الكاتب والناشط التونسي بوبكر عكرمي : 7 أكتوبر .. ثلاث سنوات على لحظة فرز التاريخ

في 7 أكتوبر 2023 لم يتغير مسار الحرب في فلسطين وحده بل دخل العالم كله مرحلة جديدة من مواجهة الأسئلة التي حاول طويلا تأجيلها كان ذلك اليوم لحظة صادمة ومفصلية فتح بعدها الفلسطينيون والعالم كله صفحة جديدة من الصراع صفحة لم يعد ممكنا فيها إخفاء الأسئلة الكبرى المتعلقة بالاحتلال والحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها
بعد ثلاث سنوات ما زال 7 أكتوبر حاضرا في الذاكرة السياسية والإنسانية للعالم فبالنسبة إلى الإسرائيليين كان يوما داميا خلف نحو 1200 قتيل و251 رهينة وأحدث صدمة عميقة في المجتمع الإسرائيلي وبالنسبة إلى الفلسطينيين تحول ذلك اليوم إلى بداية حرب مدمرة دفعت غزة خلالها ثمنا بشريا وماديا هائلا وأدت إلى نزوح واسع ودمار غير مسبوق
لكن بعيدا عن اختلاف الروايات السياسية حول 7 أكتوبر يبقى السؤال الذي فرض نفسه على الضمير العالمي هو هذا ماذا يعني أن يعيش شعب تحت الاحتلال لعقود وأن يبقى حقه في الحرية وتقرير المصير مؤجلا جيلا بعد جيل
لقد كان 7 أكتوبر بالنسبة إلى كثيرين لحظة فرز حقيقية فرز بين من يرى أن الحرية وحقوق الشعوب مبادئ عالمية لا تتجزأ وبين من يتعامل معها وفق موازين القوة والمصالح وفرز بين من يرى في القضية الفلسطينية قضية تحرر وحقوق وكرامة إنسانية وبين من اختار الصمت أو اكتفى بمواقف انتقائية أمام مشاهد الدمار والقتل والنزوح
لقد كشف هذا الحدث أيضا حجم الانقسام داخل النظام الدولي ففي الوقت الذي قدمت فيه الولايات المتحدة ودول غربية دعما سياسيا وعسكريا واسعا لإسرائيل طوال مراحل الحرب خرجت شعوب وحركات مدنية في مختلف أنحاء العالم إلى الشوارع احتجاجا على الحرب ومطالبة بوقف قتل المدنيين ورفع الحصار وضمان حقوق الفلسطينيين
وفي المقابل برزت دول اتخذت مواقف أكثر صراحة تجاه القضية الفلسطينية فقد أصبحت جنوب إفريقيا وإسبانيا وعدد من دول أمريكا اللاتينية وغيرها من الدول جزءا من مشهد دولي متغير حول فلسطين وقد ذهب بعضها إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو اتخاذ إجراءات سياسية وقانونية تجاه إسرائيل وسياساتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة
وفي هذا المشهد لم تكن الحكومات وحدها حاضرة فقد ظهرت القوافل الإنسانية وحركات التضامن والأساطيل المدنية التي حاولت كسر العزلة المفروضة على غزة وإيصال رسالة مفادها أن الحصار لا يمكن أن يصبح أمرا طبيعيا وأن التضامن مع الشعب الفلسطيني ليس مجرد كلمات تلقى في المؤتمرات
ومن بين هذه المبادرات برزت قافلة الصمود وأسطول الصمود العالمي اللذان جسدا شكلا جديدا من أشكال التضامن المدني العابر للحدود لقد كان المشاركون فيهما يقولون بطريقة عملية إن الحصار لا يمكن أن يصبح أمرا طبيعيا وإن التضامن مع الشعب الفلسطيني ليس مجرد كلمات
وقد دفعت شخصيات وناشطون ثمنا شخصيا باهظا بسبب انخراطهم في هذا المسار وما زالت قضايا عدد من النشطاء المرتبطين بحركات التضامن مع غزة تثير اهتماما واسعا في تونس وخارجها
أما الثمن الذي دفعه الفلسطينيون فكان أكبر من أن تختصره الأرقام فقد فقدت غزة آلاف الأرواح ودمرت أحياء كاملة وتهجرت عائلات وتحولت الحياة اليومية إلى صراع من أجل البقاء
ومع ذلك فإن التاريخ لا يقاس فقط بحجم الدمار الذي خلفته الحروب وإنما بما تتركه تلك الحروب من أسئلة وما تحدثه من تحولات في الوعي
لقد أعاد 7 أكتوبر القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بعد سنوات حاولت خلالها مشاريع سياسية واقتصادية إقليمية ودولية تجاوزها أو اختزالها في ترتيبات أمنية واقتصادية وأعاد إلى الواجهة حقيقة بسيطة حاول العالم طويلا تجاهلها لا يمكن بناء سلام دائم من دون حل عادل للقضية الفلسطينية ومن دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني وحريته وتقرير مصيره
لقد كانت فاتورة الدم الفلسطينية هائلة وهذا لا يجعل الدم أقل ألما ولا يجعل فقدان المدنيين أمرا يمكن تبريره أو الاحتفاء به لكن هذه الكلفة الإنسانية الهائلة أعادت فلسطين إلى قلب النقاش العالمي وجعلت ملايين البشر يعيدون النظر في طبيعة الصراع وفي مسؤولية المجتمع الدولي تجاهه
ومن أكثر الصور التي بقيت حاضرة في ذاكرة السنوات الثلاث الأخيرة صورة يحيى السنوار في لحظاته الأخيرة فقد أظهرت صور ومقاطع نشرتها السلطات الإسرائيلية رجلا مصابا داخل مبنى مدمر وهو يرمي عصا باتجاه طائرة مسيرة قبل مقتله خلال اشتباك مع القوات الإسرائيلية وقد أصبحت تلك الصورة مادة رمزية في السجال السياسي والإعلامي حول معنى القيادة والمواجهة والموت في الميدان
لكن قيمة التاريخ لا تكمن في تقديس الأشخاص ولا في تحويل الموت إلى أسطورة وإنما في قراءة ما تركوه وراءهم من أسئلة وما أحدثته أفعالهم من تحولات
وهنا ربما تكمن إحدى أهم نتائج 7 أكتوبر فقد أثبتت السنوات الثلاث الماضية أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للمحو من الذاكرة العالمية قد تختلف الشعوب والحكومات في تفسيرها للحدث وفي تقييم الوسائل والنتائج لكن السؤال الفلسطيني بقي قائما بل أصبح أكثر حضورا في الجامعات والشوارع والمحاكم والبرلمانات والمؤسسات الدولية
وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئا فهو أن الاحتلال لا يستطيع إلى الأبد أن يلغي ذاكرة الشعوب وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها صناعة سلام دائم
فلسطين ليست مجرد مساحة جغرافية متنازع عليها إنها قضية شعب يريد أن يعيش حرا على أرضه وأن يقرر مستقبله وأن يتمتع بالحقوق نفسها التي تطالب بها بقية شعوب العالم
ومن هنا فإن 7 أكتوبر سيبقى نقطة فارقة في التاريخ الحديث للقضية الفلسطينية وقد تختلف الأجيال القادمة في قراءة تفاصيله وفي الحكم على قرارات أطرافه ونتائجها لكن من الصعب أن تتجاهل أنه أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة التاريخ الدولي وأجبر العالم على مواجهة سؤال ظل مؤجلا لعقود هل يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي من دون عدالة
إنني أؤمن أن الحق لا يموت بالتقادم وأن القضايا العادلة لا تختفي لأن العالم يحاول نسيانها وقد يطول الطريق وقد تكون كلفته باهظة لكن الشعوب التي تتمسك بحقها في الحرية لا تتوقف عن البحث عن طريقها إلى المستقبل
من جنوب إفريقيا إلى إسبانيا وأمريكا اللاتينية وإلى كل الدول والمجتمعات التي اختارت الوقوف إلى جانب الحقوق الفلسطينية تحية لكل موقف سياسي وإنساني جعل من فلسطين قضية عدالة لا مجرد ملف دبلوماسي
وتحية إلى كل الشعوب التي خرجت إلى الشوارع وإلى كل الأطباء والصحفيين والحقوقيين والمتطوعين والناشطين الذين واصلوا العمل من أجل حياة الإنسان وكرامته
وفي الذكرى الثالثة لـ7 أكتوبر تبقى فلسطين حاضرة
وتبقى غزة شاهدة
ويبقى حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير قائما
وتبقى أرواح كل ضحايا هذا الصراع أمانة في ذاكرة الإنسانية
الرحمة لكل الضحايا والشهداء
والحرية لفلسطين
والسلام العادل الذي لا يقوم على القوة وحدها وإنما على العدالة والكرامة وحق الشعوب في أن تكون حرة على أرضها

بوبكر عكرمي

كاتب تونسي

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى