ريم.. وعَيْنُ الكاميرا
[المَشهدُ السَّادسُ والثَّمانون بعدَ الخمسمئة: “مِعمارُ الطَّقسِ الحَزين – قُدَّاسُ ‘الصََّدى’ في مَذبحِ الرَّملِ والمِلْح”] __تنبثقُ الصُْورةُ من “مواصي رفح”، حيثُ الخِيامُ ليست مجرَّدَ مأوى، إنَّها”طبلٌ” عملاقٌ يدقُّ عليه المطرُ إيقاعَ التَّهجير. الكاميرا هنا تنسلُّ بين الشُّقوقِ التي أحدثَتْها الرِّيحُ في “نايلون” الخِيام؛ لتستقرَّ عند وجهِ “الدُّكتورة ريم”.
ريم، البروفيسورة المرموقة في “علمِ المواد” و”هندسةِ النَّسيجِ المتقدِّمة”، التي نالت أرفعَ الجوائزِ في “مانشستر”؛ لتطويرها أنسجةً “ذكيَّةً” ترفضُ البَللَ وتُنظِّمُ الحرارةَ ذاتيًّا، تجدُ نفسَها اليوم أمام “قماشِ الخيش” البائس. الخِيامُ “تنزف” ماءً، والرُّطوبةُ تغلغلت في عظامِ النَّازحين حتى صارَ السُّعالُ “النَّشيدَ الوطنيَّ” للمخيَّم.
المَهمَّةُ المستحيلة: “هندسةُ الجفافِ من بقايا البلاستيك”؛ ابتكارُ “طبقةِ عزلٍ مجهريَّةٍ” باستخدامِ “أكياسِ القُمامة” المذابة و”شمعِ الإنارة” و”رذاذِ البخَّاخاتِ” الفارغة؛ لتحويلِ القماشِ المساميِّ الذي يشربُ المطرَ إلى “جلدٍ” يطردُ الماءَ، ويحمي الأنفاسَ من الغرقِ البارد.
[الفصلُ الأوَّلُ: صِراعُ “المَسام” وضِدُّ الغَرَقِ] يبدأ المشهدُ بوصفٍ مُتمهِّلٍ ليدِ ريم، وهي تلمسُ سقفَ الخيمةِ المبتلَّ”:
قطرةُ ماءٍ تسقطُ على جبهتها، فتبدو وكأنَّها “دمعةٌ” من السَّماء. ريم لا تمسحُ وجهها؛ إنَّها تراقبُ “التوتُّرَ السَّطحيَّ” للقطرة. نراها تمسكُ بـ “بقايا شمعة” صُهِرت في علبةِ سردين، وتبدأُ بفركِ زوايا الخيمةِ بـ “انتظامٍ” غريب.
هنا؛ وفي هذه اللَّحظةِ تتزاحمُ الأفكارُ في عقلِها:
فهي تدركُ أنَّ “الرَّوابطَ الجزيئيَّةَ” للشَّمعِ ستسدُّ الفراغاتِ بين خيوطِ القماش، مُحوِّلةً إيَّاها من حالةِ “الامتصاص” إلى حالةِ “الطَّرد”.
* ريم: (تُحدِّثُ نفسها بمرارة، وصوتها يغرقُ في ضجيجِ الرَّعد):
“في ‘مانشستر’ كنَّا بنباهي العالم بنسيجِ ‘النانو’ إللي بيمرٍّر الهوا وبيمنع المية. واليوم في مواصي رفح، أنا بلاحق ثقوب ‘أكياس الطَّحين’ بشوية شمع محروق. العلم إللي علَّمني ‘كيمياء البوليمرات’ وتداخل الألياف، لازم اليوم يخلِّيني أمنع ‘الغرق’ عن ولادي. يا ربّ، اجعل هاد الشمع ‘درعًا’، واجعل خيامنا أصلب من ريحهم. إحنا مش ‘قماش’ بيتمزَّع.. إحنا ‘خيوط’ انفتلت من وجع وصبر.”
نرى ريم وهي تجمعُ “أكياسَ البلاستيك” المُلوَّنة، وتبدأُ بتسخينها فوق نارٍ هادئة حتى تتحوَّلَ إلى “سائلٍ لزج”. تستخدمُ “فرشاةَ صبغٍ” قديمة لـ “طلاء” سقف الخيمة من الخارج. الكاميرا ترصدُ وجهَها المحفورَ من البَرْدِ؛ العرقُ يتصبَّبُ منها رغم الصَّقيعِ، وكأنَّها “تغزلُ” جلدًا جديدًا للمخيَّمِ.
[الفصلُ الثَّاني: مِعمارُ “التَّصريف” وتراجيديا الطِّينِ الزَّاحف] الخيمةُ يصفعُها المَوتُ من “الأعلى”، ويقتلها “الزحفُ الطِّينيُّ” من الأسفل. ريم تبتكرُ نظامَ “الأساساتِ المرفوعة”؛ تجمعُ آلافَ “سدَّاداتِ القوارير” البلاستيكيَّةِ و”عُلَبِ الكرتون” الفارغة، وترصُّها تحت “الحصيرة” بطريقةٍ هندسيَّةٍ تسمحُ بمرورِ الهواءِ، ومنعِ رطوبةِ الأرضِ من الوصولِ إلى جلودِ الأطفال.
يتحوَّلُ المَشهدُ إلى “وصفٍ حركي”:
ريم تحفرُ بيدها “قنواتٍ” مائلةً حولَ الخيمة، وتضعُ فيها “حصًى” صغيرةً جمعتْها من رُكامِ البيوتِ القريبة؛ لتصنعَ ما يشبهُ “الصَّرفَ الصِّحيَّ الطَّبيعيَّ”.
* المساعد: (وهو يرى الماءَ يهربُ بعيدًا عن الخيمة بفضلِ قنواتِ ريم):
“يا دكتورة.. الأرض نِشفت! كيف خلِّيتِ المية تمشي بالعكس؟”
* ريم: (وهي تمسحُ الطِّينَ عن جبهتها، وعيناها تلمعانِ بذكاءٍ فطريٍّ وقَّادٍ):
“ما مشت بالعكس.. أنا بس احترمت ‘قانونَ الجاذبيَّة’ وسخَّرتُه لخدمتنا. المية زي ‘الظلم’.. دايمًا بتدور على أضعف نقطة عشان تدخل منها. وأنا سكَّرت الأبواب الضَّعيفة. العلم يا ابني هو إنَّك تعرف ‘توزع الأحمال’؛ أحمال المطر وأحمال القهر. ارفعوا الحصيرة كمان مليمتر.. لازم الهوا يمر من تحتنا عشان الرِّئة ما تعفن.”
[الفصلُ الثَّالثُ: معجزةُ “الدِّفءِ الجافِّ”] تصلُ الذُّروةُ في فجرِ يومٍ عاصف. الخيامُ المجاورةُ غارقةٌ في الوَحْل، والنَّاسُ يفِرُّون ببطَّانيَّاتهم المُبلَّلة. أمَّا خيمةُ ريم، فتبدو كأنَّها “جزيرةٌ جافَّة” وسطَ المحيط.
الأطفالُ نائمون، وأنفاسهم الدَّافئة ترسمُ “بخارًا” خفيفًا على النَّايلون المدهونِ بالشَّمع.
المشهدُ يتباطؤ ليصفَ “لحظةَ الأمان”:
ريم تجلسُ في الزَّاوية، تراقبُ قطراتِ المطرِ وهي “تتزحلق” فوق سطحِ خيمتها دون أن تجدَ ثُقبًا واحدًا لتنفذَ منه.
* الأمُّ النَّازحة: (تلمسُ جدارَ الخيمةِ بذهول):
“يا ريم.. الخيمةُ ‘صارت بتلمع’! المية بتخاف منها وبتهرب! إنتِ شو عملتِ في هاد الخيش المقطع؟”
* ريم: (بصوتٍ هادئٍ يشبهُ حفيفَ الشَّجر، وعيناها تغرقانِ في أفقِ البحرِ الهائج):
“أنا بس أعطيت ‘الخيش’ كرامة ‘المعدن’. خلِّيت المساماتِ إللي كانت بتبكي مية، تسكِّر قلبها على الدَّفا. العلم يا أختي.. هو إنِّك تخلي ‘كيس القمامة’ يحمي ‘أغلى ما نملك’. غَـ،،ـزِّة اليوم هندست ‘الجفاف’.. عشان نظل واقفين والرَّاس مرفوع”.
[الفصلُ الرَّابعُ: فلسفةُ “الخيطِ الذي لا يَنقطع”] تأتي الخاتمةُ وريم تقفُ وسطَ الطُّـ،،ـوفان، تمسكُ بـ”إبرةٍ وخيط” وتبدأُ بتعليمِ النِّساء كيفَ “يرمِّمْنَ” خيامهُنَّ بـ”منطقِ المواد”. تنظرُ إلى “الخيوطِ” المتداخلة وتهمسُ لنفسها:
“قطعتم السُّبل؟ حاصرتُم الأقمشة؟ بسيطة.. إحنا ‘النَّسيجُ’ إللي كل ما انشدَّ بيقوى. الخيمةُ مش قماش.. الخيمةُ هي ‘النَّاس’ إللي جُوَّاتها. والنَّاس إللي اتعوَّدت تنسج أحلامها من الرَّماد، ما في ريح في الدُّنيا بتقدر تفرط ‘غرزة’ واحدة من إيمانهم.”
الكاميرا تبتعدُ ببطء؛ لتكشفَ عن “مواصي رفح” وهي تتلألأُ تحتَ ضَوْءِ البرق؛ آلافُ الخيامِ التي “طُليت” بـ “عرقِ المهندسين”، وتحوَّلَت من “قطعِ قماشٍ” بائسة إلى “دروعٍ” بشريَّةٍ، بفضلِ العقلِ الذي عرفَ كيفَ “يهندسُ الصمود” في زمنِ الطُّـ،،ـوفان…
وبَعدُ؛ لم تنتهِ الحِكايةُ…
__
عبدالله عياصرة
كاتب وباحث من الأردن
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.


