ليست قضية أبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن مجرد مسألة تصاريح عمل أو إجراءات إدارية تتعلق بمن يحمل رقماً وطنياً ومن لا يحمله. إنها قضية تاريخية وإنسانية تعود جذورها إلى عام 1967، حين اضطر آلاف الفلسطينيين إلى مغادرة قطاع غزة نتيجة الحرب والاحتلال، فاستقبلهم الأردن في ظروف استثنائية، كما استقبل الفلسطينيين عام 1948 عقب النكبة.
أبناء غزة لم يأتوا إلى الأردن باعتبارهم عمالة وافدة تبحث عن فرص عمل، ولم يدخلوا المملكة ضمن برامج استقدام العمال الأجانب، بل وصلوا إليها نتيجة التهجير القسري، واستقرت عائلاتهم فيها على امتداد عقود، ونشأت أجيال لا تعرف من الحياة اليومية مكاناً سوى الأردن.
ومن هنا يبدأ جوهر القضية: هناك فرق بين إنسان اختار الانتقال إلى دولة بحثاً عن العمل، وإنسان اضطر إلى مغادرة وطنه بسبب الحرب، ثم امتدت حياته وحياة أبنائه وأحفاده في بلد الاستضافة. لذلك، فإن التعامل مع أبناء غزة بمنطق العمالة الوافدة وحده يتجاهل خلفيتهم التاريخية والإنسانية.
تصريح العمل لا يختصر القضية
أعادت التصريحات الأخيرة بشأن إلزام كل من لا يحمل رقماً وطنياً أردنياً بالحصول على تصريح عمل، باستثناء أبناء الأردنيات، فتح ملف أبناء غزة في الأردن.
وبغض النظر عن حق الدولة الأردنية في تنظيم سوق العمل، فإن وضع أبناء غزة يحتاج إلى معالجة تشريعية تراعي خصوصيتهم، ولا تضعهم في السياق نفسه الذي ينطبق على العمالة الوافدة.
لقد منحت وزارة العمل الأردنية أبناء غزة تسهيلات خاصة، تشمل الإعفاء من رسوم تصاريح العمل في المهن المشمولة بالتعليمات، مع استيفاء بدل تدقيق الطلب. لكن الإعفاء من الرسوم لا يعني الإعفاء من التصريح، كما أن تخفيف الإجراءات لا يعادل ضمان الحقوق المدنية بصورة مستقرة وشاملة.
إن المطلوب ليس تجاوز القوانين الأردنية، بل تطويرها بما يحقق العدالة ويراعي الظروف التاريخية التي أوجدت هذه الفئة على أرض المملكة.
قرار سابق يحتاج إلى إحياء
يُشار في النقاش حول هذا الملف إلى قرار لمجلس الوزراء الأردني في عهد رئيس الوزراء الأسبق فيصل الفايز، وبناءً على توجيهات من الملك الراحل الحسين بن طلال، بمعاملة أبناء غزة معاملة المواطن الأردني في المجالات المدنية، مع استثناء الحقوق السياسية.
إن هذا التوجه، الذي يحتاج نصه الأصلي إلى مراجعة وتوثيق رسمي، يستحق إعادة النظر والبناء عليه، وصولاً إلى معالجة قانونية شاملة تنهي حالة التفاوت في المعاملة.
فلماذا لا تتحول هذه الرؤية إلى تشريع واضح ومستقر، بدلاً من بقاء الحقوق رهناً بالتعليمات والاستثناءات والقرارات الإدارية المتفرقة؟
جواز سفر مؤقت.. وحياة امتدت لأجيال
من أكثر المسائل تعبيراً عن واقع أبناء غزة استمرار حملهم جواز سفر أردنياً مؤقتاً، لا يمنحهم الجنسية أو الرقم الوطني، رغم أن وجود عائلاتهم في الأردن امتد لأكثر من نصف قرن.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يُعقل أن يعيش الإنسان في بلد لعقود، وأن يولد أبناؤه وأحفاده فيه، ثم يستمر وضعه القانوني مؤقتاً جيلاً بعد جيل؟
المشكلة ليست في تسمية وثيقة السفر وحدها، بل في الفجوة بين واقع اجتماعي مستقر ووضع قانوني لا يوفر دائماً الاستقرار المطلوب في العمل والتعليم والسكن والمعاملات اليومية.
