عبد الله عبد العزيز يكتب .. زلزال الجيل Z

هل يقود شباب بريطانيا قطار العودة إلى أوروبا !

 

بينما كان مهندسو البريكست يحتفلون بـ “يوم الاستقلال” عام 2016، كان نصف أطفال “الجيل Z” في بريطانيا لم يبلغوا سن الحلم بعد. اليوم، كبر هؤلاء الأطفال ليتحولوا إلى زلزال ديموغرافي يهدد بهدم كل ما بناه اليمين؛ 60% منهم يعلنونها صراحة: مستقبلكُم ليس مستقبلنا، وقطار العودة إلى أوروبا قد انطلق بالفعل.

أعادت الأرقام الأخيرة التي كشفها استطلاع مؤسسة (More in Common) توجيه البوصلة؛ حيث عبر 60% من الشباب (بين 18 و28 عاماً) عن رغبتهم الصريحة في التصويت لصالح العودة للتكتل إذا أتيحت الفرصة، مقابل 9% فقط يتمسكون بالوضع الحالي.

وعند حساب الفئات المرجح مشاركتها فعلياً، تقفز نسبة تأييد العودة إلى 81%. هذا التوجه تعززه أبحاث شركة YouGov التي تؤكد أن 57% من عموم البريطانيين يرون القرار خاطئاً، لكن خيبة الأمل تبلغ ذروتها لدى “الجيل Z” الذي يرى نصفه بريكست كـ “فشل ذريع” تسبب فيه ساسة دفعوا بالبلاد نحو المجهول.

وتكمن الأزمة الحقيقية لمهندسي البريكست في الحتمية الديموغرافية؛ فمنذ عام 2016، تشهد التركيبة السكانية البريطانية إحلالاً تدريجياً؛ حيث يغادر الناخبون الأكبر سناً المشهد الانتخابي بداعي الوفاة الطبيعية، بينما يدخل ملايين الشباب سنوياً إلى قوائم الاقتراع.

هؤلاء الوافدون الجدد يمتلكون هوية عولمية منفتحة ترتكز على العالمية الرقمية، ولا تعنيهم سرديات “السيادة التقليدية”.

هذا التحول السكاني يعني ببساطة أن القاعدة الانتخابية المؤيدة للبريكست تتقلص حيوياً، بينما تتسع قاعدة الراغبين في العودة بشكل يهدد بهدم الإرث السياسي للمحافظين واليمين.

إن الدافع وراء هذا السخط الشبابي ليس مجرد نكاية سياسية، بل هو واقع معيشي معقد؛ فقد حرم البريكست الشباب البريطاني من “حق التنقل الحر” الذي تمتعت به الأجيال السابقة، وحرم الطلاب من برامج تبادل رائدة مثل (إراسموس)، فضلاً عن فرض قيود معقدة على السفر والعمل في دول الاتحاد الـ 27.

هذا الواقع جعل الشباب يشعرون بعزلة قسرية داخل جزيرة تعاني التضخم وضعف النمو، مما ولد قناعة لديهم بأن مستقبلهم قد سُرق بقرار اتخذه آخرون لا يشاركونهم تبعات الحياة في بريطانيا اليوم.

هذا التحول الجذري يضع النخبة السياسية الحالية أمام معضلة كبرى، لا سيما مع التغيرات القيادية الأخيرة ومغادرة كير ستارمر لرئاسة الوزراء.

وتجد القيادة العمالية الحالية نفسها مطوقة بضغوط متزايدة من قاعدتها الشبابية؛ حيث سيواجه المرشحون البارزون لرئاسة الوزراء اختباراً صعباً يتطلب حسم الموقف من “اتفاقيات تنقل الشباب” والتقارب التجاري مع بروكسل. في المقابل، يستنفر اليمين المتشدد لتثبيت نتائج 2016 عبر تجييش الخطاب القومي حول الهجرة لحماية مكاسبهم الانتخابية.

على الجانب الآخر، يدرك الشباب أن العودة ليست بضغطة زر؛ فوفقاً لتقارير المسؤولين الأوروبيين، باتت بروكسل تنظر إلى لندن كـ “شريك صعب” تآكلت الثقة فيه. أي عودة تتطلب سنوات من المفاوضات الشاقة، وإجراء استفتاء جديد، والقبول بشروط صارمة كحرية انتقال العمالة، وهو ما يرفضه اليمين بشدة.

في النهاية، يبدو أن بريكست الذي صِيغ كـ “مشروع للمستقبل”، يواجه اليوم الرفض من أصحاب المستقبل أنفسهم. قد ينجح الساسة الحاليون في المماطلة وتجنب فتح صندوق لاستفتاء جديد على المدى القصير خوفاً من تعميق الانقسام، لكنهم يسيرون عكس اتجاه التاريخ الحتمي.

إن “الجيل Z” لا يبحث عن مجرد معاهدات تجارية، بل يقاتل لاستعادة هويته المسلوبة؛ والتركيبة السكانية المتحولة تثبت أن قطار العودة قد تحرك بالفعل. مسألة العودة لم تعد مجرد احتمال سياسي، بل هي مسألة وقت تفرضه حتمية الأجيال، لأنك قد تستطيع تأجيل السياسة، لكنك حتماً لا تستطيع إيقاف الزمن.

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى