د هالة الجزار تكتب .. التربية في عصر اقتصاد المعرفة والمهارات المستقبلية

لم يعد السؤال: ماذا نُعلِّم أبناءنا؟ بل أصبح: كيف نُعدُّهم لعالم تتغير فيه المعرفة والوظائف والمهارات بوتيرة غير مسبوقة؟

يشهد العالم تحولًا عميقًا من اقتصاد يعتمد بصورة أساسية على الموارد المادية والإنتاج التقليدي إلى اقتصاد أصبحت فيه المعرفة والبيانات والابتكار والمهارات البشرية من أهم مصادر القيمة والتنافسية. وفي قلب هذا التحول تقف التربية أمام مسؤولية تاريخية: إعادة النظر في أهداف التعليم ومناهجه وطرائق التدريس، بحيث لا تكتفي بإعداد المتعلم لاجتياز الامتحان، وإنما تؤهله للحياة والعمل والتعلم المستمر في عالم سريع التغير.

وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في مشروعها «مستقبل التعليم والمهارات 2030/2040» أن أنظمة التعليم مطالبة بإعداد الطلاب لعالم قد يواجهون فيه وظائف لم تُخلق بعد، وتقنيات لم تُبتكر بعد، ومشكلات اجتماعية لم يكن بالإمكان توقعها. ولذلك يركز الإطار على المعرفة والمهارات والاتجاهات والقيم، إلى جانب قدرة المتعلم على المبادرة والرفاه والتصرف المسؤول.

*من اقتصاد المعلومات إلى اقتصاد المعرفة*

اقتصاد المعرفة لا يعني مجرد امتلاك كمية كبيرة من المعلومات، وإنما يعني القدرة على إنتاج المعرفة وتوظيفها وتحليلها وتحويلها إلى ابتكار وقيمة مضافة.

وفي هذا الاقتصاد لم تعد الشهادة وحدها ضمانًا للنجاح المهني، كما لم تعد المعرفة التي يكتسبها الطالب في بداية حياته التعليمية كافية بالضرورة لمسيرته المهنية كاملة.

فالتغير التكنولوجي، والذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والاقتصاد الرقمي، والتحولات البيئية والاجتماعية، كلها عوامل تعيد تشكيل سوق العمل بصورة مستمرة.

ويشير تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن التحولات التكنولوجية والاقتصادية والديموغرافية والانتقال الأخضر ستعيد تشكيل سوق العمل حتى عام 2030، مع توقع خلق 170 مليون وظيفة جديدة مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة، بما يعني تحولًا كبيرًا في طبيعة المهارات المطلوبة. كما يشير التقرير إلى تزايد أهمية مزيج من المهارات التكنولوجية والمهارات الإنسانية، ومنها المهارات المعرفية والتعاون.

وهنا تتضح العلاقة الجوهرية بين التربية واقتصاد المعرفة: فإذا كان الاقتصاد يتغير، فلا بد أن تتغير معه فلسفة إعداد الإنسان.

**نهاية عصر «المعرفة المحفوظة»*
لسنوات طويلة ارتبط النجاح التعليمي بقدرة الطالب على الحفظ والاسترجاع والإجابة الصحيحة عن الأسئلة.

لكن ظهور محركات البحث، والمنصات التعليمية، وقواعد البيانات، ثم الذكاء الاصطناعي التوليدي، جعل الوصول إلى المعلومات أكثر سهولة من أي وقت مضى.

وهذا لا يعني أن المعرفة فقدت قيمتها، بل يعني أن طريقة التعامل معها أصبحت أكثر أهمية.

فالمتعلم الذي يمتلك القدرة على طرح السؤال الصحيح، والبحث المنهجي، والتحقق من المصادر، وتحليل المعلومات، واكتشاف التحيز، وربط الأفكار، وتحويل المعرفة إلى حلول، سيكون أكثر قدرة على النجاح من متعلم يملك مخزونًا كبيرًا من المعلومات دون القدرة على توظيفها.

ومن هنا يصبح أحد أهم أهداف التربية الحديثة هو الانتقال من تعليم ما نعرفه إلى تعليم المتعلم كيف يفكر فيما يعرفه.

*ما المهارات التي يحتاجها المستقبل؟*

ليس هناك قائمة نهائية وثابتة يمكن تسميتها «مهارات المستقبل»، لأن المستقبل نفسه متغير.

لكن الاتجاهات العالمية تشير بوضوح إلى أهمية مجموعة من الكفايات التي تتجاوز المعرفة التخصصية الضيقة.

ومن أبرزها:

التفكير النقدي وحل المشكلات:
أن يستطيع المتعلم تحليل المواقف المعقدة، وتقييم الأدلة، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، واتخاذ قرارات قائمة على التفكير المنطقي.

الإبداع والابتكار:
القدرة على إنتاج أفكار جديدة، وإعادة صياغة المشكلات، وتجريب حلول غير تقليدية.

الوعي والمهارات الرقمية:
ليس المقصود مجرد استخدام الأجهزة والتطبيقات، وإنما فهم البيئة الرقمية، والتعامل الآمن والأخلاقي مع التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي.

التواصل والتعاون:
فالعمل المستقبلي أصبح أكثر اعتمادًا على الفرق متعددة التخصصات، وعلى القدرة على التواصل مع الآخرين وبناء المعرفة بصورة تشاركية.

المرونة والتكيف:
في عالم تتغير فيه الوظائف والتقنيات بسرعة، تصبح القدرة على التعلم وإعادة التعلم والتكيف مع التغيير من أهم عناصر النجاح.

التعلم الذاتي والتعلم مدى الحياة:
لم يعد التعلم مرحلة تنتهي بالحصول على الشهادة، وإنما أصبح عملية مستمرة ترافق الإنسان طوال حياته المهنية والشخصية.

وهذه الرؤية تتوافق مع توجهات OECD التي تضع إلى جانب المعرفة والمهارات كلًا من الاتجاهات والقيم، ووكالة المتعلم، والرفاه ضمن مكونات أساسية للتعلم المستقبلي.

المعلم في اقتصاد المعرفة

إذا كان المتعلم يتغير، فمن الطبيعي أن يتغير دور المعلم أيضًا.

لم يعد المعلم المصدر الوحيد للمعلومة، ولم يعد دوره مقتصرًا على نقل محتوى الكتاب الدراسي.

المعلم في اقتصاد المعرفة يصبح مصممًا لخبرات التعلم، وميسرًا للمعرفة، ومرشدًا للبحث، ومطورًا للتفكير، وداعمًا لقدرة الطالب على التعلم المستقل.

وتطرح OECD ضمن «بوصلة التدريس 2030» تصورًا لكفايات المعلم المستقبلية، مع التركيز على وكالة المعلم ورفاهيته وكفاياته المهنية، باعتبار المعلمين أنفسهم متعلمين مدى الحياة.

وهذا يعني أن تطوير المعلم لم يعد رفاهية أو نشاطًا تدريبيًا هامشيًا، وإنما أصبح شرطًا أساسيًا لإصلاح التعليم.

*هل نحتاج إلى إعادة بناء المناهج؟*

ربما تكون المناهج الدراسية هي المجال الأكثر حاجة إلى المراجعة في عصر اقتصاد المعرفة.

فالمشكلة ليست دائمًا في كمية المحتوى، وإنما في السؤال: هل ما يتعلمه الطالب اليوم هو ما سيحتاجه غدًا؟

وتشير OECD إلى وجود فجوة زمنية بين سرعة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية وبين قدرة المناهج على التكيف معها.

لذلك تحتاج المناهج الحديثة إلى الانتقال تدريجيًا من التركيز المفرط على تراكم المعلومات إلى بناء الكفايات.

وهذا لا يعني إلغاء المعرفة، بل إعادة تعريف علاقتها بالمهارة.

فلا يمكن أن نفكر تفكيرًا نقديًا في موضوع لا نملك معرفة أساسية به، ولا يمكن أن نبتكر دون امتلاك قاعدة معرفية، ولا يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة فعالة دون فهم المجال الذي نستخدمه فيه.

المطلوب إذن ليس «معرفة أم مهارة»، وإنما معرفة تتحول إلى مهارة، ومهارة تستند إلى معرفة، وقيم توجه استخدام الاثنين.

*الذكاء الاصطناعي يسرّع التحول*

أضاف الذكاء الاصطناعي التوليدي بعدًا جديدًا إلى قضية المهارات المستقبلية.

فقد أصبح الطالب قادرًا على الحصول على شرح، وتوليد أفكار، وتلخيص نصوص، والمساعدة في البرمجة والكتابة وتحليل البيانات خلال ثوانٍ.

وهذا يفرض على التربية سؤالًا جديدًا: إذا أصبحت الآلة قادرة على تنفيذ بعض المهام المعرفية، فما المهارات التي ينبغي أن نركز عليها لدى الإنسان؟

تزداد هنا أهمية الحكم البشري، والتفكير النقدي، والإبداع، والوعي الأخلاقي، والقدرة على التحقق، والتواصل، واتخاذ القرار.

وقد أصبحت هذه القضية جزءًا أساسيًا من أجندة OECD الحالية؛ إذ تضع المنظمة إعادة التفكير في التعليم في ضوء تطور قدرات الذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها الحديثة، إلى جانب أطر لمحو الأمية بالذكاء الاصطناعي لدى المتعلمين.

وبالتالي، فإن التربية في عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تكتفي بتعليم الطالب كيف يستخدم الأداة، بل يجب أن تعلمه أيضًا متى يستخدمها، ولماذا يستخدمها، وكيف يتحقق من نتائجها، وما الحدود الأخلاقية لاستخدامها.

*من المدرسة التي تُعد للامتحان إلى المدرسة التي تُعد للحياة*

التحدي الحقيقي أمام المؤسسات التعليمية هو إعادة تعريف النجاح.

هل الطالب الناجح هو الذي يحصل على أعلى الدرجات فقط؟

أم هو الذي يستطيع استخدام المعرفة في موقف جديد، والعمل مع الآخرين، وحل مشكلة حقيقية، والتعلم بصورة مستقلة، والتكيف مع التغير؟

إن التحول نحو اقتصاد المعرفة يفرض علينا توسيع مفهوم النجاح التعليمي.

فالدرجات مهمة، لكنها ليست الصورة الكاملة.

والشهادة مهمة، لكنها ليست نهاية التعلم.

والمعرفة ضرورية، لكنها لا تصبح ذات قيمة كاملة إلا عندما يستطيع الإنسان استخدامها بصورة مسؤولة وفعالة.

الجامعة أمام اختبار جديد

تواجه الجامعات تحديًا مضاعفًا؛ فهي مطالبة من جهة بإنتاج المعرفة من خلال البحث العلمي، ومن جهة أخرى بإعداد خريجين قادرين على المنافسة في سوق عمل سريع التغير.

وهذا يتطلب تعزيز العلاقة بين التعليم والبحث العلمي وسوق العمل والمجتمع.

كما يتطلب تشجيع التعليم البيني والتخصصات الجديدة، والمشروعات التطبيقية، والتعلم القائم على المشكلات، والتدريب العملي، وريادة الأعمال، والمهارات الرقمية.

فالوظائف المستقبلية لن تحترم دائمًا الحدود التقليدية بين التخصصات؛ وقد يحتاج الخريج إلى الجمع بين المعرفة التخصصية ومهارات البيانات والتواصل والإبداع والذكاء الاصطناعي والعمل الجماعي.

التربية ليست مصنعًا لإنتاج العمالة

وهنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية.

رغم أهمية ربط التعليم بسوق العمل، فإن اختزال التربية في إعداد القوى العاملة يمثل تصورًا ضيقًا لوظيفتها.

فالتربية لا تهدف فقط إلى إنتاج موظف أكثر كفاءة، وإنما إلى بناء إنسان قادر على التفكير والاختيار وتحمل المسؤولية والمشاركة في المجتمع.

ولهذا فإن اقتصاد المعرفة يحتاج إلى المهارات التقنية، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى القيم.

ويحتاج إلى الابتكار، لكنه يحتاج أيضًا إلى الأخلاق.

ويحتاج إلى المنافسة، لكنه يحتاج كذلك إلى التعاون.

ويحتاج إلى الذكاء الاصطناعي، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى الذكاء الإنساني الذي يوجه استخدامه.

نحو نموذج تربوي جديد

ربما نكون أمام لحظة تاريخية تستدعي الانتقال من نموذج تربوي تقليدي يقوم على «التعليم ثم العمل»، إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على التعلم المستمر، وإعادة التعلم، والتعلم مدى الحياة.

وفي هذا النموذج يصبح الطالب شريكًا في عملية التعلم، والمعلم قائدًا وميسرًا، والمنهج أكثر مرونة، والتقييم أكثر اهتمامًا بالأداء الحقيقي، والتكنولوجيا أداة للتمكين وليست هدفًا في حد ذاتها.

وهذه الفكرة تتقاطع مع «بوصلة التعلم 2030» التي تقدمها OECD، والتي تنظر إلى المتعلم باعتباره قادرًا على التحرك في سياقات غير مألوفة واتخاذ اتجاهات ذات معنى ومسؤولية، بدلًا من الاقتصار على تلقي التعليمات الجاهزة.

السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم

في عصر اقتصاد المعرفة، لم يعد التحدي الحقيقي هو الوصول إلى المعلومات؛ فالمعلومات أصبحت متاحة بصورة غير مسبوقة.

التحدي هو كيف نربي إنسانًا يستطيع أن يعيش ويتعلم ويعمل ويبتكر في عالم تتغير فيه المعرفة نفسها؟

وهذا يتطلب أن تعيد المؤسسات التعليمية النظر في أهدافها ومناهجها وطرائق تدريسها ونظم تقويمها.

فالمستقبل لن يكون لمن يحفظ أكبر قدر من المعلومات، ولا لمن يستخدم أكبر عدد من التطبيقات، وإنما لمن يستطيع أن يتعلم باستمرار، ويفكر بعمق، ويبتكر بجرأة، ويتعاون بفاعلية، ويستخدم التكنولوجيا بمسؤولية.

خاتمة: التربية هي استثمار المستقبل

إن اقتصاد المعرفة يضع التربية أمام مسؤولية تتجاوز جدران المدرسة والجامعة.

فكل استثمار في المناهج، والمعلم، والبحث العلمي، والمهارات، والتكنولوجيا، والتعلم مدى الحياة، هو في الحقيقة استثمار في قدرة المجتمع على التكيف والابتكار والمنافسة.

وقد يكون أهم تحول ينبغي أن نبدأ به هو تغيير نظرتنا إلى التعليم نفسه:

التعليم ليس مرحلة نمر بها للحصول على شهادة، بل قدرة نبنيها لنستطيع مواصلة التعلم طوال الحياة.

ومن هنا، فإن التربية في عصر اقتصاد المعرفة والمهارات المستقبلية ليست مطالبة بأن تتنبأ بكل وظيفة ستظهر خلال السنوات المقبلة؛ فهذا أمر غير ممكن.

لكنها مطالبة بأن تمنح الإنسان ما هو أكثر قيمة من وظيفة محددة: القدرة على التعلم، والقدرة على التفكير، والقدرة على التكيف، والقدرة على الابتكار، والقدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي في عالم لا يتوقف عن التغير.

وهنا تكمن المهمة الكبرى للتربية: أن تُعد إنسانًا للمستقبل، لا لمجرد وظيفة في المستقبل.

أ.د. هالة حسن بن سعد الجزار
أستاذ أصول التربية المساعد بكلية التربية – جامعة العاصمة

 

نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.

يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى