أبعاد “السكوت النصي”.. بين المرونة المقاصدية والفراغ الاستثماري
نقدم في هذا الجزء من سلسلة حوار “غياب نظام حكم محدد في القرآن.. بين آفاق التأويل وتكريس الاستبداد” منحيين للنص القرآني: منحى تأسيسي يُعنى بما هو مقاصدي وهو ما يشكل إطارا لمنحى ثاني مفتوح يتسم بفراغ مؤسسي تاركا بذلك المجال إلى مرونة تأويلية. في مقابل المرونة المقاصدية، يظهر الجانب التاريخي الذي وُظّف فيه هذا “السكوت النصي” إبان وفاة الرسول إلى تباينات اجتهادية في السقيفة، حيث ظهر أوّل تأسيس للمُلك لُقّب بالخلافة. ومصطلح الخلافة يشي بأن أقوال الصحابة مسلّم بها، وإذا اعتبرنا أفعال الصحابة اجتهادا على أساس انعدام معصوميتهم من الخطأ فهل الانصياع لما يسوسونه واجب؟ إن ما استقرت عليه مختلف التيارات الإسلامية هو اخراج الصحابة والخلفاء من دائرة النقد وهو ما هيأ أرضية الفكر الإسلامي لتجذر نسيج فقهي هو فقه السلاطين.
يستهل د.نور الدين السافي حديثه بتحليل نوازع سكوت القرآن عن تحديد “شكل الدولة” أو “نظام الانتقال السلطوي” ويقدم في هذا الصدد قراءتين عبر مسارين تحليليين: أولا أنّ اعتبارنا بأنّ النصوص التي حلّلناها وأشرنا إليها تعتبر نصوصا تأسيسية كلّية. ويتابع قائلا: “وإذا اعتبرناها على هذا النحو فهي لم تسكت على شيء لأن جميع الجزئيات تسكن داخل القول الكلّي وهذا ما بيّنا بعض مظاهره في قولنا بالكليات المقاصدية والتمييز بين التشريعي والإجرائي والانفتاح على التعدّدية تنفيذا لأمر الاعتراف بالاختلاف وتنظيم الشؤون وِفقَه. أمّا ما يمكن اعتباره مسكوتا عنه وهو في الحقيقة موجود في الكلّيات نذكر مثلا القول بالفراغ المؤسّسي وشغور آليات الانتقال. والقول بإمكان صعود الفقه السلطاني وفرض فقه التغلّب. والقول بتبرير واقع الشوكة والقوة العسكريّة والتعامل مع هذه المسائل وغيرها إذا احترمت الأمّة الإسلام دينها يكون من خلال اتباع مسار المرونة التأويليّة داخل دائرة كلّيات النّص التأسيسية.”
ثم يؤكد د.السافي على طبيعة النص القرآني ككتاب هداية وتأسيس مقاصدي كلّي وليس مدونة قانونية إجرائية تفصيلية. ليفتح المجال للتمييز بين الثابت والمتغير من خلال التأكيد على الجوانب المقاصدية والقيمية لكونها موجّهة ومؤطّرة لعملية النظر والتأويل مثل (العدل والحرية والشورى وأداء الأمانات ومنع الظلم) وهي قيم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان والمكان. والأشكال الإجرائية لنظام الحكم (ديمقراطي، نيابي، فدرالي،…) فهي متغيرات مرتبطة بالتطور الاجتماعي والتاريخي للبشرية. أمّا التأسيس للتعددية والتداول السلمي فيكون بإسناد “الأمر” للأمة (﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾) فيُعطي مشروعية كاملة للتعددية السياسية، والتداول السلمي على السلطة، وتأسيس المؤّسسات الدستورية، وتقييد سلطة الحاكم؛ لأن النصّ ترك الوسائل والأدوات للأنسب لعصر كلّ أمة، محققا مبدأ المرونة التأويلية واستيعاب التطورات السياسية الحديثة. وهذا يحصّن الأمّة من خضوع صاحب السّلطة الأول لأوامر الأمم الأخرى. فييسّر عليهم أمر التحكّم في أمته تحت اسم المصلحة العامة مثلا، وذلك لأنّ القرارات السّياديّة للأمر مرتبطة بأمر الأمة (الجماعة) وليس أي ّجهة سواها فحصانة الأمّة لا يكون بمن يسوسها أي رأس الدّولة وإنما بجامعة الأمّة ذاتها (أمر-هم). وهو ما يفسّر لنا اتخاذ المّلك في البلاد الإسلامية النماذج السائدة في عصرها مثل النموذج الفارسي أو النموذج البيزنطي والتفاعل بينهما.
يضع د.السافي فيما بعد ذلك الجانب التاريخي كممارسة فعلية للسلطة على المحك قائلا: “في مقابل المرونة المقاصدية، يظهر الجانب التاريخي الذي وُظّف فيه هذا “السكوت النصي” لتكريس الأمر الواقع مثل غياب آلية انتقال السلطة حيث لم يحدّد النّص التأسيسي كيفية اختيار الحاكم أو نسق انتقال السلطة عند الخلاف، مما أدّى فور وفاة الرسول إلى تباينات اجتهادية في السقيفة، حيث ظهر أوّل تأسيس للمُلك سُمّي بالخلافة. رغم أن كلمة خليفة رسول الله تثير إشكالات كبرى لا تزال قائمة إلى اليوم. إذا كيف نتصوّر وجود خليفة للرسول؟ فهل يمكن عقلا ودينا أن يخلف أحدٌ الرّسول. فالرّسول هو صاحب الرّسالة والرّسالة انتهت بوفاته. فلا أحد يخلفه فيها. وأمّا محمّد فلا يمكن خلافته لأنه كان نبيّا أيضا وآتاه الله الحكمة. وساس أمر المسلمين مدّة من الزمن في المدينة وكتب وثيقة المدينة التي نظّم بها شأن الجماعة المختلفة على مبدأ الشّورى. وهذا الاسم أي الخلافة هو الذي سيقود الفكر الإسلامي نموذجا وفقها وأحكاما لتصير أقوال الصحابة وأفعالهم من الأسس المسلّمة التي تُبنى عليه النّظرة السياسية والأحكام الشرعيّة. وإلى اليوم لا يزال المسلمون يعتمدون هذه القاعدة في التشريع وما ترتّب عنها من إشكالات من حيث علاقة أقوالهم وأفعالهم بالإسلام الذي اكتمل قبل وفاة الرّسول. وبالتالي إن قلنا هو اجتهاد الخلفاء أو الصّحابة يصير الإشكال هل الأخذ باجتهادهم ضروريّ أم أنه اجتهاد ملزم لهم ويتحمّلون مسؤوليته أمام الله والتاريخ ونحن نعلم اليوم أن العديد من التيارات التي تسمّى إسلامية ترفض نقد الخلفاء او الصحابة لأنها منحتهم قداسة ومكانة لم يخبرنا القرآن عنها بل صاروا ينعتون من ينقد الصحابة أو يناقش قولهم في مسألة معيّنة بالكفر والخروج عن الإسلام وكأن الإيمان بالصحابة من أركان الإسلام والإيمان أو كأن الله امر باتباع أقوال الصحابة وما يضعونه من أحكام وتشريعات وضرورة الالتزام بذلك الالتزام الكلّي. كلّ هذه الميول ساهمت في بناء نسيج فقهي هو فقه السلاطين إلى جانب الفقه العام المطبّق على المسلمين وكأن التشريع بقي مفتوحا بعد ختم النبوّة وموت الرسول. وكان هذا من الأسباب التي أوقعت المسلمين وقتها في أزمات سياسية وتشريعيّة كبيرة أدّت إلى تطوّر كبير جدا بلغ فيه الخلاف السّياسي إلى “الفتنة الكبرى”، ليصل في النهاية إلى تحوّل الخلافة إلى “مُلك عضوض” قائم على الغلبة والسّيف. وهذا السّيف وهذه الغلبة ليست جديدة وقتها بل كانت نتيجة سيرورة بدأت قبلهم عندما حورب من لم يعط الزكاة للخليفة أو من قيل إنه ارتدّ، أو قتل الخليفة الثالث والحرب ضدّ علي ابن أبي طالب الخليفة الرّابع حتى قَتله الخوارج. فالسّيف بدأ من الأيام الأولى، والحرب الأهليّة بين الصحابة اشتدّت وبلغت أقصاها حتى بلغت إلى الأمويين ليصيروا ولاّة الأمر الذين لا يجوز الخروج عنهم أو مناقشتهم باعتبارهم قضاء الله وقدره. ومن قال بالحرية وقتها ذُبح في المسجد يوم العيد… وتجلّى الأمر أكثر تاريخيّا في هيمنة الفقه السلطاني وتأسيس شرعية التغلّب حيث استغل الفقهاء المتأخرون مثل الأحكام السلطانية الماوردي (ت 450 هـ) والفرّاء(ت 458) و”الجويني (ت478 هـ). و”السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) و”تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام” لابن جماعة (ت 733 هـ) … وأمام ضغط الواقع السياسي والحروب الأهلية، قاموا بتشريع “بيعة الإكراه” و”حكم المتغلّب”. وصار القهر بالسيف وسيلة للحفاظ على البيضة ومنع الفتنة، حيث تقرر في الأدبيات الفقهية أن “من غلب بالسيف حتى سمّي أميرا للمؤمنين فلا يحلّ لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبايع غيره”. وبهذا تمّ فصل الشرعية عن الضابط القرآني: وبذلك، أُلغي البعد الشوري والمقاصدي للقرآن الكريم، وحُلّت محلّه شرعية إنجازية بدائية قائمة على إدارة القوة العسكرية والأمر الواقع، دون الاستناد إلى ضابط نصّي أو دستوري يقيّد سلطة المتغلب.”
سيكون لنا حديث في الجزء القادم من الحوار عن الممارسات السياسية التي التي يرفضها القرآن وهي ثلاث: نظام الفرعونية والاستبداد المطلق، نظام الأورغارشية وحكم الجاهلية ثم نظام الطغيان الثيوقراطي.
بهاء إبراهيم
كاتبة تونسية
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.



