حين نتحدث عن غزة، لا يمكن أن نتجاوز مصر. فالقاهرة ليست مجرد دولة مجاورة للقطاع، ولا وسيطًا يظهر عند اشتداد الأزمات ثم يغادر طاولة المفاوضات؛ مصر جزء من الجغرافيا والسياسة والتاريخ الفلسطيني، ولذلك فإن دورها في غزة يتجاوز فكرة الوساطة التقليدية.
خلال الحرب، حافظت مصر على موقعها كأحد أهم الأطراف القادرة على التواصل مع مختلف الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والدولية. وفي المرحلة الحالية، تشارك القاهرة إلى جانب قطر وتركيا والولايات المتحدة في ضمان تنفيذ مسار وقف إطلاق النار ودفع المفاوضات إلى الأمام.
لكن أهمية مصر لا تتوقف عند السياسة.
منذ بداية الحرب، أصبحت الأراضي المصرية، خصوصًا العريش، مركزًا رئيسيًا للاستجابة الإنسانية لغزة. ووفق تقرير للأمم المتحدة، مرّت آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات عبر المسار المصري خلال عام 2025، كما استقبلت مصر نحو 65% من المرضى والمصابين الذين جرى إجلاؤهم طبيًا من غزة منذ بداية الأزمة.
وهذا يجعل مصر أمام مسؤولية استثنائية: أن تكون بوابة للمساعدات، ومساحة للاتصال السياسي، وطرفًا أساسيًا في أي ترتيبات تخص مستقبل القطاع.
لكنني أعتقد أن السؤال الأهم ليس: ماذا تفعل مصر اليوم في غزة؟
بل: ماذا تستطيع مصر أن تفعل غدًا؟
غزة لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار. تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان قبل الحجر، وإلى فتح المعابر، وإعادة تشغيل المستشفيات والمدارس، وإعمار البيوت، وإعادة الحياة إلى مدينة أنهكتها الحرب. ومصر أعلنت دعمها للتعافي وإعادة الإعمار في غزة من دون تهجير الفلسطينيين أو تفكيك القطاع عن بقية الأرض الفلسطينية.
وهنا يمكن للقاهرة أن تلعب دورًا أكبر من دور الوسيط: أن تكون أحد مهندسي المرحلة الفلسطينية الجديدة، لا بمعنى فرض وصاية على غزة، وإنما بالمساهمة في توفير البيئة السياسية العربية والدولية التي تسمح للفلسطينيين بإدارة شؤونهم بأنفسهم.
فأكبر خطر على غزة بعد الحرب ليس الدمار وحده، وإنما أن تتحول غزة إلى قضية إدارة دولية طويلة الأمد، أو إلى مساحة تتصارع عليها القوى الإقليمية والدولية بينما يبقى الفلسطيني خارج صناعة القرار.
ومصر، بحكم موقعها وعلاقاتها التاريخية، تستطيع أن تدفع باتجاه مختلف: إدارة فلسطينية للقطاع، وإعمار عربي ودولي، ووحدة سياسية وجغرافية بين غزة والضفة الغربية، ورفض أي محاولة لفرض التهجير أو فصل غزة عن القضية الفلسطينية. وهذا المبدأ ظهر بوضوح في الموقف المصري المعلن خلال مؤتمر القدس الذي عقد في القاهرة في يوليو/تموز 2026.
لكن نجاح مصر في هذه المهمة لن يكون سهلًا.
فالمشهد الدولي حول غزة شديد التعقيد، والخلافات بشأن نزع سلاح الفصائل، والانسحاب الإسرائيلي، وترتيبات الأمن والإدارة، ما زالت تعطل الانتقال من وقف إطلاق النار إلى سلام مستقر. وحتى الآن، لا تزال الضربات الإسرائيلية تهدد مسار التهدئة وتضع الوسطاء أمام اختبار صعب.
لذلك، فإن الدور المصري الحقيقي يجب ألا يُقاس بعدد جولات المفاوضات التي تستضيفها القاهرة، بل بقدرتها على منع غزة من العودة إلى الحرب، ومنع تحويل إعادة إعمارها إلى مشروع سياسي بلا فلسطينيين.
مصر ليست مطالبة بأن تحمل وحدها عبء غزة، ولا تستطيع ذلك أصلًا. لكنها تستطيع أن تجمع العرب حول رؤية واحدة، وأن تستخدم ثقلها السياسي لفتح الطريق أمام الإعمار، وأن تحافظ على القضية الفلسطينية بوصفها قضية شعب وحقوق، لا مجرد ملف أمني أو إنساني.
في النهاية، ستحتاج غزة إلى كل من يستطيع مساعدتها، لكن ما تحتاجه أكثر هو أن تستعيد حقها في أن تكون جزءًا طبيعيًا من فلسطين، لا جزيرة معزولة بين الحدود والحواجز والصفقات.
وهنا تحديدًا يمكن لمصر أن تكون أكثر من وسيط.
يمكنها أن تكون جسرًا بين غزة وفلسطين، وبين الحرب وإعادة الحياة.
خال فحل
كاتب فلسطيني
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.




