د. عبدالله عياصرة يكتب .. صِراعُ القِيَمِ والرَّغَباتِ في أنطولوجيا التَّنازُعِ البَشَريِّ وسيرورةِ انتصارِ المَعنى

من وحيِ مَداراتِ التَّحريرِ والتَّأويلِ

من وحيِ مَداراتِ التَّحريرِ والتَّأويلِ

صِراعُ القِيَمِ والرَّغَباتِ في أنطولوجيا التَّنازُعِ البَشَريِّ وسيرورةِ انتصارِ المَعنى

تطبيقٌ فلسفيٌّ في ضَوءِ الارتحالِ العقلانيِّ

__
تمهيدٌ: في ماهيَّةِ التَّنازُعِ البَشَريِّ

لا تبدأُ حكايةُ الإنسانِ من لحظةِ وعيِه بالعالَمِ الخارجيِّ، ولا من لحظةِ امتلاكِه القدرةَ على تسميةِ الأشياءِ وتأويلِها، وإنَّما تبدأُ من تلك اللَّحظةِ السَّحيقةِ التي اكتشفَ فيها أنَّ داخلَه ليس فضاءً ساكنًا، إنَّه مسرحٌ دائمٌ لحركةٍ متوتِّرةٍ بين قِوًى متجاذبة؛ رغباتٍ تدفعُه نحو الإشباعِ، وقِيَمٍ تستدعيه نحو المَعنى.

ففي أعماقِ الإنسانِ يتشكَّلُ صراعٌ قديمٌ قِدَمَ الوعيِ نفسِه؛ صراعٌ لا يقومُ بين الخيرِ والشرِّ بمعناهما السَّاذجِ، ولا بين الجسدِ والرُّوحِ بوصفِهما عالمَينِ منفصلَينِ، وإنَّما بين مستويَينِ من الحضورِ الإنسانيِّ: مستوى الدافعِ الأوَّليِّ الذي يطلبُ الاكتمالَ عبر الامتلاكِ والإشباعِ، ومستوى الوعيِ المتعالي الذي يبحثُ عن الاتِّساقِ، وعن صورةٍ أعمقَ للوجودِ تتجاوزُ اللحظةَ العابرةَ.

ويتمثَّلُ النِّزاعُ بين الرَّغبةِ بوصفِها طاقةً أولى تنبعُ من الحاجةِ والنَّقصِ والتَّوقِ إلى الامتلاءِ، وبين القِيمةِ بوصفِها أفقًا للمعنى يتجاوزُ الاستجابةَ المباشرةَ، ويمنحُ الفعلَ الإنسانيَّ بُعدَه الأخلاقيَّ والوجوديَّ.

وهذا التَّنازُعُ ليس عيبًا في التَّكوينِ البشريِّ، وإنَّما هو أحدُ شروطِ إنسانيَّتِه؛ لأنَّ الكائنَ الذي لا يعرفُ إلَّا حاجاتِه يبقى أسيرَ الضَّرورةِ، أمَّا الإنسانُ فهو الكائنُ الذي يستطيعُ أن يقفَ أمامَ حاجتِه، ويتساءلَ عنها، ويعيدَ تفسيرَها، وربَّما يعيدُ تشكيلَها. وفي هذه المسافةِ بين الدَّافعِ وتأويلِه تتولَّدُ الحُرِّيَّةُ.

كانت هذه المسألةُ من أكثرِ الأسئلةِ حضورًا في تاريخِ الفكرِ الإنسانيِّ؛ إذ حاولتِ الفلسفاتُ الكبرى أن تفهمَ موقعَ الإنسانِ بين ما يجذبُه إلى الأسفلِ وما يدعوه إلى الارتقاءِ.

فأفلاطونُ؛ في محاولتِه تفسيرَ بنيةِ النَّفسِ، قدَّمَ صورةَ العربةِ التي يجرُّها حصانانِ؛ أحدُهما أبيضُ يمثِّلُ النُّزوعَ النَّبيلَ نحو العقلِ والخيرِ، والآخرُ أسودُ جامحٌ يمثِّلُ قِوَى الشَّهوةِ والانفعالِ. وليس المقصودُ في هذا التصويرِ إدانةَ الجانبِ الرَّغائبيِّ في الإنسانِ، وإنَّما بيانُ حاجةِ النَّفسِ إلى قيادةٍ واعيةٍ تستطيعُ أن تمنحَ قواها المختلفةَ اتِّجاهًا واحدًا.

فالمشكلةُ ليست في وجودِ الحصانَينِ، إنَّما في غيابِ السَّائقِ.

ومن هنا؛ فإنَّ الإنسانَ لا يُعرَّفُ فقط بما يرغبُ فيه، ولا بما يملكُه من قدرةٍ على الاختيارِ، وإنَّما بالطريقةِ التي يديرُ بها المسافةَ بين رغبتِه وقيمتِه، بين اندفاعِه الأوَّلِ وتأمُّلِه الأخيرِ.
تتحرَّكُ الرَّغبةُ في بدايتِها حركةً أفقيَّةً؛ لأنَّها تتَّجهُ نحو موضوعٍ محدَّدٍ تبحثُ من خلالِه عن الإشباعِ. إنَّها تنتمي إلى زمنِ اللَّحظةِ، وإلى الإحساسِ المباشرِ بالحاجةِ، وإلى الرَّغبةِ في الوصولِ السَّريعِ إلى ما يُخفِّفُ التَّوتُّرَ أو يمنحُ اللَّذَّةَ.

أمَّا القِيمةُ فتتحرَّكُ حركةً رأسيَّةً؛ لأنَّها لا تنظرُ إلى الفعلِ من خلالِ أثرِه القريبِ فقط، وإنَّما من خلالِ موقعِه في بناءِ الذَّاتِ، وفي تشكيلِ العلاقةِ مَعَ الآخَرينَ، وفي صناعةِ المعنى الذي يمنحُ الحياةَ اتِّساقَها.

ولهذا فإنَّ الصِّراعَ بينهما ليس مجرَّدَ خلافٍ بين اختيارَينِ يوميَّينِ؛ كأنْ يختارَ الإنسانُ بين منفعةٍ عاجلةٍ ومبدأ أخلاقيٍّ حسبُ، وإنَّما هو سؤالٌ أنطولوجيٌّ يمسُّ حقيقةَ الإنسانِ نفسَها: هل الإنسانُ مجرَّدُ كائنٍ تستبدُّ به دوافعُه، وتُحدِّدُه رغباتُه، أم أنَّه الكائنُ القادرُ على تجاوزِ ما فيه، وإعادةِ صياغةِ ذاتِه عبر اختياراتِه وقيمِه؟

والإجابةُ عن هذا السُّؤالِ هي التي تُحدِّدُ معنى الحُرِّيَّةِ الإنسانيَّةِ. فالحُرِّيَّةُ، في مستواها السَّطحيِّ، قد تبدو القدرةَ على اتِّباعِ ما نريدُ. غيرَ أنَّ الإنسانَ إذا كان عبدًا لكلِّ رغبةٍ تعبرُ داخلَه، فإنَّه لا يكونُ حُرًّا، وإنَّما يكونُ تابعًا لقِوًى لم يخترْها، ومندفعًا خلفَ دوافعَ لم يتأمَّلْها.

أمَّا الحُرِّيَّةُ في معناها الأعمقِ، فهي قدرةُ الإنسانِ على أن يصبحَ مصدرًا لأفعالِه، لا مجرَّدَ موضعٍ تمرُّ فيه المؤثِّراتُ. وهي القدرةُ على أن يقولَ: هذا ما أشعرُ به، لكنَّ هذا ليس بالضَّرورةِ ما أختارُه؛ وهذه رغبةٌ في داخلي، لكنَّها ليست كلَّ حقيقتي.

ومن هذا المُنطلَق؛ يبدأُ الارتحالُ. فالارتحالُ العقلانيُّ لا يعني الهروبَ من الطَّبيعةِ الإنسانيَّةِ، ولا إعلانَ الحربِ على الرَّغبةِ، وإنَّما يعني الانتقالَ من حالةِ الاستسلامِ لما يتحرَّكُ في الدَّاخلِ إلى حالةِ الوعيِ به وتأويلِه وتوجيهِه.

إنَّه انتقالٌ من الإنسانِ الذي تحكمُه دوافعُه إلى الإنسانِ الذي يفهمُ دوافعَه، ومن الإنسانِ الذي تجرُّه اللَّحظةُ إلى الإنسانِ الذي يستحضرُ المَعنى.

وعندئذٍ؛ تتَّضحُ العلاقةُ العميقةُ بين التَّحريرِ والتَّأويلِ؛ إذ لا يمكنُ للإنسانِ أن يتحرَّرَ من سلطةِ شيءٍ لا يفهمُه، كما لا يمكنُه أن يفهمَ ذاتَه حقًّا ما لم يُحرِّرْها من القراءاتِ السَّطحيَّةِ التي تختزلُها في رغباتِها العابرةِ.

فالإنسانُ هو أوَّلُ نصٍّ يحتاجُ إلى التَّأويلِ. قبلَ أن يؤوِّلَ العالَمَ، يؤوِّلُ نفسَه. وقبلَ أن يبحثَ عن معنى الأشياءِ، يبحثُ عن معنى ما يتحرَّكُ فيه.

ولهذا فإنَّ صراعَ القِيمِ والرَّغباتِ ليس معركةً ينبغي أن تنتهيَ بإبادةِ أحدِ الطَّرفَينِ، وإنَّما هو مسارٌ تتعلَّمُ فيه الذَّاتُ كيفَ تنقلُ طاقتَها من مستوى الضَّرورةِ إلى مستوى المعنى، ومن الانفعالِ إلى الفعلِ، ومن الرَّغبةِ الخامِ إلى الإرادةِ الواعيةِ.

وعليه؛ فإنَّ انتصارَ القِيمةِ لا يعني موتَ الرَّغبةِ، كما أنَّ تهذيبَ الإنسانِ لا يعني إلغاءَ طبيعتِه؛ لأنَّ الرَّغبةَ، في أصلِها، ليست عدوًّا للإنسانِ، وإنَّما طاقةٌ تحتاجُ إلى هدايةِ المعنى.

فالإنسانُ لا يرتقي حينَ يتخلَّصُ من طاقاتِه، وإنَّما حينَ يمنحُها وجهتَها الصَّحيحةَ. ومن هذا الفَهمِ؛ تبدأُ الرِّحلةُ من الرَّغبةِ إلى القِيمةِ؛ لا بوصفِها انتقالًا من ضدٍّ إلى ضدٍّ، وإنَّما بوصفِها سيرورةَ تحوُّلٍ داخليٍّ ينتقلُ فيها الإنسانُ من الامتلاكِ إلى المَعنى، ومن الاستجابةِ إلى السِّيادةِ، ومن الوجودِ المنفعلِ إلى الوجودِ الأصيلِ.

• أوَّلًا: أنطولوجيا الصِّراعِ: تفكيكُ البنيةِ التَّكوينيَّةِ للرَّغبةِ والقِيمةِ

إذا كان التَّنازُعُ بين الرَّغبةِ والقِيمةِ هو أحدَ أكثرِ مظاهرِ التَّجربةِ الإنسانيَّةِ عُمقًا، فإنَّ فهمَ هذا التَّنازُعِ لا يبدأُ من إصدارِ الحُكمِ الأخلاقيِّ عليه، وإنَّما من تفكيكِ البنيةِ التي يتشكَّلُ داخلَها. فقبلَ أن نسألَ: أيُّهما ينبغي أن ينتصرَ؟ علينا أن نسألَ: كيف تتكوَّنُ الرَّغبةُ؟ وكيف تتأسَّسُ القِيمةُ؟ وما طبيعةُ العلاقةِ التي تجمعُ بينهما داخلَ الكيانِ الإنسانيِّ؟

ذلك أنَّ الخطأَ الذي وقعتْ فيه بعضُ التَّصوُّراتِ الأخلاقيَّةِ تمثَّلَ في تعاملِها مع الرَّغبةِ بوصفِها قوَّةً سلبيَّةً ينبغي كبحُها، ومع القِيمةِ بوصفِها قوَّةً خارجيَّةً ينبغي الامتثالُ لها. وبذلك تحوَّلَ الإنسانُ إلى ساحةِ صراعٍ بين طبيعتَينِ متعارضتَينِ، بدلَ أن يُنظرَ إليه بوصفِه كائنًا قادرًا على تحويلِ طاقاتِه وإعادةِ تأويلِها.

إنَّ الإنسانَ لا يرتقي بإلغاء أحدِ أبعادِه، وإنَّما بإعادةِ ترتيبِها داخلَ مشروعٍ أوسعَ للمعنى.

١. ديناميكيَّةُ الرَّغبةِ: سيكولوجيا النَّقصِ وسيرورةُ الإشباعِ

الرَّغبةُ ليست حادثًا عابرًا يقعُ على الإنسانِ من الخارجِ، ولا مجرَّدَ استجابةٍ آليَّةٍ لحاجةٍ جسديَّةٍ، وإنَّما هي إحدى القوى المؤسِّسةِ للحركةِ الإنسانيَّةِ. فالإنسانُ لا يتحرَّكُ إلَّا لأنَّه يرغبُ، ولا يبحثُ إلَّا لأنَّه يشعرُ بأنَّ هناك شيئًا يتجاوزُ واقعَه الرَّاهنَ، أو أنَّ هناك فجوةً بين ما هو عليه وما يطمحُ إلى أن يكونَه.

ومن هذه الزَّاويَة؛ فإنَّ الرَّغبةَ ليست نقصًا محضًا، وإنَّما علامةٌ على انفتاحِ الإنسانِ على المستقبلِ. إنَّها الطَّاقةُ التي تدفعُه إلى البناءِ، والاكتشافِ، والتَّجاوُزِ. ولولا الرَّغبةُ لما كان هناك علمٌ، ولا فنٌّ، ولا حضارةٌ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ إنسانيٍّ عظيمٍ يبدأُ من شعورٍ بأنَّ المُمكنَ أوسعُ من القائمِ.

وتجدرُ الإشارةُ إلى أنَّ المشكلةَ لا تكمنُ في وجودِ الرَّغبةِ، وإنَّما في بقائِها أسيرةَ صورتِها الأوَّليَّةِ؛ أي حين تختزلُ نفسَها في الإشباعِ المباشرِ، وحين تتوهَّمُ أنَّ امتلاكَ موضوعِها هو نهايةُ الطَّريقِ.

فالرَّغبةُ في صورتِها الأولى تتحرَّكُ بمنطقِ النَّقصِ؛ إذ ترى أنَّ اكتمالَها مرتبطٌ بالحصولِ على شيءٍ خارجَ الذَّاتِ. ولذلك تدخلُ في دائرةٍ متكرِّرةٍ: افتقادٌ، ثمَّ طلبٌ، ثمَّ حصولٌ، ثمَّ فتورٌ، ثمَّ افتقادٌ جديدٌ.

إنَّها حركةٌ دائريَّةٌ لا تنتهي؛ لأنَّ الشَّيءَ الذي ظنَّتْ أنَّه سيمنحُها الامتلاءَ لم يكن قادرًا، في الحقيقةِ، إلَّا على تخفيفِ توتُّرٍ مؤقَّتٍ.

وإذ ذاكَ؛ تظهرُ إحدى المعضلاتِ الكبرى في الطَّبيعةِ البشريَّةِ: أنَّ الإنسانَ قد يحصلُ على ما أرادَه، ثمَّ يكتشفُ أنَّ السُّؤالَ الذي كان يبحثُ عن إجابتِه لم يكن في الشَّيءِ ذاتِه، وإنَّما في المعنى الذي كان يتخيَّلُه وراءَ الشَّيءِ.

عبَّرَ سيغموندُ فرويد عن جانبٍ مُهمٍّ من هذه البنيةِ حينَ جعلَ مبدأَ اللَّذَّةِ أحدَ المحرِّكاتِ الأساسيَّةِ للنَّفسِ الإنسانيَّةِ؛ فالنَّفسُ، في مستواها الأوَّليِّ، تسعى إلى تخفيفِ التَّوتُّرِ وتحقيقِ الإشباعِ. غيرَ أنَّ فرويد نفسَه كشفَ أنَّ الإنسانَ ليس كائنًا تحكمُه الرَّغبةُ المباشرةُ فقط؛ إذ إنَّ الحضارةَ والثَّقافةَ والأخلاقَ تقومُ على عمليَّاتٍ معقَّدةٍ من إعادةِ التَّوجيهِ والكبحِ والتَّسامي.

ويتأكُّد لي أنَّ القراءةَ التي نريدُ تأسيسَها هنا تتجاوزُ اختزالَ الرَّغبةِ في بُعدِها النَّفسيِّ؛ لأنَّ الرَّغبةَ ليست مجرَّدَ اندفاعٍ نحو اللَّذَّةِ، بقدرِ ما هي أيضًا سؤالٌ وجوديٌّ عن الاكتمالِ. فالإنسانُ لا يرغبُ فقط لأنَّه يفتقدُ شيئًا، وإنَّما لأنَّه يشعرُ بأنَّ وجودَه مشروعٌ مفتوحٌ لم يُنجَزْ بعدُ.

ولهذا فإنَّ الرَّغبةَ تحملُ وجهَينِ متناقضَينِ: وجهًا أوَّليًّا قد يجعلُ الإنسانَ أسيرًا للَّحظةِ، ووجهًا آخرَ يمكنُ أن يدفعَه نحوَ التَّجاوُزِ. فالرَّغبةُ في المعرفةِ قد تبدأُ بفضولٍ بسيطٍ، ثمَّ تتحوَّلُ إلى مشروعٍ علميٍّ. والرَّغبةُ في الاعترافِ قد تبدأُ بحثًا عن حضورٍ شخصيٍّ، ثمَّ تتحوَّلُ إلى رغبةٍ في تقديمِ أثرٍ نافعٍ. والرَّغبةُ في القوَّةِ قد تنحرفُ إلى السَّيطرةِ، لكنَّها قد ترتقي إلى قوَّةِ المسؤوليَّةِ والقدرةِ على البناءِ.

الرَّغبةُ إذن؛ ليست خيرًا ولا شرًّا في ذاتِها؛ إنَّها طاقةٌ خامٌّ، وقيمتُها تتحدَّدُ بالاتِّجاهِ الذي تسلكُه. وهنا يظهرُ الفرقُ بين الإنسانِ الذي تملكُه الرَّغبةُ، والإنسانِ الذي يمتلكُ القدرةَ على تأويلِها.

وكان آرثرُ شوبنهاور أكثرَ الفلاسفةِ تشخيصًا لمأساةِ الرَّغبةِ حينَ رأى أنَّ الحياةَ تتحرَّكُ بين قطبَينِ: ألمِ الحرمانِ ومللِ الإشباعِ. فالرَّغبةُ، عندَه، لا تنتهي؛ لأنَّ إشباعَ رغبةٍ يولِّدُ رغبةً أخرى، حتَّى يصبحَ الإنسانُ أسيرَ إرادةٍ عمياءَ لا تعرفُ الاكتفاءَ.

ولا شكَّ أنَّ هذا التَّشخيصَ يكشفُ جانبًا حقيقيًّا من التَّجربةِ الإنسانيَّةِ؛ فكم من إنسانٍ ظنَّ أنَّ بلوغَ غايةٍ معيَّنةٍ سيكونُ نهايةَ القلقِ، ثمَّ اكتشفَ أنَّ الغايةَ لم تكنْ إلَّا بدايةً لقلقٍ جديدٍ.

غيرَ أنَّ تجاوزَ هذا المأزقِ لا يكونُ بالضَّرورةِ عبرَ إخمادِ الإرادةِ، كما ذهبَ شوبنهاور، وإنَّما عبرَ إعادةِ تأويلِها. فالمشكلةُ ليست في كونِ الإنسانِ يريدُ، وإنَّما في نوعِ الإرادةِ التي تقودُه، وفي مستوى الوعيِ الذي يوجِّهُ هذه الإرادةَ.

فالإرادةُ التي تدورُ حولَ الامتلاكِ وحدَه تبقى أسيرةَ النَّقصِ، أمَّا الإرادةُ التي تنتقلُ إلى بناءِ المعنى، فإنَّها تبدأُ رحلةَ التَّحرُّرِ. ومن هنا يمكنُ القولُ: إنَّ الرَّغبةَ لا تحتاجُ إلى موتٍ، وإنَّما تحتاجُ إلى ارتحالٍ.

٢. ثَباتُ القِيمةِ: النُّزوعُ نحوَ المعنى والاتِّساقِ الوُجوديِّ

إذا كانتِ الرَّغبةُ تنطلقُ من سؤالٍ: ماذا أريدُ؟ فإنَّ القِيمةَ تنطلقُ من سؤالٍ أعمقَ: أيُّ إنسانٍ أريدُ أن أكونَ؟ وهنا يكمنُ الفرقُ الجوهريُّ بين المستويَينِ.

فالرَّغبةُ تتعلَّقُ غالبًا بموضوعٍ تسعى الذَّاتُ إلى امتلاكِه أو الوصولِ إليه، أمَّا القِيمةُ فتتعلَّقُ بصورةِ الذَّاتِ نفسِها، وبالمعيارِ الذي تريدُ أن تنتظمَ وَفقَه.

ولهذا فإنَّ القِيمةَ لا تُختزلُ في مجموعةٍ من الأوامرِ الأخلاقيَّةِ، وإنَّما هي البنيةُ التي تمنحُ الفعلَ الإنسانيَّ اتِّساقَه.

فالصِّدقُ، والعَدلُ، والكَرامةُ، والوَفاءُ، ليست مجرَّدَ قواعدَ سلوكيَّةٍ؛ إنَّها طرائقُ في الحضورِ داخلَ العالَمِ.

فالإنسانُ حينَ يختارُ الصِّدقَ لا يختارُ مجرَّدَ سلوكٍ معيَّنٍ، وإنَّما يختارُ أن يكونَ إنسانًا لا ينقسمُ على نفسِه. وحينَ يختارُ العَدلَ لا يختارُ مجرَّدَ موقفٍ اجتماعيٍّ، وإنَّما يختارُ صورةً للعالَمِ يريدُ أن يعيشَ فيها. وحينَ يحافظُ على كرامتِه وكرامةِ الآخرينَ، فإنَّه يعلنُ أنَّ الإنسانَ ليس أداةً للمنفعةِ، وإنَّما غايةٌ لها حرمتُها.

وبهذا الاعتبارِ؛ فالقِيمةُ ليست قيدًا على الحُرِّيَّةِ، وإنَّما هي التي تمنحُ الحُرِّيَّةَ معناها. فالحُرِّيَّةُ التي لا تستندُ إلى قِيمةٍ تتحوَّلُ إلى حركةٍ عمياءِ، والقِيمةُ التي لا تجدُ في الحُرِّيَّةِ مجالًا للحضورِ تتحوَّلُ إلى قشرةٍ جامدةٍ.

وفي الفكرِ الإسلاميِّ نجدُ هذا المعنى حاضرًا بوضوحٍ في مشروعِ أبي حامدٍ الغزاليِّ، حيثُ لم يكن تهذيبُ النَّفسِ عندَه إلغاءً للشَّهواتِ، وإنَّما إعادةَ ترتيبٍ لقُوى الإنسانِ بحيثُ تستعيدُ النَّفسُ مركزَها القياديَّ.

فالمشكلةُ ليست في وجودِ الشَّهوةِ، وإنَّما في أن تصبحَ الشَّهوةُ هي الحاكمَ الوحيدَ.

وليستِ المشكلةُ في وجودِ الرَّغبةِ، وإنَّما في أن تفقدَ الرَّغبةُ ميزانَها الدَّاخليَّ. ولهذا كان إصلاحُ الإنسانِ عندَ الغزاليِّ انتقالًا من سلطانِ الهوى إلى سلطانِ البصيرةِ، ومن التَّعلُّقِ بالصُّورةِ الظَّاهرةِ للأشياءِ إلى إدراكِ حقيقتِها ومعناها.

وهذا المعنى يلتقي، من زاويةٍ مختلفةٍ، مع التَّصوُّرِ الكانطيِّ الذي جعلَ القِيمةَ الأخلاقيَّةَ مرتبطةً باستقلالِ الإرادةِ. فالإنسانُ لا يبلغُ حُرِّيَّتَه حينَ يفعلُ كلَّ ما يرغبُ فيه، وإنَّما حينَ يصبحُ قادرًا على اختيارِ ما يراهُ حقًّا، حتَّى إذا تعارضَ ذلكَ مع ميلٍ عابرٍ.

لكنَّ القِيمةَ، في أفقِنا هنا، لا تُفهَمُ فقط بوصفِها واجبًا أخلاقيًّا، وإنَّما بوصفِها درجةً أعلى من تكاملِ الإنسانِ مع ذاتِه. إنَّها اللحظةُ التي يستحيلُ فيها الفعلُ الأخلاقيُّ من عبءٍ خارجيٍّ إلى تعبيرٍ طبيعيٍّ عن هُويَّتِه.

وفي هذه اللَّحظةِ، يبدأُ الانتصارُ الحقيقيُّ؛ ليس انتصارَ القِيمةِ على الرَّغبةِ، وإنَّما انتصارُ الإنسانِ على الانقسامِ الدَّاخليِّ الذي كان يفصلُ بين ما يشعرُ به وما يؤمنُ به.

• ثانيًا: سيرورةُ الارتحالِ العقلانيِّ: من تحريرِ الدَّافعِ إلى سيادةِ الإرادةِ

إذا كان الصِّراعُ بين القِيمِ والرَّغباتِ يكشفُ البنيةَ العميقةَ للإنسانِ، فإنَّ السُّؤالَ الأكثرَ أهميَّةً لا يتعلَّقُ بتشخيصِ الصِّراعِ، وإنَّما بكيفيَّةِ تجاوزهِ.

فالمعرفةُ بطبيعةِ الرَّغبةِ لا تكفي وحدَها للتَّحرُّرِ من سلطانِها، كما أنَّ إدراكَ قيمةِ المعنى لا يضمنُ تلقائيًّا القدرةَ على اختيارِه. فكم من إنسانٍ يعرفُ الخيرَ ولا يفعلُه، ويدركُ أثرَ الاختيارِ الخاطئِ ثمَّ يعودُ إليه، ويؤمنُ بقيمةٍ معيَّنةٍ ثمَّ يجدُ نفسَه عاجزًا عن تجسيدِها في الواقعِ.

وتبعًا لذلكَ؛ تظهرُ المسافةُ بين المعرفةِ والتَّحقُّقِ. فالإنسانُ لا يحتاجُ فقط إلى أن يعرفَ ما ينبغي أن يكونَ، وإنَّما يحتاجُ إلى مسارٍ وجوديٍّ ينتقلُ به من المعرفةِ إلى الفعلِ، ومن الفعلِ إلى العادةِ، ومن العادةِ إلى صورةٍ جديدةٍ من الحضورِ.

وهذا هو معنى الارتحالِ العقلانيِّ.

فالارتحالُ ليس انتقالًا مكانيًّا، وإنَّما هو انتقالٌ في بنيةِ الوعيِ؛ انتقالٌ من الإنسانِ الذي تُديرُه القوى الخفيَّةُ داخلَه إلى الإنسانِ الذي يكتشفُ هذه القوى، ويفهمُها، ويعيدُ ترتيبَها داخلَ مشروعِه الوجوديِّ.

إنَّه ليس حربًا على الرَّغبةِ؛ لأنَّ الحربَ الدَّائمةَ بين الإنسانِ وذاتِه تنتهي غالبًا إلى انقسامٍ داخليٍّ، وإنَّما هو عمليَّةُ تحريرٍ للرَّغبةِ من صورتِها العمياءِ، بحيثُ تتحوَّلُ من قوَّةٍ تستولي على الإرادةِ إلى طاقةٍ تعملُ داخلَ أفقِ المعنى.

١. الوعيُ المتباعدُ: المسافةُ الخلَّاقةُ بين المُثيرِ والاستجابةِ

تبدأُ عمليَّةُ التَّحريرِ من لحظةٍ صغيرةٍ، لكنَّها تحملُ إمكانًا هائلًا: أن يستطيعَ الإنسانُ أن يصنعَ مسافةً بين ما يشعرُ به وما يَفعلُه.

هذه المسافةُ هي التي تمنحُ الوعيَ فرصتَه. فالرَّغبةُ في صورتِها المباشرةِ لا تمنحُ الإنسانَ وقتًا كافيًا للتَّأمُّلِ؛ إنَّها تطلبُ الفعلَ قبلَ السُّؤالِ، والاستجابةَ قبلَ النَّظرِ، والحصولَ قبلَ التحقُّقِ من القِيمةِ.

أمَّا الوعيُ المتباعدُ، فهو قدرةُ الإنسانِ على الوقوفِ أمامَ اندفاعِه لحظةً واحدةً، لا ليرفضَه بالضَّرورةِ، وإنَّما ليراهُ.

وهذه الرُّؤيةُ هي بدايةُ الحُرِّيَّةِ؛ لأنَّ الإنسانَ حينَ يصبحُ قادرًا على رؤيةِ رغبتِه، لا يعودُ هو والرَّغبةُ شيئًا واحدًا. يصبحُ هناكَ “أنا” تلاحظُ، و”دافعٌ” يُلاحَظُ.

وفي هذا الفصلِ الدَّقيقِ يتولَّدُ الاختيارُ.

إنَّ أخطرَ ما في الرَّغبةِ غيرِ الواعيةِ أنَّها تتخفَّى في صورةِ أمرٍ مطلقٍ: “أريدُ، إذن ينبغي أن أفعلَ”. أمَّا الوعيُ المتباعدُ فيعيدُ صياغةَ العلاقةِ معها: “أرغبُ، لكن هل ما أرغبُ فيه ينسجمُ مع الإنسانِ الذي أريدُ أن أكونَه؟”

وهذا التَّحوُّلُ من صيغةِ الضَّرورةِ إلى صيغةِ السُّؤالِ هو بدايةُ التَّحرُّرِ.

وقد عبَّرتِ الفلسفةُ الرِّواقيَّةُ عن معنى قريبٍ من ذلك حينَ أكَّدتْ أنَّ الإنسانَ لا يضطربُ من الأشياءِ ذاتِها، وإنَّما من أحكامِه وانطباعاتِه عنها. فالمشكلةُ ليست دائمًا في الحدثِ الخارجيِّ، وإنَّما في الطَّريقةِ التي تستولي بها النَّفسُ على معنى الحدثِ، وتستجيبُ له.

فالرِّواقيَّةُ لا تدعو إلى جمودِ المشاعرِ، وإنَّما إلى استعادةِ مركزِ القيادةِ الدَّاخليَّةِ؛ بحيثُ لا تكونُ النَّفسُ ملعبًا لكلِّ انفعالٍ عابرٍ.

ووَفْقَ هذا التَّصوُْرِ؛ فإنَّ الوعيَ المتباعدَ لا يعني البرودَ، وإنَّما يعني الحضورَ الكاملَ. فالإنسانُ الذي يندفعُ وراءَ كلِّ شعورٍ ليس أكثرَ حياةً، وإنَّما أقلُّ قدرةً على قيادةِ حياتِه. أمَّا الإنسانُ الذي يتأمَّلُ شعورَه، فهو لا يفقدُ إنسانيَّتَه، وإنَّما يبلغُ درجةً أعمقَ منها.

٢. التَّسامي بالرَّغبةِ: من الطَّاقةِ الخامِ إلى القوَّةِ المُنشِئةِ للمَعنى

لا تتحقَّقُ القِيمةُ عبرَ إلغاءَ الرَّغبةِ؛ لأنَّ الرَّغبةَ تمثِّلُ جانبًا من الحيويَّةِ الإنسانيَّةِ. إنَّ محاولةَ قتلِ الرَّغبةِ قد تنتجُ إنسانًا مكبوتًا، لا إنسانًا متحرِّرًا.

ولهذا فإنَّ الطَّريقَ الأكثرَ عُمقًا ليس القمعَ، وإنَّما التَّحويل. وهنا يظهرُ مفهومُ التَّسامي بوصفِه إحدى أهمِّ الآليَّاتِ التي يستطيعُ الإنسانُ من خلالها إعادةَ توجيهِ طاقَتِه الدَّاخليَّةِ.

فالرَّغبةُ ليست مادَّةً يجبُ التخلُّصُ منها، وإنَّما طاقةٌ تحتاجُ إلى مسارٍ.

إنَّ الرَّغبةَ في التملُّكِ، إذا بقيتْ في صورتِها الأولى، قد تتحوَّلُ إلى جشعٍ واستحواذٍ. لكنَّها إذا ارتحلتْ داخلَ الوعيِ، فقد تتحوَّلُ إلى رغبةٍ في البناءِ، أو في الإنجازِ، أو في تركِ أثرٍ نافعٍ.

والرَّغبةُ في القوَّةِ قد تنحرفُ إلى السَّيطرةِ على الآخَرينَ، لكنَّها قد تتحوَّلُ إلى قوَّةٍ على النَّفسِ، وقدرةٍ على تحمُّلِ المسؤوليَّةِ، وحمايةِ الضَّعيفِ، وصناعةِ الخيرِ.

والرَّغبةُ في الاعترافِ قد تتحوَّلُ من طلبٍ مَرَضيٍّ للانتباهِ إلى رغبةٍ نبيلةٍ في تقديمِ عملٍ يستحقُّ التَّقديرَ.

وبهذا المعنى؛ لا تكونُ القِيمةُ عدوًّا للرَّغبةِ، وإنَّما تصبحُ الإطارَ الذي يكشفُ إمكاناتِها العُليا. فالمشكلةُ ليست في الطَّاقةِ، وإنَّما في الاتِّجاهِ.

ولعلَّ هذا أحدَ أهمِّ الفروقِ بين الإنسانِ الذي يعيشُ تحتَ وطأةِ دوافعِه، والإنسانِ الذي يعيدُ تشكيلَ دوافعِه. فالأوَّلُ يستهلكُ طاقَتَه في مطاردةِ الأشياءِ، والثَّاني يُحوِّلُ طاقَتَه إلى مشروعٍ.

ويمكنُ قراءةُ الحضاراتِ نفسِها بوصفِها تاريخًا لتحويلِ الرَّغباتِ الإنسانيَّةِ؛ فالحضاراتُ لا تقومُ على إلغاءَ الطَّاقاتِ البشريَّةِ، وإنَّما على إعادةِ تشكيلِها ومنحِها وجهةً تتجاوزُ صورتَها الأولى.

فالرَّغبةُ في السَّيطرةِ، التي ظهرتْ في بداياتِ التَّاريخِ بوصفِها صراعًا بين القبائلِ، أمكنَ أن تتحوَّلَ في مراحلَ لاحقةٍ إلى تنظيمٍ سياسيٍّ، أو مشروعٍ حضاريٍّ، أو قدرةٍ على إدارةِ المجتمعاتِ وبناءِ المؤسَّساتِ.

والرَّغبةُ في تجاوزِ حدودِ الطَّبيعةِ، التي بدأتْ دهشةً أمامَ المجهولِ، تحوَّلتْ إلى علمٍ ومعرفةٍ واكتشافٍ.

والرَّغبةُ في التَّعبيرِ عن الذَّاتِ تحوَّلتْ إلى أدبٍ وفنٍّ وفلسفةٍ، فأصبحتِ الذَّاتُ لا تبحثُ عن حضورِها الفرديِّ فقط، وإنَّما عن صياغةِ أثرٍ يتجاوزُ حدودَها الزَّمنيَّةَ.

وهذا يعني أنَّ الإنسانَ لا يتقدَّمُ لأنَّه يتخلَّصُ من قِواهُ الدَّاخليَّةِ، وإنَّما لأنَّه يتعلَّمُ كيفَ يمنحُها شكلًا أرقى، وكيفَ ينقلُها من مستوى الاندفاعِ الغريزيِّ إلى مستوى الفعلِ الواعيِّ.

وضمنَ هذا الأفُقِ؛ يكمنُ جوهرُ التَّحريرِ.

فالتحريرُ ليس إفراغَ الإنسانِ من رغباتِه، وإنَّما هو تحريرُ الرَّغبةِ نفسِها من بدائيَّتِها الأولى، وإعادةُ إدخالِها في أفقٍ أوسع من المعنى والمسؤوليَّةِ والإنجازِ. إنَّ الإنسانَ لا يصبحُ أكثرَ إنسانيَّةً حين يُنكرُ ما فيه من طاقاتٍ، وإنَّما حين يرتقي بهذه الطَّاقاتِ، ويمنحُها صورةً تعبِّرُ عن أفقِه الأعلى. ومن هنا؛ فإنَّ الارتحالَ العقلانيَّ لا ينقلُ الإنسانَ من الرَّغبةِ إلى القطيعةِ معها، وإنَّما ينقلهُ من الرَّغبةِ غيرِ المؤوَّلةِ إلى الرَّغبةِ التي أصبحتْ واعيةً بذاتِها، ومن الطَّاقةِ المبعثرةِ إلى الطَّاقةِ المنظَّمةِ، ومن الحركةِ التي تطلبُ الإشباعَ إلى الحركةِ التي تصنعُ المعنى.

٣. حُرِّيَّةُ الالتزامِ: من وَهمِ الاختيارِ المطلقِ إلى سيادةِ الذَّاتِ

تصلُ الرِّحلةُ إلى ذروتِها حين يكتشفُ الإنسانُ أنَّ الحُرِّيَّةَ ليستْ أن يفعلَ كلَّ ما يستطيعُ فعلَه، وإنَّما أن يختارَ ما يستحقُّ أن يُفعلَ. فالإنسانُ الذي يقولُ: «أنا حرٌّ لأنَّني أطيعُ كلَّ رغبةٍ في داخلي» قد لا يكونُ قد مارسَ الحُرِّيَّةَ، وإنَّما قد يكونُ قد سلَّمَ نفسَه لأقوى دافعٍ يمرُّ به.

أمَّا الحُرِّيَّةُ الأعمقُ، فهي أن يمتلكَ الإنسانُ القدرةَ على أن يقولَ لرغبتِه: أعرفُ حضورَكِ، وأفهمُ قوَّتَكِ، لكنَّني أختارُ وَفقَ المعنى الذي أريدُه لحياتي. وهذا هو معنى سيادةِ الإرادةِ.

وقد بلغَ هذا المعنى ذروتَه في الفلسفةِ الأخلاقيَّةِ عندَ إيمانويل كانط، الذي رأى أنَّ الفعلَ الأخلاقيَّ الحقيقيَّ لا يصدرُ عن مجرَّدِ الميلِ أو المنفعةِ، وإنَّما عن إرادةٍ قادرةٍ على الالتزامِ بمبدأ تراهُ صحيحًا. فالقِيمةُ عندَ كانط لا تأتي من سهولةِ الاختيارِ، وإنَّما من قدرةِ الإنسانِ على اختيارِ ما ينبغي حين يكونُ الاختيارُ مُكلِفًا.

ففي اللَّحظةِ التي يصبحُ فيها الإنسانُ قادرًا على تقديمِ المبدأ على المصلحةِ العاجلةِ، والمعنى على اللَّذَّةِ المؤقَّتةِ، يكونُ قد انتقلَ من الخضوعِ للدَّافعِ إلى ممارسةِ السِّيادةِ على ذاتِه.

كما أنَّ سيادةَ الإرادةِ لا تعني قسوةً على الذَّاتِ، ولا تحويلَ الإنسانِ إلى كائنٍ صارمٍ خالٍ من الرَّحمةِ تجاهَ نفسِه. فالذَّاتُ التي تُبنى بالقهرِ تنكسرُ، أمَّا الذَّاتُ التي تُبنى بالوعيِ فتتوازنُ. ولهذا فإنَّ الالتزامَ الحقيقيَّ ليس سجنًا للإرادةِ، وإنَّما اكتمالٌ لها.

فالإنسانُ حين يلتزمُ بقيمةٍ اختارَها بوعيٍ، لا يشعرُ أنَّه فقدَ حُرِّيَّتَه، وإنَّما يشعرُ أنَّه استعادَها؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ ليستْ في أن تبقى الذَّاتُ معلَّقةً بين احتمالاتٍ لا تنتهي، وإنَّما في أن تمتلكَ القدرةَ على منحِ حياتِها اتِّجاهًا ومعنى.

وعندَ هذا المُنعطَفِ؛ تظهرُ المفارقةُ الكبرى: في أنَّ الإنسانَ لا يصبحُ أكثرَ حُرِّيَّةً حين يفتحُ جميعَ الأبوابِ أمامَ رغباتِه، وإنَّما حين يعرفُ أيَّ بابٍ يستحقُّ أن يعبرَه.

فالحُرِّيَّةُ ليستْ كثرةَ الطُّرقِ التي يستطيعُ الإنسانُ سلوكَها، وإنَّما وعيُه بالطَّريقِ الذي ينسجمُ مع حقيقتِه التي يسعى إلى بنائها.

وفي ضَوْءِ ذلكَ؛ يكتملُ الارتحالُ العقلانيُّ في مرحلتِه الأولى: انتقالٌ من دافعٍ يطلبُ الامتلاكَ إلى إرادةٍ تصنعُ المعنى، ومن ذاتٍ تستجيبُ لما يطرأُ عليها إلى ذاتٍ قادرةٍ على اختيارِ ما تريدُ أن تكونَه.

• ثالثًا: الإنسانُ بوصفِه أوَّل نصٍّ للتَّأويلِ
من قراءةِ الرَّغبةِ إلى إعادةِ بناءِ الذَّاتِ

ربَّما يكونُ أعمقُ ما يمكنُ أن يبلُغَه الإنسانُ من معرفةٍ ليس أن يُحيطَ بما حولَه من أشياءَ، وإنَّما أن يقتربَ من ذاتِه بوصفِها السُّؤال الأوَّل الذي يسبقُ كلَّ الأسئلةِ.

فالإنسانُ، منذُ بداياتِ وعيِه، انشغلَ بتفسيرِ العالمِ: نشأةِ الكونِ، وحركةِ الطَّبيعةِ، وبنيةِ اللُّغةِ، وتاريخِ المجتمعاتِ. غيرَ أنَّ السُّؤالَ الأكثرَ قربًا ظلَّ الأكثرَ استعصاءً: مَنْ أنا؟ ولماذا أرغبُ فيما أرغبُ فيه؟ وما الذي يكمنُ خلفَ الدَّوافعِ التي تتحرَّكُ في داخلي؟

وعلى هذا الأساسِ؛ يبدأُ التَّأويلُ بمعناهُ الأوسع. فالتَّأويلُ ليس مجرَّدَ أداةٍ لفهمِ النُّصوصِ المكتوبةِ، وإنَّما هو فعلٌ إنسانيٌّ شاملٌ، ينتقلُ به الإنسانُ من ظاهرِ الأشياءِ إلى أعماقِها، ومن حضورِها المباشرِ إلى دلالاتِها الكامنةِ.

وإذا كانتِ النُّصوصُ تحتاجُ إلى قارئٍ يكشفُ طبقاتِها، فإنَّ الذَّاتَ الإنسانيَّةَ تحتاجُ كذلكَ إلى وعيٍ قادرٍ على قراءتِها؛ لأنَّ الإنسانَ ليس كيانًا شفَّافًا أمامَ نفسِه كما قد يظنُّ، بل عالمٌ مركَّبٌ تتداخلُ فيه الذَّاكرةُ والرَّغبةُ والخوفُ والأملُ والتَّجربةُ والتَّصوُّراتُ التي كوَّنَها عن ذاتِه وعن العالمِ.

ولهذا فإنَّ الإنسانَ قد يعيشُ سنواتٍ طويلةً وهو يظنُّ أنَّه يعرفُ نفسَه، بينما هو في الحقيقةِ لا يعرفُ إلَّا الصُّورةَ التي اعتادَ أن يراها عن نفسِه. أمَّا الرِّحلةُ الحقيقيَّةُ فتبدأُ حين يجرؤُ على إعادةِ قراءةِ هذه الصُّورةِ.

• الرَّغبةُ بوصفِها خطابًا يحتاجُ إلى تأويلٍ

ليستِ الرَّغبةُ مجرَّدَ حركةٍ داخليَّةٍ تطلبُ الإشباعَ، وإنَّما هي خطابٌ يحملُ معنى. فكلُّ رغبةٍ تقولُ شيئًا عن الإنسانِ، لكنَّها لا تقولُ دائمًا ما يظنُّ الإنسانُ أنَّها تقولُه.

فالرَّغبةُ في المالِ، مثلًا، قد تبدو في ظاهرِها طلبًا للامتلاكِ، لكنَّها قد تُخفي خلفَها بحثًا عن الأمانِ، أو الاعترافِ، أو التَّحرُّرِ من شعورٍ قديمٍ بالعجزِ.

والرَّغبةُ في الشُّهرةِ قد تبدو طلبًا للظُّهورِ، لكنَّها قد تكونُ في جوهرِها بحثًا عن حضورٍ ومعنى.

والرَّغبةُ في السُّلطةِ قد تبدو نزوعًا إلى السَّيطرةِ، لكنَّها قد تكونُ في بعضِ صورِها محاولةً لتعويضِ ضعفٍ داخليٍّ، أو استعادةِ إحساسٍ مفقودٍ بالقيمةِ.

وهذا لا يعني أنَّ كلَّ رغبةٍ تحملُ معنىً نبيلًا مخفيًّا، ولا أنَّ التَّأويلَ ينبغي أن يحوِّلَ كلَّ الدَّوافعِ إلى مُسوِّغاتٍ مقبولةٍ، وإنَّما يعني أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يتحرَّرَ من شيءٍ قبلَ أن يفهمَ بنيتَه العميقةَ.

فالرَّغبةُ التي لا تُؤوَّلُ تتحوَّلُ إلى قوَّةٍ خفيَّةٍ تقودُ الإنسانَ من حيثُ لا يشعرُ. أمَّا الرَّغبةُ التي تدخلُ مجالَ الوعي، فإنَّها تفقدُ شيئًا من سلطتِها العمياءِ، وتصبحُ مادَّةً يمكنُ العملُ عليها وإعادةُ تشكيلِها.
ومن هنا، يكونُ التَّأويلُ بدايةَ التَّحريرِ؛ لأنَّ أخطرَ القيودِ ليست تلكَ التي يشعرُ الإنسانُ بوجودِها، وإنَّما تلكَ التي تتخفَّى في صورةِ اختيارٍ شخصيٍّ.

قد يَظُنُّ الإنسانُ أنَّه يختارُ بحُرِّيَّةٍ، بينما هو في الحقيقةِ يكرِّرُ أنماطًا لم يفحصْها، أو يستجيبُ لدوافعَ لم يسألْ عن مصدرِها، أو يسيرُ خلفَ صورٍ جاهزةٍ للنَّجاحِ والسَّعادةِ كوَّنَها المجتمعُ أو التَّجربةُ أو الذَّاكرةُ.

ولهذا فإنَّ التَّحريرَ يبدأُ بسؤالٍ بسيطٍ، لكنَّه عميقٌ: هل هذا الذي أريدُه صادرٌ عن اختياري، أم عن شيءٍ اختارني قبلَ أن أختارَه؟

وهذا السُّؤالُ هو أحدُ الأسئلةِ المؤسِّسةِ في الارتحالِ العقلانيِّ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يصبحُ سيِّدًا لذاتِه بمجرَّدِ امتلاكِ القدرةِ على الفعلِ، وإنَّما حين يراجعُ مصادرَ أفعالِه، ويفحصُ القوى التي تُشكِّلُ اختياراتِه.

إنَّ السِّيادةَ تبدأُ من لحظةِ اكتشافِ الإنسانِ أنَّ داخلَه ليس منطقةً مغلقةً لا تُمسُّ، وإنَّما مجالٌ مفتوحٌ للقراءةِ وإعادةِ البناءِ.

• التَّحريرُ والتَّأويلُ: جدليَّةُ الانعتاقِ وبناءِ المعنى

في هذا المستوى تتَّضحُ الصِّلةُ العميقةُ بين مفهومي التَّحريرِ والتَّأويلِ.

فالتَّحريرُ دونَ تأويلٍ قد يتحوَّلُ إلى حركةٍ عمياءِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يرفضُ قيدًا معيَّنًا دونَ أن يفهمَ القيدَ الذي سيحلُّ محلَّه.

والتَّأويلُ دونَ تحريرٍ قد يتحوَّلُ إلى معرفةٍ ساكنةٍ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يفهمُ ذاتَه، لكنَّه يبقى عاجزًا عن تغييرِ موقعِه منها.

أمَّا حين يجتمعانِ، فإنَّهما يصنعانِ حركةً متكاملةً: يؤوِّلُ الإنسانُ ذاتَه؛ لكي يعرفَ مواضعَ أَسرِه، ويتحرَّرُ؛ لكي يعيدَ بناءَ ذاتِه على ضَوءٍ من هذا الفهمِ.

وهنا؛ يلتقي هذا المسارُ مع جوهرِ مشروعِ مَداراتِ التَّحريرِ والتَّأويلِ: من الغايةِ إلى الوسيلةِ؛ إذ لا يكونُ التَّحريرُ مجرَّدَ إزالةٍ لمانعٍ خارجيٍّ، ولا يكونُ التَّأويلُ مجرَّدَ إنتاجٍ لمعنًى نظريٍّ، وإنَّما يصبحانِ معًا طريقًا لبناءِ إنسانٍ يمتلكُ القدرةَ على مراجعةِ علاقتِه بذاتِه والعالمِ.

فالإنسانُ لا يتحرَّرُ فقط من الأشياءِ التي تُقيِّدُه، بل يتحرَّرُ أيضًا من القراءاتِ التي جعلتْه يرى نفسَه بطريقةٍ ناقصةٍ.

وقد يكونُ أعظمُ القيودِ قيدًا معرفيًّا؛ أن يعتقدَ الإنسانُ أنَّه لا يستطيعُ أن يكونَ إلَّا ما اعتادَ أن يكونَه.

وفي هذا المَقامِ؛ يأتي دورُ التَّأويلِ بوصفِه قوَّةً لإعادةِ فتحِ الإمكانِ.

• الإرادةُ بينَ الاستجابةِ والاستحضارِ

لعلَّ الفارقَ الأعمقَ بينَ الإنسانِ الذي يعيشُ تحتَ سلطةِ الرَّغبةِ، والإنسانِ الذي يسيرُ في أفقِ القِيمةِ، هو الفارقُ بينَ الاستجابةِ والاستحضارِ.

فالاستجابةُ تنتمي إلى الحاضرِ المباشرِ؛ إنَّها لحظةُ اندفاعٍ يطلبُ فيها الدَّافعُ أن يتحوَّلَ فورًا إلى فعلٍ.

أمَّا الاستحضارُ فهو قدرةُ الوعيِ على إدخالِ الغائبِ في الحاضرِ: استحضارِ العاقبةِ، واستحضارِ الصُّورةِ التي يريدُ الإنسانُ أن يكونَ عليها، واستحضارِ المعنى الذي يمنحُ الفعلَ قيمتَه.

ومن هنا؛ تتشكَّلُ المسافةُ التي تصنعُ الحُرِّيَّةَ.

فالإنسانُ الذي يستجيبُ فقط لما يشعرُ به يعيشُ داخلَ اللَّحظةِ. أمَّا الإنسانُ الذي يستحضرُ ما وراءَ اللَّحظةِ فإنَّه يعيشُ داخلَ مشروعٍ.

والفرقُ بينهما ليس فرقًا في قوَّةِ الرَّغبةِ، وإنَّما في مستوى الوعي الذي يستقبلُها.

فقد تكونُ الرَّغبةُ شديدةً عندَ الإنسانَينِ، لكنَّ أحدَهما يتركُها تقودُه، بينما يدخلُ الآخرُ معها في حوارٍ داخليٍّ يحدِّدُ موقعَها من حياتِه.

وبناءً على ذلكَ؛ لا يكونُ ضبطُ النَّفسِ حرمانًا، وإنَّما يكونُ شكلًا من أشكالِ المعرفةِ؛ لأنَّ الإنسانَ حين يؤجِّلُ استجابتَه قليلًا لا يخسرُ حُرِّيَّتَه، بل يكتشفُها.

إنَّ لحظةَ التردُّدِ الواعيِّ قبلَ الفعلِ ليست ضعفًا في الإرادةِ، وإنَّما هي اللحظةُ التي تولَدُ فيها الإرادةُ الحقيقيَّةُ.

فالحيوانُ يستجيبُ لما يحضرُ أمامَه، أمَّا الإنسانُ فيستطيعُ أن يستحضرَ ما ليس حاضرًا: المستقبلَ، والمعنى، والنتيجةَ، وصورةَ الذَّاتِ التي يريدُ بناءَها.

وهذه القدرةُ هي التي تجعلُ الإنسانَ أكثرَ من مجموعِ دوافعِه؛ إنَّه لا يعيشُ فقط داخلَ ما هو كائنٌ، وإنَّما يعيشُ أيضًا داخلَ ما ينبغي أن يكونَ.

وفي هذه الحالةِ؛ يتحوَّلُ الصِّراعُ بينَ الرَّغبةِ والقِيمةِ من معركةٍ داخليَّةٍ إلى مدرسةٍ للارتقاءِ.

فكلُّ رغبةٍ تصبحُ سؤالًا، وكلُّ سؤالٍ يصبحُ فرصةً للتَّأويلِ، وكلُّ تأويلٍ صادقٍ يصبحُ خطوةً نحوَ مزيدٍ من التَّحريرِ.

• رابعًا: التَّجلِّيَاتُ الوجوديَّةُ لانتصارِ المعنى
من الصِّراعِ الدَّاخليِّ إلى الوجودِ الأصيلِ

حين تنتصرُ القِيمةُ على الرَّغبةِ، لا يعني ذلك أنَّ الإنسانَ بلغَ حالةً من السُّكونِ النِّهائيِّ، أو خرجَ من دائرةِ التَّوتُّرِ التي تصنعُ حركتَهُ الدَّاخليَّةَ؛ فالإنسانُ لا يصبحُ كائنًا مكتملًا مغلقًا على ذاتِه، وإنَّما يظلُّ مشروعًا مفتوحًا على التَّحوُّلِ والنُّمُوِّ.

غيرَ أنَّ الفارقَ الجوهريَّ يكمنُ في طبيعةِ هذا التَّوتُّرِ.

ففي المرحلةِ الأولى يكونُ الإنسانُ ممزَّقًا بينَ قِوًى تتجاذبُهُ؛ رغبةٍ تدفعُهُ نحوَ الإشباعِ العاجلِ، وقِيمةٍ تناديهِ نحوَ معنًى أبعدَ.

أمَّا بعدَ نضجِ الوعيِ، فإنَّ الصِّراعَ لا يختفي، وإنَّما يتحوَّلُ من صراعٍ بينَ قِوًى متعارضةٍ إلى حوارٍ داخليٍّ تُعادُ فيه صياغةُ العلاقةِ بينَ الدَّافعِ والمعنى.

وفي هذا المُستوَى؛ يتحقَّقُ أحدُ أعمقِ أشكالِ التَّحريرِ: ألَّا يعودَ الإنسانُ ساحةً للصِّراعِ، وإنَّما يصبحَ الفضاءَ الذي تُنظَّمُ داخلَهُ القِوى المختلفةُ في اتِّجاهٍ واحدٍ.

فالإنسانُ لا ينتصرُ حينَ يقضي على جانبٍ من ذاتِه، وإنَّما حينَ يستعيدُ وَحدتَهُ.

١. من التَّشتُّتِ الدَّاخليِّ إلى الاتِّساقِ الذَّاتيِّ

أخطرُ ما تفعلُهُ الرَّغبةُ حينَ تنفصلُ عن القِيمةِ أنَّها تُنتجُ انقسامًا داخلَ الذَّاتِ.

فالإنسانُ الذي يعيشُ وَفقَ ما لا يؤمنُ بهِ، أو يختارُ ما يناقضُ صورتَهُ العميقةَ عن نفسِه، قد يحصلُ على مكاسبَ خارجيَّةٍ، لكنَّهُ يدفعُ ثمنًا داخليًّا يتمثَّلُ في فقدانِ الانسجامِ.

إنَّ الذَّاتَ المنقسمةَ لا تعاني فقط من تأنيبِ الضَّميرِ بالمعنى الأخلاقيِّ الضيِّقِ، وإنَّما تعاني من فقدانِ الوَحدةِ الوجوديَّةِ؛ إذ يصبحُ الإنسانُ غريبًا عن أفعالِه، وكأنَّ هناكَ مسافةً بينَ الشَّخصِ الذي يراهُ الآخرونَ، والشَّخصِ الذي يعرفُهُ في داخلِه.

أمَّا حينَ تنتظمُ الرَّغباتُ داخلَ أفقِ القِيمةِ، فإنَّ الإنسانَ يستعيدُ هذا الاتِّصالَ بينَ الدَّاخلِ والخارجِ.

لا يعودُ مضطرًّا إلى تسويغِ ذاتِه باستمرارٍ، ولا إلى اختراعِ صورٍ تُخفي التَّناقضاتِ العميقةَ؛ لأنَّ الفعلَ يصبحُ امتدادًا لقناعةٍ داخليَّةٍ.

وهذا هو معنى الاتِّساقِ الذَّاتيِّ.

إنَّهُ ليسَ الكمالَ، ولا غيابَ الخطأ، وإنَّما أنْ يعيشَ الإنسانُ في علاقةٍ صادقةٍ مع ذاتِه؛ يعرفُ نقاطَ ضعفِه، ويعي دوافعَهُ، ويختارُ الاتِّجاهَ الذي ينسجمُ مَعَ المعنى الذي ارتضاهُ لنفسِه.

٢. القِيمةُ بوصفِها بناءً للوجودِ لا مجرَّدَ حُكمٍ أخلاقيٍّ

غالبًا ما تُفهَمُ القِيَمُ بوصفِها أوامرَ ينبغي الالتزامُ بها، غيرَ أنَّ هذا الفهمَ يبقى محدودًا؛ لأنَّ القِيمةَ في عُمقِها ليست مجرَّدَ قاعدةٍ مفروضةٍ على الإنسانِ من خارجِه، وإنَّما هي طريقةٌ في بناءِ الإنسانِ لذاتِه، وصياغةِ حضورِه في العالَمِ.

فالصدقُ، مثلًا، لا يَكتسبُ قيمتَهُ فقط؛ لأنَّهُ سلوكٌ مطلوبٌ، وإنَّما لأنَّهُ يبني ذاتًا لا تحتاجُ إلى العيشِ في عالَمٍ من الأقنعةِ، ولا إلى الانقسامِ بينَ ما تُظهِرُهُ وما تُضمِرُهُ.

والوفاءُ لا تكمنُ أهمِّيَّتُهُ في كونِه التزامًا تجاهَ الآخرِ فقط، وإنَّما في كونِه حفاظًا على استمراريَّةِ الذَّاتِ، ومنعًا لتحلُّلِها أمامَ تقلُّباتِ المصلحةِ وتبدُّلِ الظُّروفِ.

والكرامةُ لا تعني مجرَّدَ رفضِ الإهانةِ، وإنَّما تعني إدراكَ الإنسانِ أنَّهُ كائنٌ لهُ قيمةٌ لا تُختَزلُ في المنفعةِ، أو القوَّةِ، أو المكانةِ.

وفي هذه المرحلةِ؛ تصبحُ القِيَمُ أشبهَ بالمعمارِ الدَّاخليِّ للوجودِ؛ إنَّها لا تضيفُ شيئًا خارجيًّا إلى الإنسانِ، وإنَّما تكشفُ إمكانًا كامنًا فيهِ، وتفتحُ أمامَهُ صورةً أعمقَ لما يمكنُ أن يكونَهُ.

ولهذا فإنَّ الإنسانَ حينَ يختارُ القِيمةَ لا يتحرَّكُ ضدَّ طبيعتِه، وإنَّما يتحرَّكُ نحوَ صورتِها الأعمقِ، ونحوَ إمكانِها الأكثرِ اكتمالًا.

وفي الفكرِ الإسلاميِّ نجدُ هذا المعنى حاضرًا بوضوحٍ في مشروعِ أبي حامدٍ الغزاليِّ، حيثُ لم يكنْ تهذيبُ النَّفسِ عندَهُ إلغاءً للشَّهواتِ، وإنَّما إعادةُ ترتيبٍ لقِوى الإنسانِ؛ بحيثُ تستعيدُ النَّفسُ مركزَها القياديَّ، وتنتقلُ من الفوضى الدَّاخليَّةِ إلى التَّوازنِ والبصيرةِ.

فالمشكلةُ ليستْ في وجودِ الشَّهوةِ، وإنَّما في أنْ تصبحَ الشَّهوةُ الحاكمَ الوحيدَ.

وليستِ المشكلةُ في وجودِ الرَّغبةِ، وإنَّما في أنْ تفقدَ الرَّغبةُ ميزانَها الدَّاخليَّ، وتتحوَّلَ من طاقةٍ قابلةٍ للتَّوجيهِ إلى قوَّةٍ تستولي على الإرادةِ.

ولهذا كان إصلاحُ الإنسانِ عندَ الغزاليِّ انتقالًا من سلطانِ الهوى إلى سلطانِ البصيرةِ، ومن التعلُّقِ بالصُّورةِ الظَّاهرةِ للأشياءِ إلى إدراكِ حقيقتِها ومعناها.

وهذا المعنى يلتقي، من زاويةٍ مختلفةٍ، معَ التَّصوُّرِ الكانطيِّ الذي جعلَ القِيمةَ الأخلاقيَّةَ مرتبطةً باستقلالِ الإرادةِ.

فالإنسانُ لا يبلغُ حُرِّيَّتَهُ حينَ يفعلُ كلَّ ما يرغبُ فيه، وإنَّما حينَ يصبحُ قادرًا على اختيارِ ما يراهُ حقًّا، حتَّى إذا تعارضَ ذلكَ معَ ميلٍ عابرٍ أو رغبةٍ لحظيَّةٍ.

غيرَ أنَّ القِيمةَ، في الأفقِ الذي نؤسِّسُ لهُ هنا، لا تُفهَمُ فقط بوصفِها واجبًا أخلاقيًّا، وإنَّما بوصفِها درجةً أعلى من تكاملِ الإنسانِ مَعَ ذاتِه.

إنَّها اللَّحظةُ التي لا يعودُ فيها الفعلُ الأخلاقيُّ غريبًا عن الإنسانِ، ولا يبدو كأنَّهُ عبءٌ مفروضٌ عليه من خارجِه، وإنَّما يصبحُ تعبيرًا عن هُويَّتِه العميقةِ، وعن الصُّورةِ التي اختارَ أنْ يكونَ عليها.

وبذلك؛ يبدأُ الانتصارُ الحقيقيُّ.

ليسَ انتصارَ القِيمةِ على الرَّغبةِ بوصفِه إلغاءً لطرفٍ لحسابِ طرفٍ آخرَ، وإنَّما انتصار الإنسانِ على الانقسامِ الدَّاخليِّ الذي كان يفصلُ بين ما يشعرُ به وما يؤمنُ به.

فالقِيمةُ حينَ تنضجُ داخلَ الإنسانِ لا تعودُ صوتًا خارجيًّا يأمرُهُ، وإنَّما تصبحُ صوتًا داخليًّا يعبِّرُ عن اكتمالِه.

ومن هذا البابِ؛ ينتقلُ الإنسانُ من مجرَّدِ الصِّراعِ معَ ذاتِه إلى بناءِ ذاتٍ متآلفةٍ مَعَ معناها.

٣. من الإرادةِ المنفعلةِ إلى السِّيادةِ الوجوديّةِ

إنَّ مفهومَ السِّيادةِ في هذا السِّياقِ لا يتعلَّقُ بالسَّيطرةِ على الآخَرين، ولا بامتلاكِ القوَّةِ الخارجيَّةِ، وإنَّما يتعلّقُ بأمرٍ أكثرَ عمقًا: قدرةِ الإنسانِ على أنْ يكونَ صاحبَ العلاقةِ الأولى بذاتِهِ، وأنْ يستعيدَ مسؤوليَّتَهُ عن القوى التي تتحرَّكُ في داخلِهِ.

فالإنسانُ المسلوبُ الإرادةِ ليسَ فقط مَنْ يُجبَرُ على شيءٍ من الخارجِ، إنَّه أيضًا ذلك الإنسانُ الذي يعجزُ عن تحريرِ قرارِه من ضغطِ دوافعِهِ غيرِ المُختبَرةِ، ومن الصُّورِ التي استقرَّتْ في داخلهِ دونَ مراجعةٍ. وقد يعيشُ الإنسانُ في ظاهرِ الأمرِ مستقلًّا، بينما هو في الحقيقةِ محكومٌ بخوفٍ قديمٍ، أو رغبةٍ مستمرَّةٍ في إثباتِ الذَّاتِ، أو حاجةٍ لا تنقطعُ إلى قَبُولِ الآخَرين.

أمّا السِّيادةُ الحقيقيَّةُ فتبدأُ حينَ يصبحُ الإنسانُ قادرًا على أنْ يسألَ: لماذا أفعلُ ما أفعلُ؟ ولمَنْ أستجيبُ؟ وما الصُّورةُ التي أبنيها لنفسي عبرَ هذا الاختيارِ؟

فهذهِ الأسئلةُ لا تُضعِفُ الفعلَ، بقدرِ ما تمنحُهُ جذورَهُ، وتنقلهُ من مجرَّدِ حركةٍ تلقائيَّةٍ إلى فعلٍ صادرٍ عن وعيٍ ومسؤوليَّةٍ. فالإنسانُ الذي يعرفُ لماذا يختارُ يستطيعُ أنْ يتحمَّلَ كلفةَ اختيارِهِ، أمَّا الإنسانُ الذي يتحرَّكُ دونَ معنى، فإنَّهُ يبقى هشًّا أمامَ أوَّلِ إغراءٍ أو ضغطٍ؛ لأنَّ الفعلَ الذي لا يستندُ إلى وعيٍ عميقٍ بالغايةِ يبقى مُعرَّضًا للتَّبدُّلِ مَعَ تبدُّلِ الظُّروفِ، بينما الفعلُ الذي ينبعُ من معنى راسخٍ يمتلكُ قدرةً أكبرَ على الثَّباتِ أمامَ التَّحوُّلاتِ.

ومن هنا؛ فإنَّ سيادةَ الإنسانِ على ذاتِهِ لا تتحقَّقُ حينَ يتخلَّصُ من كلِّ تأثيرٍ، فذلك أمرٌ غيرُ ممكنٍ في طبيعةِ الوجودِ البشريِّ، لا تكونُ إلَّا حينَ يصبحُ قادرًا على التَّمييزِ بين ما يوجِّهُهُ من الدَّاخلِ وما يستولي عليه، وبين ما يختارُهُ بوعيٍ وما يُدفَعُ إليهِ دونَ إدراكٍ.

فالإنسانُ لا يكونُ سيِّدًا لذاتِهِ حينَ يغلقُ أبوابَ التَّأثيراتِ من حولهِ، بل حينَ يمتلكُ القدرةَ على استقبالِها وتأويلِها وتحديدِ موقعِها من مشروعِهِ الوجوديِّ.

وبهذا الشَّكلِ؛ يتحوَّلُ الارتحالُ العقلانيُّ من مجرَّدِ منهجٍ في التَّفكيرِ إلى نمطٍ في الوجودِ؛ لأنَّهُ لا يكتفي بتغييرِ طريقةِ الإنسانِ في النَّظرِ إلى الأشياءِ حسبُ إلى شكلٍ من إعادةِ بناءِ علاقتِهِ بنفسِهِ وبالعالمِ.

فالإنسانُ الذي يمارسُ هذا الارتحالَ لا يعودُ أسيرَ ماضيهِ، ولا رهينَ اندفاعاتِ حاضرِه؛ إذ يصبحُ قادرًا على صناعةِ مستقبلهِ من خلالِ وعيهِ بما يحملُهُ من إمكاناتٍ، وما يختارُهُ من مساراتٍ.

ووقتئذٍ؛ يظهرُ معنى الإنسانِ القادرِ أو المُتمكِّنِ؛ ذلك الإنسانُ الذي لا يُعرَّفُ بما هو عليهِ فقط، بل بما يستطيعُ أنْ يصيرَ إليهِ.

• خاتمة: النِّصابُ الأخلاقيُّ واستعادةُ الذَّاتِ

في نهايةِ المطافِ، لا يكونُ انتصارُ القيمةِ على الرغبةِ لحظةً عابرةً ينتهي عندها الصِّراعُ، بقدرِ ما هو ممارسةٌ يوميَّةٌ، ورحلةٌ مستمرَّةٌ في إعادةِ بناءِ الإنسانِ لذاتِهِ.

فالإنسانُ لا يُختبَرُ مرَّةً واحدةً، وإنَّما يُختبَرُ في كلِّ لحظةٍ يجدُ فيها نفسَهُ أمامَ مفترقٍ؛ بين ما يريدُهُ الآنَ، وما يعرفُ في أعماقِهِ أنَّهُ جديرٌ بأنْ يريدهُ.

وعلى آيةٍ من ذلكَ؛ تتجلَّى حقيقةُ الإنسانِ: ليستْ في أنَّهُ لا يرغبُ، وإنَّما في أنَّهُ يستطيعُ أنْ يمنحَ رغبتَهُ معنى. وليستْ في أنَّهُ لا يضعفُ، وإنَّما في أنَّهُ قادرٌ على العودةِ إلى مركزِهِ كلَّما ابتعدَ. وليستْ في أنَّهُ يملكُ إجاباتٍ نهائيَّةً، وإنَّما في أنَّهُ يمتلكُ شجاعةَ السُْؤالِ الذي يعيدُ ترتيبَ وجودِهِ.

إنَّ النَّفسَ الإنسانيَّةَ تشبهُ آلةً موسيقيَّةً دقيقةً؛ فإنْ أُطلِقَتْ أوتارُها بلا نظامٍ تحوَّلتْ إلى ضجيجٍ، وإنْ شُدَّتْ فوقَ طاقتها انكسرتْ، أمَّا حينَ تنتظمُ بدرجةِ التَّوازنِ المناسبةِ فإنَّها تنتجُ نغمَها الخاصَّ.

وكذلك الإنسانُ؛ فالقيمةُ لا تنتصرُ حينَ تخنقُ الرَّغبةَ، والرَّغبةُ لا تُنقذُ حينَ تتحرَّرُ من كلِّ معيارٍ، فالإنسانُ لا ينتصرُ إلَّا حينَ يجدُ الإيقاعَ الذي تتآلفُ فيهِ طاقتُهُ مع معناها.

وعندَ هذا الحَدِّ؛ لا يعودُ السُّؤالُ: كيفَ أتخلَّصُ من رغباتي؟ ليصبحَ: كيفَ أرتقي برغباتي حتَّى تصبحَ جزءًا من رسالتي؟

وهذا هو التَّحوُّلُ الجوهريُّ في مسارِ الارتحالِ العقلانيِّ؛ إذ ينتقلُ الإنسانُ من مقاومةِ ذاتِهِ إلى فهمِها، ومن محاكمةِ دوافعِهِ إلى تأويلِها، ومن الخضوعِ لما فيهِ إلى إعادةِ صياغتِهِ.

فأعمقُ أشكالِ التحريرِ هو أنْ يصبحَ الإنسانُ قادرًا على قيادةِ ما يسكنُهُ. وأعمقُ أشكالِ التَّأويلِ هو أنْ يقرأَ ذاتَهُ قراءةً تمنحُهُ القدرةَ على تجاوزِها. وأعلى درجاتِ السِّيادةِ أنْ يلتقيَ الإنسانُ مع نفسِهِ في أفقِ المعنى؛ فلا يكونُ ممزَّقًا بين ما يشعرُ به وما يؤمنُ به، ولا غريبًا عن أفعالِهِ، ولا هاربًا من صورتِهِ في مرآةِ الوعيِ.

هناكَ؛ في تلكَ اللَّحظةِ التي يستعيدُ فيها الإنسانُ وَحدتَهُ الدَّاخليَّةَ، يبدأُ الانتصارُ الحقيقيُّ.

ليسَ انتصارَ الإنسانِ على رغباتِهِ، إنَّه انتصارُ الإنسانِ فيها؛ حينَ تتحوَّلُ من قوَّةٍ تستنزفُهُ إلى طاقةٍ تبني، ومن طلبٍ للإشباعِ إلى حركةٍ نحوَ الاكتمالِ، ومن انفعالٍ عابرٍ إلى حضورٍ واعٍ في العالمِ.

وهكذا؛ لا يكونُ صراعُ القيمِ والرَّغباتِ علامةً على نقصِ الإنسانِ، إنَّما علامةٌ على إمكانِهِ. فالكائنُ الذي لا يعرفُ الصِّراعَ لا يعرفُ التَّحوُّلَ. أمَّا الإنسانُ، فإنَّهُ يحملُ في داخلِهِ دائمًا إمكانيَّةَ الارتقاءِ؛ لأنَّهُ الكائنُ الذي يستطيعُ أنْ يعيدَ تأويلَ نفسِهِ، وأنْ يحرِّرَ وعيَهُ، وأنْ يصنعَ من نزاعِهِ الدَّاخليِّ طريقًا إلى المعنى.

وهنا؛ يكتملُ المدارُ:
من الرَّغبةِ إلى القيمةِ،
ومن القيمةِ إلى المعنى،
ومن المعنى إلى سيادةِ الإنسانِ على ذاتِهِ.
__
د. عبدالله عياصرة
أكاديميٌّ وأديبٌ وباحثٌ أردنيٌّ.

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى