ناجي عبد الرحمن يكتب .. هل أصبح الانتماء تهمة؟

عندما محمد عساف قال: «أنا فلسطيني»

بين تصريح فنان فلسطيني وإلغاء جولة فنية، ظهرت أسئلة أكبر من الحفل نفسه: هل ما زال الفلسطيني مطالبًا بأن يخفض صوته عندما يتحدث عن هويته؟ وهل أصبح مجرد التعبير عن الانتماء إلى فلسطين موقفًا يحتاج إلى التبرير؟

خلال حفله في ولاية ميشيغان، عبّر الفنان الفلسطيني محمد عساف عن اعتزازه بهويته الفلسطينية وانتمائه إلى المخيمات. وتزامن ذلك مع الإعلان عن إلغاء ما تبقى من جولته في أمريكا الشمالية، الأمر الذي أثار تفاعلًا واسعًا وتساؤلات حول ملابسات الإلغاء، ودفع البعض إلى الربط بين التصريح والقرار.

لكن هنا تحديدًا، تفرض المهنية الصحفية أن نميّز بين ما نعرفه وما نفترضه، وأن نترك الحكم للوقائع والأدلة.

فحتى الآن، لا توجد، ما لم تظهر معلومات موثوقة تؤكد ذلك، أرضية مهنية تسمح بالجزم بأن تصريح عساف كان سببًا مباشرًا في إلغاء الجولة. فالتزامن بين حدثين لا يثبت بالضرورة وجود علاقة سببية بينهما، وأي اتهام في هذا الاتجاه يحتاج إلى معلومات موثقة أو تصريح رسمي أو أدلة يمكن التحقق منها.

لكن الحذر في تفسير أسباب الإلغاء لا يعني التردد في الدفاع عن الحق في الهوية.

محمد عساف لم يرتكب خطأ لأنه قال إنه فلسطيني، ولم يرتكب تجاوزًا لأنه تحدث عن المخيمات، ولم يصبح أقل احترامًا للآخرين لأنه عبّر عن اعتزازه بجذوره وانتمائه.

الفلسطيني لا يحتاج إلى إذن كي يكون فلسطينيًا.

فالهوية ليست بطاقة يمكن للإنسان أن يضعها جانبًا عندما يسافر، وليست شعارًا يُسمح به في مكان ويُمنع في مكان آخر. إنها ذاكرة العائلة، واسم القرية، وصورة الجد، وحكاية المخيم، ولهجة الأم، وذاكرة الأرض التي لم تغادر الإنسان حتى عندما اضطر أصحابها إلى مغادرتها.

والاعتزاز بالهوية الفلسطينية لا يعني كراهية أي شعب آخر، ولا يعني رفض المجتمع الذي يعيش فيه الفلسطيني، ولا يتعارض مع احترام قوانين الدول أو هويات مواطنيها.

يمكن للإنسان أن يحب وطنه، ويحترم أوطان الآخرين، ويتمسك بجذوره في الوقت نفسه.

وتبدأ المشكلة عندما يشعر الإنسان بأن عليه إخفاء جزء من هويته أو تبريرها حتى يكون مقبولًا لدى الآخرين.

وهنا تتجاوز القصة حدود فنان وحفل، لتصبح قضية مبدأ.

فلسطين بالنسبة للفلسطيني ليست شعارًا انتخابيًا ولا موجة موسمية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إنها هوية وذاكرة شعب، وحق في الحرية والكرامة وتقرير المصير.

ولهذا فإن فلسطين المستقبل، كما ينبغي أن يتطلع إليها أبناؤها، يجب ألا تكون دولة إقصاء أو انتقام، بل دولة مواطنة ومساواة؛ دولة يكون فيها الإنسان مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن أصله أو دينه أو خلفيته.

ويمكن لفلسطين أن تكون، في بعدها العربي والإنساني، واحة لكل العرب وأحرار العالم؛ دولة تعرف حدودها الوطنية وتحمي هويتها، لكنها لا تبني مستقبلها على الكراهية أو إقصاء الآخر.

فالوطنية الحقيقية لا تحتاج إلى كراهية الآخر كي تثبت ذاتها.

ومن الخطأ أيضًا أن يتحول النقاش حول محمد عساف إلى محاكمة للنوايا. فإذا كان إلغاء الجولة لأسباب فنية أو تنظيمية أو تجارية، فمن حق الجمهور أن يعرف ذلك بوضوح. وإذا كانت هناك أسباب أخرى، فالمطلوب معلومات وأدلة، لا تكهنات واستنتاجات مبنية على التزامن وحده.

لكن يبقى سؤال مشروع:

لماذا يبدو إعلان الفلسطيني عن هويته أحيانًا وكأنه موقف سياسي يحتاج إلى تفسير وتبرير، بينما يُنظر إلى إعلان الآخرين عن هوياتهم باعتباره أمرًا طبيعيًا؟

محمد عساف فنان فلسطيني، ومن حقه أن يقول ذلك.

ومن حق كل فلسطيني في غزة والضفة والقدس والمخيمات والشتات، وكل فلسطيني في أي مكان في العالم، أن يقول دون خوف أو اعتذار:

أنا فلسطيني.

ولا ينبغي أن يُفهم هذا الانتماء على أنه انتقاص من أحد.

إنه ببساطة إعلان عن الجذور والهوية.

أما قصة إلغاء الجولة، فالحقيقة وحدها هي التي يجب أن تحكم عليها.

فالهوية لا تحتاج إلى شائعة كي تنتصر، والقضية الفلسطينية لا تحتاج إلى اتهام غير موثق كي تثبت عدالتها.

ما تحتاجه هو الحقيقة، والكرامة، وحق الإنسان في أن يقول من هو، وأن يعتز بجذوره، دون أن يُطلب منه الاعتذار عن انتمائه.

ناجي عبد الرحمن

كاتب فلسطيني

 

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى