حنين.. بليغ وجلال – 184
“في اللَّحظةِ التي تَتَجلَّى فيها الفاجعةُ صامتةً دونَ صُراخ”:
[المَشهدُ 184: كيمياءُ الحَصَى والعصافير]
__
يقفُ بليغٌ بين أنقاضِ الغرفةِ التي كانت يومًا مكتبةً للطِّفلةِ “حنين”. لا يوجدُ جدارٌ كاملٌ، لكنَّ سِتارةً ورديَّةً واحدةً بقيَتْ معلَّقةً بخَيطٍ نحاسيٍّ وسطَ الرَّماد، تهتزُّ مع كلِّ هَبَّةِ هواءٍ كأنّها تتنفَّسُ نيابةً عن المكان.
يجلسُ على ركبتَيه، يرفعُ بكفّهِ قفصًا حديديًّا صغيرًا كان يضمُّ عُصفورَينِ من عصافيرِ “الجافا”. القفصُ مفعوصٌ تمامًا تحت بلاطةٍ خرسانيَّة، والعُصفورانِ صامتان، ونسيجُ قشٍّ أصغرُ من كفِّ اليَد، كان يضمُّ بيضتَينِ لم تتكسَّرا.
يقتربُ جلالٌ بخطواتٍ ثقيلةٍ، يحملُ في يدهِ جهازَهُ لقياسِ الانحرافِ؛ واقفًا بذُهولٍ أمامَ شاشةٍ لا تسجِّلُ أيَّ رقم. ينظرُ إلى بليغٍ ويقولُ بصوتٍ خفيضٍ خنقَتْهُ العتمة:
“في الهندسةِ يا بليغ.. هناك ما يُسمَّى ‘نقطة الانكسار المُطلَق’، وهي اللَّحظةُ التي لا يستطيعُ فيها المُنْشَأُ تحمُّلَ غرامٍ واحدٍ إضافيٍّ من الضَّغط…”
ينظرُ إليه بليغ، وفي عينيهِ انكسارٌ يَزِنُ جبالًا، يحملُ البَيضةَ الصَّغيرةَ بين سبَّابتهِ وإبهامهِ ويجيبُ بصلابةٍ مشروخة:
“وهنا في غَ𓂆زَّةَ يا جلال.. ليست الخُرسانةُ هي التي انكسرت. إنَّها تحوَّلَتْ إلى غُبار. الذي انكسرَ تلك البَيضةُ الصُّغرى التي احتفظَت بدفئها تحت أطنانِ السَّقف، بينما “حنين” التي كانت ترعى هذا القفصَ كلَّ صباح.. رحلَتْ قبلَ أن تعرفَ أنَّ الحياةَ في هذه البَيضةِ لم تَمُتْ بعدُ”.
يمسكُ بليغٌ بحفنةٍ من القماشِ الورديِّ المُغبَّرِ بالرِّمادِ، يُغطِّي بها القفصَ الصَّغيرَ كما يُغطِّي الأبُ طفلَهُ في ليلةٍ قارسة، ويُتمتِمُ:
“الرَّمادُ ليس دائمًا جثَّةَ النَّارِ يا صديقي.. أحيانًا يكونُ الرَّمادُ الكفنَ الوحيدَ المتاحَ لما تبقَّى من حنانِ هذا العالم.”
يسودُ صمتٌ مُطبِقٌ في المكان. لا صَوتَ لسيَّاراتِ إسعاف، ولا لطائرات؛ فقط صَوتُ السِّتارةِ الورديَّةِ وهي تحتكُّ بالرُّكام، وصَوتُ نَفَسِ جلالٍ الذي يرتجفُ لأوَّلِ مرَّةٍ منذُ بدايةِ الحرب…
د عبدالله عياصرة
كاتب وباحث أردني
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.