فالتمسك بالهوية الفلسطينية وحق العودة لا يتعارض مع ضمان الحقوق المدنية، والاستقرار في بلد الاستضافة لا يعني التنازل عن فلسطين أو التخلي عن الحقوق الوطنية.
تشريع خاص.. حقوق مدنية كاملة دون حقوق سياسية
إن الحل الذي نطرحه لا يقوم على المطالبة بمنح الجنسية الأردنية، ولا على تغيير الهوية الوطنية لأبناء غزة، ولا على المطالبة بحقوق سياسية داخل المملكة.
المطلب واضح: سنّ تشريع خاص بأبناء قطاع غزة المقيمين في الأردن، يمنحهم حقوقاً مدنية كاملة، مع استثناء الحقوق السياسية، ويحفظ هويتهم الفلسطينية وحقهم في العودة، ويراعي في الوقت نفسه السيادة الأردنية والمصالح الوطنية للمملكة.
ويشمل ذلك ضمان حقوقهم في العمل والتعليم والصحة والتملك والسكن والحماية الاجتماعية والاستقرار الأسري، وتنظيم وثائقهم وإجراءاتهم القانونية بما ينهي مظاهر التمييز غير المبرر.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة الأردنية ومجلس الأمة، كما يمكن للإرادة الملكية لجلالة الملك عبدالله الثاني أن تشكل مدخلاً مهماً لإعادة فتح هذا الملف ووضعه على مسار تشريعي جاد.
الأردن الذي استقبلهم يستحقون فيه حياة كريمة
نحن ندرك خصوصية التجربة الأردنية، وحجم المسؤوليات التي تحملتها المملكة تجاه القضية الفلسطينية واللاجئين الفلسطينيين. وهذه المطالبة لا تنطلق من موقف عدائي تجاه الأردن أو مؤسساته، بل من الحرص على معالجة قضية إنسانية وقانونية تستحق حلاً عادلاً ودائماً.
أبناء غزة لا يطلبون أن يكونوا نواباً أو وزراء، ولا يسعون إلى منافسة الأردنيين على حقوقهم السياسية. إنهم يريدون أن يعيشوا بكرامة، وأن يعملوا دون أن تتحول وثائقهم إلى عائق، وأن يحصل أبناؤهم على فرص عادلة، وألا يبقى مستقبلهم معلقاً بإجراءات ووثائق مؤقتة.
إن الحفاظ على الهوية الفلسطينية لا يتناقض مع ضمان الحقوق المدنية، واحترام سيادة الأردن لا يتعارض مع معالجة أوضاع أبناء غزة تشريعياً وإنسانياً.
فليس من العدل أن يبقى الإنسان مؤقتاً في أوراقه، بينما أصبح عمره وحياة أبنائه وذاكرتهم جزءاً من تاريخ المكان الذي استقبله.
لقد مر أكثر من نصف قرن، وتعاقبت أجيال، وبقي السؤال قائماً: متى تنتهي صفة المؤقت، ويبدأ زمن الحقوق المدنية المستقرة؟
إن إنصاف أبناء غزة لا ينتقص من الأردن، بل يعكس قدرة الدولة على تحويل موقفها التاريخي والإنساني إلى إطار قانوني عادل، يحفظ كرامة الإنسان، ويصون الهوية الفلسطينية، ويمنح الأجيال حقها في حياة كريمة ومستقرة.
ناجي عبد الرحمن
كاتب فلسطيني
نقدم لكم من خلال بوابة الاخبار 24 تغطية إخبارية شاملة ومستمرة على مدار 24 ساعة لأهم الأخبار في أقسام سياسة، اقتصاد، ثقافة، فن، رياضة، تكنولوجيا، المرأة، طب وعلوم، سيارات، و مقالات، بالإضافة إلى متابعة دقيقة لآخر الأخبار العربية والدولية وقضايا مصر وسوريا وفلسطين والعراق واليمن ودول مجلس التعاون ودول المغرب العربي.
يحرص فريق بوابة الاخبار 24 على تقديم محتوى حصري ومتنوع يشمل مباريات اليوم وأخبار منوعة، إلى جانب تغطية متخصصة للدوريات الكبرى مثل الدوري الإسباني والإيطالي والألماني والسعودي والمصري، مع متابعة مميزة لأخبار السينما والمسرح والقنوات والبرامج والإذاعة والمنصات الرقمية. كما يهتم الموقع بتغطية الندوات والكتب والمعارض، ليقدم تجربة إخبارية متكاملة تلبي جميع اهتمامات القارئ العربي.



