من ديوان (بلقيس) للأديب والشاعر الجزائري محمد دعدي .. في فلسفة الحب والجمال

لا تخافي من الزمن

لا تخافي من الزمن يا حبيبتي
قصيدة في فلسفة الحب والجمال وعبور السنين

لا تخافي من الزمن يا حلوتي الجميلة
لا تخافي من خريف العمر
ولا من تجاعيد المساء
ولا من شعر يلوح بالبياض على ضفاف الرأس
ولا من وردة تخشى الذبول إذا تأخر موسم المطر.

تعالي واجلسي قبالتي
وضعي يديك في يدي
وانظري إلى عيني جيدا
هل ترين العمر في عيني ؟
أم ترين امرأة أحببتها
حتى صار حبها هو العمر،
وما عداها ليس إلا سنوات عابرة؟

يا طفلتي الجميلة المدللة
يا امرأة تخاف أن يأتي الشتاء
فيأخذ اللون من خديها
ويطفئ النجوم من عينيها
ويغير ذلك السحر
الذي أشعل القصائد في دمي

اهدئي قليلا
فأنا لا أحبك مثل عابر درب
تأخذه من الوردة رائحتها
ثم يتركها حين تذبل

أنا لا أحبك كي أعلقك على جدار شبابي
وأحرس المرآة من تجاعيدك،
وأخاف إن مرت سنونك
أن يضيع جمالك من يدي.

أنا أحبك
والحب عندي يا حبيبتي
ليس صورة نخاف عليها من الغبار
ولا وجها نحبه ما دام يشبه أول لقاء
ولا جسدا نحصي عليه خطوات الزمن
ونرتجف إذا تغير فيه شيء

أنا أحبك حين تضحكين
وحين تصمتين
حين ينام الحزن فوق جفونك
وحين تتعبين وتحتاجين إلى كتف
تضعين عليه رأسك دون أن تقولي شيئا

أحبك في الصباح
حين يطل النور من عينيك
وفي المساء حين تصيرين أغنية
تنام على شرفات قلبي

وأحبك حين يمر العمر
فتصبح ضحكتك أكثر هدوءا
وكلماتك أكثر عمقا
ويصير الصمت بيننا لغة
لا يفهمها سوانا

فلا تخافي

أتدرين يا حبيبتي ما سر الجمال ؟

ليس الجمال شباب وجه عابر
ولا استدارة خد
ولا خصلة سوداء تتدلى فوق كتف
ولا عينين واسعتين تسرقان عقول الرجال

الجمال أعمق من ملامحنا
وأبعد من مرايانا
وأبقى من نضارة الورد في أول الربيع

الجمال أن تسكن امرأة في قلب رجل
حتى إذا أغمض عينيه رآها
وإذا ابتعدت عنه
شعر بأن المسافة قد أخذت شيئا من الهواء

الجمال يا حلوتي
أن تظلي أنت ولو تبدلت الفصول
ولو غير الخريف لون شعرك
ولو رسمت يداه على جبينك حكايات السنين.

أن أذكر اسمك فتبتسم روحي
وأن أسمع صوتك فيعود قلبي إلى شبابه
وأن تلامس كفك كفي
فأشعر أن العالم ما زال مكانا صالحا للحب

لا تخجلي من التجاعيد يا حبيبتي
فليست كل التجاعيد انكسارا
بعضها ضحكات قديمة
تركت أثرها على الوجوه
وبعضها طرق صغيرة
سلكها الفرح والحزن معا
حتى وصلا إلى ملامحنا

هذه الخطوط التي تخشينها
قد تكون يوما أجمل ما في وجهك
لأنها ستخبرني كم ضحكنا معا
وكم بكينا
وكم ليلة سرقنا من العمر
كي نمنح الحب ليلة أخرى

وإذا غزا الشيب شعرك
فلن أراه راية للاستسلام
بل ضوءا أبيض يستريح على حدائق رأسك
كأن القمر حين شاب
اختار شعرك موطنا له

وإذا تبدل صوتك قليلا
وصار أكثر هدوءا
سأصغي إليه كما أصغي إلى نهر قديم
يعرف الطريق إلى البحر
ولا يحتاج إلى أن يرفع صوته
كي يثبت أنه موجود

وإذا تعبت خطواتك
فسأبطئ خطوتي
وإذا احتجت إلى عكاز
سأجعل من ذراعي سندا لك
ومن كتفي مكانا تستريحين فيه

لن أسبقك إلى الشباب
ولن أتركك وحدك في محطة العمر الأخيرة
فما قيمة أن أظل فتيا إذا كنت بعيدة عني ؟
وما نفع وجه لا تشوبه السنين
إذا لم تجد عيناي فيه عينيك ؟

يا حبيبتي
إن للزمن فلسفة لا نفهمها
إلا حين نكف عن محاربته

فالربيع جميل
لكن الخريف ليس قبيحا
والشمس في الظهيرة لها سطوتها
وفي الغروب هيبة الملوك

والقمر لا يفقد جماله حين ينقص ضوؤه
والبحر لا يفقد عظمته حين تهدأ أمواجه
والشجرة لا تصبح أقل جمالا
حين تمتد جذورها
وتثقل أغصانها بالسنين

فلماذا تريدين لنفسك
أن تبقي ربيعا إلى الأبد ؟

أما تعلمين أن للورد جمالا حين يتفتح
وجمالا حين يعطر المكان
وحتى حين يذبل
يترك عطره في ذاكرة العابرين ؟

لكل عمر يا حبيبتي فتنته الخاصة،
ولكل مرحلة من حياتنا
نافذتها التي تطل على الجمال.

في العشرين يكون الجمال دهشة البدايات
وفي الثلاثين سحر النضج والثقة
وفي الأربعين فتنة امرأة عرفت نفسها
وفي الخمسين حكمة عينين رأتا من الحياة
ما يكفي لتعرفا ما يستحق البقاء.د

وما بعد ذلك ليس نهاية الحكاية
بل فصول أخرى
لا يقرأ جمالها
إلا من تعلم أن يرى ما وراء الوجوه

أنا لا أريدك شابة إلى الأبد
فذلك حلم لا يملكه أحد
ولا أريدك أن تخوضي حربا خاسرة مع المرآة
أو أن تعتذري عن عمرك
كلما أضافت إليك سنة

أريدك أن تعيشي
أن تضحكي أن تنضجي أن تتغيري
وأن تكتشفي في نفسك امرأة جديدة كل يوم

وأريدني أن أكون الرجل
الذي يحب كل امرأة تولد فيك
ولا يحن إلى امرأة قديمة
على حساب المرأة التي أمامه

اسمعيني جيدا يا جميلتي

حين كنت في أول شبابك
ربما كانت عيناك تخطفان قلبي بلمحة
وكانت ابتسامتك تربك الكلام على شفتي
وكان حضورك يشبه وصول قصيدة
لم أكن أعرف أنني أنتظرها.

لكنني اليوم لا أحب تلك الدهشة وحدها
بل أحب ما وراءها أيضا :
أحب أن أعرف لماذا تبتسمين
ولماذا تصمتين
وأي ذكرى تجعل عينيك
تبتعدان عن الحاضر لحظة
وأي كلمة تستطيع أن تعيد إليك الفرح

أحب التفاصيل الصغيرة
التي لا يراها رجل يكتفي بالنظر
والحكايات التي لا تقولينها
إلا حين تشعرين بالأمان

أحب المرأة التي ستصبحينها بعد عشر سنوات
وأتخيل ضحكتك بعد عشرين
وأتمنى أن أكون هناك
حين نختلف على شيء تافه
ثم نضحك لأننا نسينا سبب الخلاف

أريد أن أعرف كيف ستنظرين إلي
حين يصير شعري أبيض
وكيف ستنادينني حين يضعف سمعي
وكيف ستسخرين من ذاكرتي
إذا نسيت أين وضعت نظارتي
ثم تبحثين عنها معي
ونجدها فوق رأسي !

أريد حبا يملك ذاكرة طويلة
لا حبا يملك عينين جميلتين فحسب

فالعينان قد تتعبان
والملامح قد تتغير
لكن الألفة التي نبنيها حجرا فوق حجر
والأسرار التي نتقاسمها
والأيام التي ننجو منها معا
تصنع جمالا لا تعرفه المرايا

يا أجمل النساء في عيني
لا تسأليني غدا : هل ما زلت جميلة ؟
فهذا السؤال يظلمك ويظلمني
كأن الحب محكمة
تعرض فيها الملامح على ميزان السنوات

اسأليني بدلا منه :
هل ما زلت أجد في عينيك
ذلك المكان الذي أرتاح فيه ؟
هل ما زلت أستطيع أن أجعلك تبتسمين ؟
وهل ما زال بيننا ما يجعل الحياة أخف
والليل أقصر
والغد أحن ؟

وسأجيبك دون تردد :
ما دمت أنت التي أحببتها
وما دام بيننا قلبان يختاران البقاء
فإن للجمال فيك ألف باب وباب

قد لا تكونين غدا الصورة نفسها
التي أنت عليها اليوم
لكن من قال إن الصورة الأولى هي أجمل الصور ؟

ربما تصبحين أهدأ
وأعمق
وأكثر رقة في حزنك
وأكثر حكمة في فرحك

وربما أكتشف فيك سحرا لم أره من قبل
لأن عيني كانتا يوما مشغولتين بالدهشة
عن قراءة المعنى

وربما يأتي يوم أنظر فيه إلى وجهك
فلا أرى المرأة التي أوقعتني في الحب فحسب
بل أرى المرأة التي شاركتني العمر
وحفظت أسراري
وعرفت ضعفي
ولم تهرب حين صار الطريق أطول من أحلامنا.

وذلك جمال آخر يا حبيبتي
جمال لا يستطيع الزمن أن يمنحه وحده
ولا يستطيع أن ينتزعه
ما دمنا نرعاه معا

تعالي إذن
وضعي المرآة جانبا
وافتحي نافذة قلبك للنهار
ودعي السنوات تمضي
كما تمضي الغيوم فوقنا

لا نملك إيقافها
لكننا نملك أن نرفع رؤوسنا
ونتأمل جمال السماء

لا تطلبي من عمرك أن يتوقف عند ربيع واحد
فالحياة ليست صورة معلقة
والحب ليس إعجابا
ينتهي بانتهاء ملامح الصورة

عيشي أعمارك كلها
كوني في كل عمر أنت
ولا تخافي أن تفقدي شيئا مما كنت عليه
فربما كان ما ينتظرك أجمل مما مضى

وإن سألك الزمن يوما :
ماذا تركت من جمالك ؟
فقولي له :
تركت في قلب رجل قصيدة لا تشيخ

وإن سألتك المرآة :
أين ذهبت فتنتك القديمة ؟
فقولي لها :
كبرت وتغيرت
وتعلمت أن أكون امرأة
لا تختصرها مرآة

وإن سألني قلبي يوما :
ماذا فعلت بك السنوات ؟
سأقول له :
لم تأخذ مني حبيبتي
بل أعادتها إلي في صورة أخرى
أكثر قربا، وأشد عمقا
وأغلى من كل البدايات

يا حبيبتي الجميلة
حين نبلغ آخر العمر
وتجلسين إلى جواري
وقد هدأ فينا صخب الشباب
سأمد يدي إلى يدك
وأقبلها كما لو أنني أقبل
أول صباح في حياتي

سأقول لك : أتذكرين
يوم كنت تخافين أن يسرق الزمن جمالك ؟

انظري إلينا الآن
لقد مر العمر
وتبدلت ملامحنا
وتغيرت أشياء كثيرة
لكنني ما زلت أعرف يدك من بين ألف يد
وأعرف صوتك من بين ألف صوت
وأشعر حين تجلسين بقربي
أن قلبي عاد إلى بيته بعد غياب طويل

لم تعودي تلك الفتاة التي رأيتها أول مرة
ولم أعد ذلك الرجل الذي كنته يوم أحببتك
لكننا صرنا شيئا أجمل :
صرنا حكاية يعرف كل منا كيف بدأت
وكم كلفته كي تستمر
ولماذا تستحق أن تروى حتى آخر صفحة

فلا تخافي من الزمن يا حبيبتي
ولا من الشيب
ولا من تجاعيد السنين
ولا من خريف يطرق الأبواب

أنا لا أعدك بأنك ستبقين كما أنت
فذلك وعد لا يملكه عاشق ولا شاعر
لكنني أعدك بشيء أجمل

سأمنحك حقك في التغير
وأحبك دون أن أطالبك
بأن تبقي أسيرة صورتك القديمة
وسأحاول كل يوم أن أراك بعينين جديدتين
وأن أكتشف فيك ما لم أكتشفه بالأمس

فأنت في عيني لست أجمل النساء
لأن الزمن لم يمسك
بل لأنك أنت
بكل ما كنت عليه
وبكل ما أنت عليه
وبكل ما ستصبحين

أنت امرأة لا أريد من العمر
أن يحفظها لي في صورة لا تتغير
بل أريد منه أن يمضي معها
وأن يترك لنا، بين عام وعام
سببا جديدا للحب

وإذا كان للجمال عمر ينتهي
فإن للحب عمرا نصنعه معا
وما دمت تسكنين قلبي
فسوف أظل كلما نظرت إليك أرى أجمل النساء
لا لأنك لم تكبري
بل لأنني أحببتك
حتى صار في كل عمر منك جمال جديد

وهذا هو سر الحكاية يا حبيبتي :
الزمن يغير الوجوه
لكن الحب الحقيقي
يعلم القلب كيف يكتشف الجمال من جديد.

وسلامتكم.

م/ دعدي من ديواني بلقيس 2016

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى