوعًا هي النظر إلى كل سلوك غير مرغوب فيه باعتباره “مشكلة انضباط”.

فالطالب الذي ينعزل عن زملائه ليس بالضرورة غير مهتم، والطالب الذي يكثر غيابه ليس بالضرورة مستهترًا، والطالب الذي يصبح سريع الغضب قد يكون تحت ضغط شديد.

وتشير اليونسكو إلى أن بعض البلدان تسجل معدلات مرتفعة من تحديات الصحة النفسية بين طلاب التعليم العالي؛ وفي بعض السياقات تصل نسبة الطلاب الذين يعانون من تحديات نفسية إلى 50%، مع تقديرات تقارب 20% للاكتئاب في بعض السياقات، و15% لأفكار انتحارية. وهذه الأرقام ليست متوسطًا عالميًا، وإنما أمثلة على تفاوتات وردت في مصادر ودول مختلفة.

كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن واحدًا من كل سبعة أشخاص بين 10 و19 عامًا يعاني حالة من حالات الصحة النفسية، وأن القلق والاكتئاب والاضطرابات السلوكية من أبرز أسباب المرض والإعاقة في هذه المرحلة العمرية.

وهذا لا يعني أن كل سلوك جامعي سلبي سببه مشكلة نفسية؛ وإنما يعني أن الاستجابة التربوية الذكية يجب أن تبحث عن الأسباب إلى جانب التعامل مع السلوك نفسه.

من العقوبة إلى الوقاية

المواجهة الفعالة للمشكلات السلوكية الجامعية لا تبدأ بالعقوبة، وإنما تبدأ ببناء بيئة تجعل السلوك الإيجابي أكثر احتمالًا.

وهنا يمكن للجامعة أن تتحرك في عدة اتجاهات:

  • تعزيز ثقافة الحضور والانضباط باعتبارهما جزءًا من المسؤولية المهنية، لا مجرد شروط للنجاح.
  • إدماج التربية الرقمية والمواطنة الرقمية في حياة الطالب الجامعية.
  • وضع آليات واضحة للتعامل مع التنمر الإلكتروني والإساءة الرقمية.
  • تدريب الطلاب على إدارة الوقت ومقاومة التسويف والاستخدام المفرط للتكنولوجيا.
  • توفير خدمات إرشاد ودعم نفسي واجتماعي يسهل الوصول إليها.
  • تعزيز الحوار بين الطالب وعضو هيئة التدريس بدل الاقتصار على العلاقة القائمة على العقوبة.
  • توظيف التكنولوجيا نفسها في الوقاية؛ فالهاتف الذي يشتت الطالب يمكن أن يصبح أداة للتذكير، والتنظيم، والتعلم، والمتابعة.
  • التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة تعليمية تحتاج إلى قواعد واضحة للنزاهة الأكاديمية، لا مجرد أداة يجب منعها.

الطالب الجامعي.. المشكلة أم جزء من الحل؟

في النهاية، لا ينبغي أن ننظر إلى الطالب الجامعي باعتباره مصدرًا للمشكلات، بل باعتباره شريكًا في صناعة البيئة الجامعية.

فالجامعة التي تريد طالبًا ملتزمًا تحتاج إلى أن تمنحه معنى للالتزام، والجامعة التي تريد استخدامًا مسؤولًا للتكنولوجيا تحتاج إلى أن تعلّمه المواطنة الرقمية، والجامعة التي تريد مواجهة التنمر تحتاج إلى أن تبني ثقافة احترام لا تكتفي بمعاقبة المتنمر بعد وقوع المشكلة.

لقد انتقلت حياة الطالب من المدرج إلى الشاشة، ومن الحرم الجامعي إلى الفضاء الرقمي؛ ولذلك فإن فهم سلوكه لم يعد ممكنًا بالنظر إلى ما يفعله داخل قاعة المحاضرات فقط.

فالمشكلة الحقيقية ليست أن الطالب يستخدم الهاتف، أو يغيب عن محاضرة، أو يختلف مع زميل؛ وإنما عندما تتحول هذه السلوكيات إلى أنماط مستمرة تعوق تعلمه، وتضر بالآخرين، وتضعف علاقته بالجامعة وبمسؤوليته تجاه مستقبله.

وهنا تصبح مهمة الجامعة أكبر من ضبط السلوك: أن تساعد الطالب على أن يفهم سلوكه، ويدير اختياراته، ويستخدم حريته بمسؤولية.

 

أ.د/ وائل رمضان أبويوسف

أستاذ تكنولوجيا التعليم

ووكيل كلية التربية لشؤون التعليم والطلاب – جامعة العاصمة

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى