على شكل حلقة وفي غرفة صغيرة اجتمع نساء الحي، يتبادلن اطراف الحديث ، فتذكرن تلك القصص التي حضرت معهم من قراهم القديمة التي احتلت وهجرت لأسباب لا يعلمها الا اساسة..
” لا يمكن فهم النساء باي حال من الاحوال، الا ان نساء الحارة كن من البساطة والطيبة، ما جعلهن اشبه بالعائلة الواحدة كل منهن تلقي بهمومها ومشاكلها على امام مسامع الجميع ..
عندما تتكاثر المصائب يمحو بعضها بعضًا، وتحل بك سعادة جنونية غريبة المذاق ..وتستطيع أن تضحك من قلب لم يعد يعرف الخوف بعد ان اعتاد على المصاعب والهموم المتراكمة!”
وعند الحديث عن الجلسات التي يعقدنها النساء، يتبادر الى الذهن مباشرة النميمية والثرثرة، ولكن نساء الحارة اضفن الى هذا البعد علاقات اجتماعية وحكايا مر عليها زمن بعيد، يتم تدوالها كأنها واقع معاش .
فتلك النسوة وبالرغم من انهن اتين من اماكن مختلفة الا ان اغلبهن عشن تلك الظروف التي مر بها رجال الحي ، من هجرة قصرية ولجوؤ اجباري وعشن اجواء الحرب و قاسين الامرين ، فقد كان المطلوب منهن بخلاف النساء الاخريات تربية الاطفال ومساعدة الرجال في العمل ، وبناء البيوت من ذلك الدخل القليل والمتهالك الذي يجنيه الرجال . هذا الى جانب كونهن امهات وأخوات وزوجات، وعليهن التعامل مع الواقع بكل تناقضاته .
ربما لأنهن نشأن معا وربما لأنهن جميعا كن من أسر بسيطة فقيرة كان هذا الترابط والحب الذي يربط بينهن .. رغم اختلاف الأعمـار ولكن عندمـــا تراهن يتبـــادر لذهنك إنهن شقيقـــــات كأن الحزن لم يطرق لهن بـــــــــاب وقد تعالـــت ضحكــــاتهن وهن يحملن الطعام الى الرجال اثناء العمل عدد من الارغفة وحبات “البندورة واقراص من الجبن وبعض حبات الفلافل وبعض من الزيت والزعتر ،تيسر الحال طبق من العدس او الفول ويتكرر هذا المشهد يوميا .
كان في الحي عدد من النساء العاملات واللواتي استطعن بعملهن تربية اشقائهن ، فسعدية التي عملت على مكينة الخياطة لسنوات طويلة استطاعت مساعدة اشقائها وابنائهم رغم اعاقتها السمعية ، وكنت استغرب تماما كيف استطاع نساء الحي دمجها في مجتمعهن هي تتحدث بكلام غير مفهوم فكن يتعاطفن معها وكانها واحدة منهم ، فيما كانت ام وائل والتي كانت من الذكاء والحنكة بحيث سخرت كل امكيناتها في العمل بالتجارة حتى ثلاجة منزلهم استثمرتها في مشروع تجاري لبيع “الايما والاسكمو” كما انها حولت بيتها المتواضع الى حانوت وحديقتها الصغيرة امام المنزل الى مزعة كفتهم احتياجاتهم من معظم الخضروات .اما العمة نفيسة ام حسن وام الشهيد يوسف فقد كانت تقف بجانب زوجها العجوز في الفرن تخبز وتعجن ، وقد شاهدتها بعيني وهي تحمل الطوب لمساعدة ابناء الشهيد يوسف في اكمال منزلهم الصغير.
اما خلف الأبواب المغلقة فلا أحد يعلم ما كان يجري ، كيف كانت النساء يدبرن الأمور اليومية والمعيشة فتلك تحتاج إلى الكثير من التروي والعود في تفاصيل يتجنب الكثيرين الغوص فيها من باب التعفف ، تحسبهم أغنياء من التعفف.
هذا قدر النساء في هذا الزمن الجميل والذي حمل الكثير من الألفة والمحبة والتعاون..
نعم كانت نساء الحي عاملات ، ولكن بصمت وبدون مقابل فقط يرضن بالقليل من الستر فالرضى هي القناعة والقناعة هي الطاعة ، والطاعة تعني احترام الزوج وتربية الابناء والسهر على رعايتهم.
وقبل ان يتحسن الوضع الاقتصادي للرجال بعد الانفتاح على دول الخليج قلما تجد امرأة من نساء الحي لم تشاطر زوجها في عمله سواء في الحقول او في الكثير من الاعمال الاخرى ، وبالرغم من ذلك كن مربيات عفيفات وشقيقات للرجال في كل طروف الصعبة والقاسية .
ونتيجة لكثيرمن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تعرض لها نساء الحي فقد انحصر الحديث عن طبائع الرجال مهاماتهم اليومية ومشاكل الاولاد الذين بدأو يجوبون الشوارع في حالة من الفوضى ولكنها فوضى حميدة بكل الاحوال ، فقد خرج من ذلك الحي الفقير الذي تم بناءه على عجل وفي غفلة من الزمن الكثير من المبدعين والعمال المهرة والبناؤن ، بل استطعن ايضا ايصال الكثير منهم الى الجامعات والمعاهد ليتخرجوا منها وكانهم ابناء الذوات والميسورين اقتصاديا .
جلست نساء الحي متحلقات الى ام عبد الله التي تقراء الفنجان ، وكأن شيئ ينتظرهن في المدى القريب ..
قالت ام عدنان وهي تعيد فنجان القهوة المقلوب الى وضعه الطبيعي
هل سنعود الى قريتنا.
وتابعت والله اشتقت للتين والصبر والعين المي..
ام عبدالله .. هناك طاقة فرج
اعادت ام عدنان السؤال ولكن بطرقة مختلفة
لقد حلمت اليوم اننا نبني بيتا جميلا في بيارتنا القديمة.
ام عبدالله الصبر مفتاح الفرج ..
وابتسمت قبل ان تكمل حديثها .. ولكني ارى ان عزيزا عليك سيعود من سفر بعيد
اسرعت ام عدنان بالقول وهل يحمل بيده شيئ
ام عبدالله نعم وكأنها ورقة او شهادة ذات قيمة كبيرة وستحمل له ولكم السعادة.
وقالت العائد غاب منذ زمن بعيد ولكنه حصل على مراده بصعوبة ونجح بعد جهد كبير ..
ام عدنان بعد ان اطلقت تنهيدة من صدرها المتعب “يا مندرا” يكون الى بالي .
ام عبد الله ان شاء الله ربنا ما يضيع تعب لحدا.
ام عدنان وكانها اكتفت بما سمعت سانتظر ..
واردفت كل حياتنا صبر بصبر
بدأ نساء الحي بعلوا صوتهن من جديد
قالت ام محمد الحاجة خضرا شوفيلي فنجاني يا ام عبد الله من زمان ما شفتك بدنا نجوز لولاد ونفرح فيهم من زمان ما دخل الفرح لبيوتنا
ام عبدالله وهي تحاول ان تضع اولويات لحديثها ورتيب الادوار، حاضر يام محمد
امسكت بالفنجان وقالت بصوت مسموع ضيوف كثر سياتون اليكم قريبا ..
ضحكت ام محمد وقالت في قرارة نفسها لقد بدات هذه الزيارات المتبادلة منذ اسبوع.
في الحقيقية كانت بيت المرحوم ابو محمد الفالوجي يعدون العدة لتزويج ابنيهم محمد والشيخ احمد ، وكانت هذه الزيارات معروفة للجميع .
وكانت نساء الحي قد شرعن تبادل الحديث عن ذلك العرس المتوقع .
اما ام عبد الرحيم فقد تمنت هي الاخرى ان يعود الغائبون
وقالت هي تشير الى ام عبدالله نحن ايضا مسافرون فمتى العودة
ام عبدالله فرح قريب سيدخل بيتكم
وتابعت ارى فتاة ترتدي ثوبا ابيض وبجانبها شاب مروبع القامة ..
لم تستمر تلك الجلسة التي استثمر فيها نساء الحي تواجد ام عبد في منزل ام عدنان وحولها الكثير من نساء الحي اكثر من ساعة، وهن يحتسين القهوة ,ولكن هذه الساعة كانت كافية ان تحصل كل منهن على مرادها.. فقد حرصت كل واحدة على ان تمسك ام عبدالله فنجانها قبل الاخرى.
والغريب في الموضوع ام عبد الله التي يشهد لها اهل الحي بالكثير من المواقف الشجاعة ، انها كانت تعطي كل واحدة ما تريد سماعه من اخبار مفرحة، وهي الوسيلة الوحيدة التي استطاعت فيها ام عبدالله ان تعطي الامل لنساء الحي وابقائهن سعيدات رغم معرفتها الجيدة ان الهموم التي يعيشها سكان الحي لن تسكنها القهوة او الكلام ..ولكنها وسيلة صغيرة للنسيان لا اكثر ولا اقل.فهي مثل كل الناس، ترى العالم بمنظار من يريد أن تحدث الأمور كما يشتهي، وليس كما تحدث في الواقع.
كان الشارع الرئيسي الذي يمر من الحارة قد تم تعبيدة حديثا بعد ان جمع اهل الحي مالا للبلدية، فبات مسرحا للكثير من الحوارات واللقاءات بل وحتى اللجلسات واحيانا المشاكل بين صبيان الحي التي تنتهي بسرعة عند تدخل النساء في الموضوع.
صباحا وفي الطريق الى مدرسة البنات، كانت صبايا الحي يمضين من ذات الشارع على استحياء، وعيونهم لا تنظر الا الى الارض حياءا وخجلا بل وخوفا من عين احدهم قد يسترق النظر .
اذكر تماما تلك الامثال التي كانت ام عدنان ترددها بعفوية لاي صبية تلتقيها في محاولة منها لتعزيز ذلك الاحساس الدائم باهمية ان تحافظ الفتاة على عفتها ونقائها وحيائها “اذا ضحكت البنت وبان نابها الحقها ولا تهابها” . الحياء يضبط سلوك الفتاة التي تحب أن تكون لها مكانه مميزة.
فالحياء علامة تدل على ما في النفس من الخير وهو إمارة صادقة على طبيعة الإنسان فيكشف عن مقدار بيانه وأدبه. إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ، ولا خير في وجه إذا قل ماؤه حياؤك ، فإحفظه عليك فإنما يدل على فعل الكريم حياؤه.
في تلك الاجواء كانت تسير الامور في الحارة ولكن كل ذلك لم يمنع شباب الحي من التقاط نظرة عابرة او لفتة عبر العيون تاخذهم الى حلم عاشق لم يستطع اطالة النظر وامنية بابتسامة او حتى سلام .
قال لي احد الاصدقاء بعد ان فشل تماما واضناه الانتظار لمجرد ابتسامة.. ان لفته تكفيه ولكنه بعد عناء بات يردد.. قالت من انت ومن تكون؟ قلت لها ..عاشق قتلته تلك العيون سهد الليالي تشهد والنجوم وقمرا منير وسط النجوم .. وتاره تفضحني نظرة العيون عشق تلك النظرات تلك البسمات ربما خرجت من خلف الضباب ربما من السكون..
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.





